أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - القرب المعرفي الوهمي: حين يتحرك المجتمع في مكانه















المزيد.....

القرب المعرفي الوهمي: حين يتحرك المجتمع في مكانه


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم تعد مشكلة الإنسان المعاصر أنه بعيد عن المعرفة. فالمعلومات متاحة أكثر من أي وقت مضى، والفكرة التي كانت تحتاج إلى سنوات من القراءة تصل إلينا في دقائق. ومع ذلك، وفي كثير من الأحيان؛ تبقى طريقة فهم المجتمعات لقضاياها الأساسية على حالها، وتعود الأسئلة نفسها إلى النقاش كل بضعة أشهر.
أطرح في هذا المقال فرضية لتفسير ذلك: ثمة حالة تقع بين الجهل والعلم، أسميها (القرب المعرفي الوهمي). ليست جهلاً يظن صاحبه أنه يعرف، ولا علماً زائفاً يدّعي ما لا يملك. إنها شعور بالاقتراب من المعرفة يسبق امتلاكها ويحلّ محلها.
بين الجهل والعلم: تفكيك الشعور
يتكوّن هذا الشعور من خلط بين ثلاثة أشياء مختلفة. الأول الألفة: أن يصير الاسم مألوفاً لكثرة ما سمعناه. والثاني التعرّض: أن نرى أطرافاً من الفكرة، مقطعاً أو عنواناً أو اقتباساً. والثالث الفهم: أن نستطيع شرح بنية الفكرة، ونعرف أين تصح وأين تضعف.
الألفة والتعرّض يولّدان من الداخل إحساساً يشبه إحساس الفهم تماماً، وليس في النفس علامة تنبّهنا إلى الفرق. الجاهل يعرف أنه لا يعرف فيسأل. أما صاحب (القرب الوهمي) فلا يجد في نفسه ما يدفعه إلى السؤال، لأن شعوره يخبره أن الأمر انتهى.
وهنا يكمن الفرق في الكلفة. الألفة والتعرّض يكادان يكونان مجانيين، أما الفهم فيتطلب متابعة حجة من أولها إلى آخرها، واحتمال الغموض، ومحاولة الشرح بكلماتنا. لقد خفّضت الإتاحة كلفة الشعور بالمعرفة إلى ما يقارب الصفر، وبقيت كلفة الفهم كما كانت.
حين تصير المعلومة قطعة
تصلنا المعلومة اليوم في الغالب مقطعاً قصيراً أو عنواناً أو تعليقاً أو جزءاً من حوار طويل، لا ضمن كتاب أو نقاش متصل. ولنتخيل أزمة اقتصادية تقع في بلد ما. في الصباح مقطع من دقيقة يفسرها بسبب واحد. وفي الظهر مقطع آخر يفسرها بسبب مناقض، وتحته مئات التعليقات الحادة. وفي المساء سلسلة تغريدات تزعم كشف "القصة الحقيقية". وفي اليوم التالي تحلّ أزمة أخرى.
بعد أسبوع يشعر المتابع بأنه يعرف الأزمة جيداً: يحفظ أسماء الأطراف والمصطلحات، ويميز النبرات. لكنه لو سُئل عن السبب البنيوي، وعن الخيارات المطروحة، وعن ثمن كل خيار، لوجد أنه لا يملك جواباً متماسكاً. لقد رأى كل شيء ولم يقرأ شيئاً.
إنّ الذي ينقص هنا هو التراكم: أن نربط المعلومة بما سبقها، ونختبرها في ضوئه، ونعدّل فهمنا بناءً عليها. القطعة المنفصلة تبدأ من الصفر ولا تسلّم شيئاً إلى ما بعدها. وهي في الغالب لا تكمل ما قبلها بل تنافسه، فتتشتت البوصلة؛ لأن الأجزاء تصل بلا ترتيب ولا أوزان.
وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجتمع بصورة أشد. فالمعرفة الاجتماعية ليست مجموع ما يعرفه الأفراد. إنها تحتاج إلى لغة مشتركة تضبط المفاهيم، وذاكرة تحفظ نتائج النقاشات، ومعايير تميّز الادعاء من الدليل. وحين تغيب هذه، يعرف كل فرد شيئاً وتتبدد الحصيلة، فتعود الأسئلة القديمة بأسماء جديدة.
ولا أزعم أن وسائل التواصل تضعف التفكير بالضرورة. فقد أتاحت الكتب والمحاضرات والبحوث، وأسمعت أصواتاً كانت مهمّشة. لكن الأداة التي تتيح المعرفة لا تضمن كيفية استخدامها.
اقتصاد الانتباه: بنية تكافئ القطعة
لماذا تأتينا المعلومة قطعاً؟ ليس السبب كسل المتلقين وحدهم. فأغلب المنصات تعيش على الوقت والانتباه الذي يقضيه المستخدم عليها، وتقيس نجاحها بالتفاعل والبقاء، لا بما يفهمه الناس. وفي منطق كهذا تربح المادة القصيرة الجديدة المثيرة للانفعال، وتخسر المادة الطويلة التي تتطلب تراكماً.
ولا نحتاج لتفسير ذلك إلى افتراض سوء نية عند أحد. يكفي أن يُقاس نجاح المنصة بالوقت والتفاعل، وألا يُقاس بمقدار ما فهمه المستخدم، فينتشر ما يجذب الانتباه ويتراجع ما يتطلب جهداً في الفهم. عندئذ تصبح البيئة التي نتحرك فيها تكافئ من يدخل في قطعة جديدة أكثر مما تكافئ من يُكمل قطعة سابقة. وهذه فرضية تفسيرية تحتاج إلى اختبار، لكنها تنقل جزءاً من المشكلة من عادات المتلقي إلى البنية التي تكافئ هذه العادات.
