خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 10:00
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كل كاتب يخون، في كل جملة يكتبها، شيئًا مما عاشه.
فحين تدخل التجربةُ اللغةَ، لا تعود هي نفسها. ما كان حركةً في الجسد يصبح كلمة، وما كان ارتجافًا عابرًا يصبح وصفًا، وما كان لحظةً مكتملة بكل روائحها وأصواتها وارتباكها يتحول إلى سلسلة من العلامات. لا تنقل اللغة التجربة كما هي؛ إنها تنتزع منها شيئًا، وتترك شيئًا، وتعيد ترتيب شيء آخر. ولذلك فكل كتابة هي، من جهة ما، خيانة. لكنها خيانة ضرورية. فلو استطاع الكاتب أن ينقل تجربته كاملة، وأن يزرع في القارئ الحزن نفسه، والخوف نفسه، والدهشة نفسها، والتفصيل نفسه الذي عاشه، لما كان هناك أدب. كان سيكون نوعًا من الاستنساخ الوجداني؛ نسخة من تجربة داخل تجربة أخرى، لا عملًا فنيًا.
يبدأ الأدب تحديدًا عند العجز عن النقل الكامل. ولهذا فإن النقص الذي يصيب التجربة حين تدخل اللغة ليس عيبًا ينبغي التخلص منه، بل شرطًا لإمكان الأدب نفسه. فالكاتب لا يستطيع أن يعطي القارئ تجربته، لكنه يستطيع أن يعطيه أثرًا منها، شكلًا ناقصًا منها، علامةً تفتح الطريق إليها.
ومن هنا يمكن النظر إلى ما نسميه "الغموض الفني" أو "الإيحاء" نظرة مختلفة. فالغموض ليس دائمًا تقنية جمالية يتعمدها الكاتب ليبدو عميقًا، ولا الإيحاء مجرد لعبة أسلوبية. في أفضل حالاتهما، هما اعتراف صامت بحدود اللغة. كل استعارة تقول شيئًا من هذا القبيل: لن أستطيع أن أعطيك التجربة كاملة، فخذ هذا الأثر، وأكمل أنت ما عجزت اللغة عن حمله.
حين يقول الكاتب: "كان حزينًا"، فإنه يمنح القارئ اسم الشعور. أما حين يكتب أن الرجل ظل يفتح باب غرفة ابنه قبل أن يتذكر أنه مات، فإنه لا يمنحه الحزن، بل يمنحه مكانًا يستطيع الحزن أن يحدث فيه. وهنا تبدأ مشاركة القارئ.
لا يستقبل القارئ تجربة الكاتب كما يستقبل رسالة. إنه يعيد بناءها من مواده الخاصة. حين يقرأ عن الفقد، يستدعي فقده. وحين يقرأ عن بيت غادره صاحبه، قد يستحضر بيته الأول. وحين يقرأ عن شخص ينتظر عند نافذة، لا يملأ النافذة بصورة الكاتب، بل بصورة نافذته هو، وانتظاره هو، وغيابه هو. لذلك فإن الأدب لا ينقل التجربة من وعي إلى وعي، بقدر ما ينقل إمكان التجربة. وهذا هو سر الفجوة.
هندسة الفراغ
إذا كان الأدب لا يستطيع أن يقول كل شيء، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كم قال الكاتب؟ بل: ماذا ترك؟ وأين تركه؟
فالفراغات ليست كلها متشابهة. هناك فراغ حسي، حين يعطي الكاتب من تفاصيل المشهد ما يكفي لإيقاظ الخيال، ثم يتوقف قبل أن يكتمل المشهد. وهناك فراغ عاطفي، حين لا يسمي الشعور وإنما يترك سلوكًا أو حركة أو صمتًا يستدعيه. وهناك فراغ معرفي أو أخلاقي، حين يرفض النص أن يمنح القارئ حكمًا جاهزًا، ويتركه في مواجهة سؤال لا يستطيع التخلص منه. وهنا يصبح "الفراغ" مفهومًا نقديًا، لا استعارة فحسب. فالفراغ الأدبي الجيد له حواف، له موقع وله مقدار من الانفتاح. إنه ليس غياب المعنى، بل تأجيلًا مقصودًا لاكتماله.
لا يترك الكاتب الماهر للقارئ صفحة بيضاء، بل يترك له مساحة محددة داخل صورة اكتملت معظم خطوطها. وهذا هو الفرق بين الفراغ الفني والفراغ الكسول. الفراغ الكسول هو أن يعجز الكاتب عن إنتاج المعنى، ثم يطلب من القارئ أن ينتجه بدلًا منه. أما الفراغ الفني فهو أن ينتج الكاتب من العلامات ما يكفي لتحديد مجال التأويل، ثم يمتنع عن إغلاقه.
الأول فوضى والثاني حرية منضبطة
ولهذا فإن الغموض ليس قيمة في ذاته. قد يكون النص غامضًا لأنه عميق، وقد يكون غامضًا لأنه لا يعرف ماذا يريد أن يقول. ليست المشكلة في مقدار ما يخفيه النص، بل في نوع ما يخفيه. لا يترك النص العظيم فراغًا بلا حواف؛ يترك فراغًا يستطيع القارئ أن يسكنه، لا حفرة يستطيع أن يسقط فيها.
من نقل المعنى إلى توليده
ربما أخطأنا طويلًا حين تصورنا الأدب بوصفه عملية نقل. لدى كاتب تجربة، ثم يحولها إلى لغة، ثم تصل اللغة إلى قارئ يستعيد التجربة. لكن الأمر لا يحدث هكذا. تنتهي التجربة الأولى عند الكاتب. ما يصل إلى القارئ ليس التجربة، وإنما مجموعة من العلامات التي تسمح له بإنتاج تجربة أخرى. ولهذا لا يكون القارئ نسخة من الكاتب. قد يقرأ عشرة أشخاص النص نفسه، ويخرج كل منهم منه بشيء مختلف، دون أن يعني ذلك أن النص فشل في توصيل معناه. ربما يكون اختلافهم نفسه دليلًا على نجاحه. فالنص العظيم لا يفرض على القارئ أن يرى العالم بعيني الكاتب، بل يمنحه ما يكفي لكي يبدأ في رؤية شيء بعينيه هو. وهنا تتحول الكتابة من نقل المعنى إلى إنتاج شروط حدوث المعنى. وهذا فرق جوهري. فالشرح يغلق الطريق حين يقدم النتيجة. أما الأدب فيفتح الطريق حين يقدم العلامة ويترك النتيجة معلقة.
الكاتب الذي يعرف متى يصمت
لهذا، لا تكمن براعة الكاتب في أن يجد العبارة المناسبة فحسب، بل في أن يعرف أحيانًا متى لا يقول العبارة المناسبة. قد تكون الجملة التي تشرح كل شيء صحيحة، لكنها تقتل الشيء الذي كانت تريد إنقاذه. والكاتب الضعيف يخاف من أن يُساء فهمه، فيشرح أكثر؛ يفسر الشخصية، ويشرح دوافعها، ويسمي مشاعرها، ويحدد موقف النص الأخلاقي، ثم لا يترك للقارئ إلا مهمة واحدة: القراءة. أما الكاتب العظيم فيثق بالقارئ بما يكفي ليترك له جزءًا من العمل. ليس لأنه لا يعرف، بل لأنه يعرف أن المعرفة الكاملة ليست دائمًا غاية الفن. ففي الأدب، قد تكون بعض الأشياء أكثر حضورًا حين لا تُسمّى. إن الصمت أكثر دلالة من الكلام أحيانًا، والحركة الصغيرة أكثر كثافة من الاعتراف، والتفصيل الهامشي قد يحمل ما تعجز عنه صفحة كاملة من الشرح. إن البلاغة ليست فقط القدرة على القول، بل القدرة على الامتناع عن القول في اللحظة التي يصبح فيها القول خيانة ثانية للنص.
الخيانة الثانية
فالكاتب يخون التجربة حين يحولها إلى لغة، لكنه يخون اللغة أيضًا حين يتوهم أنها قادرة على أن تكون التجربة نفسها. وهنا تصبح الكتابة فعلًا من التواضع. الكاتب الحقيقي لا يقول: "هذا ما حدث". بل يقول، بطريقة أو بأخرى: "هذا أقرب ما استطعت أن أقوله عما حدث". بين الجملتين مسافة هائلة؛ ففي الأولى، ادعاء امتلاك، وفي الثانية، اعتراف بحدود اللغة. ومن هذا الاعتراف يولد الإيحاء. فالاستعارة ليست طريقة أجمل لقول الشيء نفسه فحسب، إنها إحدى أعمق الطرق للاعتراف بأن الشيء لا يمكن قوله مباشرة أحيانًا. لهذا، تترك بعض الصور الشعرية معنا ذات أثر طويل، ليست لأنها شرحت لنا شيئًا، بل لأنها تركت شيئًا فينا لم تستطع هي نفسها أن تشرحه.