دائرة تبدو طريقاً
أخطر ما في القرب الوهمي أنه لا يمنح المجتمع شعوراً بالجمود، بل شعوراً بالحركة. كل يوم قضية جديدة، ونقاش جديد، ومعلومة جديدة، وإعادة سرد لحدث قديم بدل تفكيكه. تتغير الكلمات والوجوه والأمثلة، وتبقى البنية التي تنتج الأحكام كما هي.
يناقش المجتمع التعصب في مناسبة، ثم يمارسه في أخرى. ويكتشف عيوب خطاب عام، ثم ينشغل بخطاب جديد يحمل العيوب نفسها. ويكرر الحديث عن أسباب التخلف دون معيار يختبر به تفسيراته. وكأن شخصاً يمشي في دائرة واسعة جداً، فيحسب أنه يتقدم لأن المنظر حوله يتغير، بينما موضعه هو الذي لا يتغير.
فالمجتمع هنا لا يتوقف. بل هو يخلط الحركة بالتقدم، وتجدد المعلومات بتطور الوعي.
التعليق بين ما نعرفه وما نفعله
وحين تتسع مساحة ما نراه من تفسيرات واحتمالات دون أدوات لترتيبها، يتحول التعدد من مصدر ثراء إلى حالة تعليق. نعرف أن هناك مشكلة ولا نتفق على تفسيرها. ونعرف أن بعض الحلول فشل ولا نملك معياراً مشتركاً لتقييم البدائل. ونتنقل بين تجارب المجتمعات الأخرى بين الإعجاب والرفض دون أن نحدد ما يناسبنا منها.
هذا ما أسميه التعليق: خلل في الصلة بين المعرفة والاختيار والعمل، لا غياب للإرادة ولا نقص في المعلومات. ومع استمراره يتحول الحديث عن التغيير إلى بديل نفسي عنه، فيشعر الناس بأنهم أدّوا واجبهم تجاه المشكلة بمجرد مناقشتها.
شروط الخروج من الدائرة
بدل تقديم وصايا، أسأل: ما الشروط التي إن توافرت تحوّل الاطلاع إلى تراكم؟ أراها أربعة:
1. مفاهيم مضبوطة. أن نتفق على معنى المصطلح قبل أن نختلف حوله، وإلا اختلفنا على الكلمات لا على القضايا.
2. نتائج محفوظة: أن ينتهي النقاش إلى شيء يبقى: نقطة خلاف محددة، أو نتيجة اختُبرت، فلا يبدأ النقاش التالي من الصفر.
3. معيار للحسم: أن يُعرف سلفاً ما الذي سيجعلنا نغير موقفنا. فالخلاف الذي لا معيار فيه يستمر بلا نهاية.
4. بنية تكافئ الإكمال: مؤسسات وفضاءات لا تقيس نجاحها بالانتباه اللحظي، كالجامعات والمنابر والصحافة ذات النفس الطويل.
وهذه شروط جماعية في جوهرها، ولا يستطيع فرد أن يوفرها وحده. لكن لكل واحد منا أن يسأل نفسه: أيّ هذه الشروط أحققه فيما أقرأ وأناقش؟
خاتمة
لا يُكشف القرب الوهمي بقياس ما نعرف، بل بسؤال بسيط يستطيع أي مجتمع وأي فرد أن يطرحه: ما الذي تغيّر في أحكامنا منذ العام الماضي، وبأي دليل؟ فإن عجزنا عن الجواب فنحن نقترب ولم نصل، مهما كثرت الخطوات.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسؤولية الاعتقاد
- عزلة الأثر
- دستور الذات: كيف تحكمنا قوانين كتبناها في أزمنة لم نعد نعيشه ...
- حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولو ...
- التعب الأخلاقي: حين يتسع الضمير أسرع من القدرة
- الرواية: بين التركيز والتوزيع
- هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟
- جغرافيا الغياب: نحو تاريخ آخر للأدب
- الأدب كخيانة ضرورية: تأمل في العلاقة بين التجربة واللغة والق ...
- لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف


المزيد.....




- مصر.. الداخلية تعقب على فيديو سائحتين بـ-استعراض إباحي وتلمي ...
- السعودية.. اعتراض وتدمير 4 مسيّرات في المدينة المنورة والمنط ...
- -لوفيغارو-: شوكولاتة بريجيت ماكرون تحت حماية الشرطة بينما تن ...
- -وول ستريت جورنال-: ترامب يسعى لـ-مؤتمر يالطا جديد- مع بوتين ...
- روبيو: ويتكوف الآن في طريقه إلى سان بطرسبورغ
- من سيبعد الآخر؟ طعون متبادلة لمرشحي الرئاسة في البرازيل
- ويتكوف يلتقي بوتين لبحث مقترحات جديدة بشأن أوكرانيا
- ستارلينك تربك حسابات كييف.. تقرير يكشف قرارا مفاجئا لماسك
- لغز الولادة المبكرة.. اكتشاف علمي يكشف عاملا خفيا وراءها
- ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي -بسرعة كبيرة-


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - القرب المعرفي الوهمي: حين يتحرك المجتمع في مكانه