وهل يحتاج الكاتب إلى أن يعيش ما يكتب؟
هنا يظهر سؤال أكثر تعقيدًا؛ إذا كان الأدب العظيم يقوم على ترك الفراغ الصحيح، فهل يستطيع كاتب لم يعش التجربة أن يترك فراغًا صادقًا؟ ليس من الضروري أن يعيش الكاتب كل ما يكتب عنه. الأدب ليس سيرة ذاتية مقنعة. الكاتب يستطيع أن يكتب عن الموت دون أن يكون قد فقد الشخص نفسه، وعن الحب دون أن يكون قد عاش القصة ذاتها، وعن الحرب دون أن يكون قد حمل السلاح. لكن ثمة فرقًا بين أن تعرف التجربة، وأن تعرف بنيتها الإنسانية.
قد لا يعرف الكاتب موتًا بعينه، لكنه يعرف الانتظار، والخوف، والتعلق، والندم، والعجز. وقد لا يكون قد هجر بيتًا، لكنه يعرف معنى أن يكون للإنسان مكان لا يستطيع العودة إليه. فالخيال لا يقوم على التطابق، بل على القدرة على العبور. ومع ذلك تبقى هناك مسألة لا يمكن تجاهلها: بعض الفراغات لا تأتي من معرفة الكاتب باللغة فقط، بل من شيء دفعه إلى الصمت أصلًا.
هناك فرق بين أن يحذف الكاتب تفصيلًا لأنه تعلم أن الحذف أكثر تأثيرًا، وأن يحذفه لأنه لا يستطيع الاقتراب منه دون أن ينكسر شيء في داخله. قد تكون النتيجة الجمالية متشابهة، لكن مصدرها مختلف. وهنا تظهر إحدى أعمق مسائل الكتابة: هل قيمة الفراغ في شكله، أم في الثمن الذي دُفع لتركه؟
الأدب بوصفه تحريرًا للتجربة
ربما لا يكون الكاتب العظيم هو الذي يحافظ على تجربته داخل النص، بل الذي يستطيع أن يحررها من نفسه. فالكاتب يبدأ بتجربة تخصه، ثم يخونها باللغة، ثم يترك فيها فراغًا، ثم يأتي القارئ فيسكن ذلك الفراغ بتجربته الخاصة. وهكذا تنتقل التجربة من صاحبها إلى نصها، ومن نصها إلى قارئها، ثم تولد في القارئ بصورة لم تكن موجودة عند الكاتب أصلًا، إنها سلسلة من الخيانات الضرورية:
تجربة ← لغة ← نص ← قارئ ← تجربة جديدة
ولا توجد في أي مرحلة نسخة مطابقة لما قبلها. ولهذا فالأدب العظيم لا يحفظ التجربة؛ بل يحرر إمكانها. إنه يأخذ شيئًا حدث لشخص واحد، وينزعه من خصوصيته دون أن يسلبه فرادته، ثم يمنحه إمكانية أن يحدث، بصورة أخرى، داخل أشخاص لم يعيشوه قط. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة.
يكتب الكاتب لكي يقول ما عاشه، لكنه لا يستطيع أن ينقله كما عاشه، والقارئ يقرأ لكي يفهم الكاتب، لكنه لا يستطيع أن يشعر بما شعر به الكاتب. ومع ذلك يحدث شيء ثالث بينهما. شيء لم يكن عند الكاتب وحده، ولا عند القارئ وحده، بل نشأ في المسافة بينهما. وتلك المسافة هي الأدب.
ولعل الأدب العظيم ليس النص الذي يملأ كل الفراغات، بل النص الذي يعرف بدقة أي فراغ يجب أن يتركه فارغًا. فالكاتب الضعيف يخاف أن يترك شيئًا ناقصًا، فيشرح كل شيء. أما الكاتب العظيم، فيعرف أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تُقال كي تصل. إنه لا يعطيك تجربته كاملة. إنه يمنحك أثرها، ثم ينسحب خطوة. وفي تلك الخطوة التي ينسحب فيها الكاتب، يدخل القارئ.
#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)
Khaled_Ali_Silevani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