خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 22:11
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ليس الإنسان كائنًا يستقبل الأفكار ثم يفحصها من مسافة محايدة؛ إنه يعيش داخل منظومة من المعتقدات والمعايير التي تشكّل رؤيته للعالم، وتؤثر في أحكامه وقراراته وعلاقاته بالآخرين. وبعض هذه المعتقدات يكتسبه بالتجربة، وبعضها يرثه من بيئته، وبعضها يتبناه لأنه يمنحه شعورًا بالأمان أو الانتماء أو المعنى.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول ما يمنحنا الطمأنينة إلى ما نعدّه حقيقة، وحين نخلط بين ما نرغب في تصديقه وما تبرره الأدلة، أو بين ما يريحنا نفسيًا وما يصح أخلاقيًا. فقد يتمسك الإنسان باعتقاد لأنه يخفف قلقه، أو يحمي صورته عن نفسه، أو يبرر سلوكه، من دون أن يسأل إن كان هذا الاعتقاد صحيحًا أصلًا، أو إن كانت نتائجه عادلة.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز مضمون المعتقدات إلى الطريقة التي نحكم بها عليها: ما المرجعية التي تتيح لنا التمييز بين الاعتقاد الذي يستحق أن نثق به، والاعتقاد الذي لا يفعل سوى إشباع حاجتنا إلى اليقين؟
لا يكفي أن نجيب بأن المرجعية هي العقل؛ فالعقل قد يعمل داخل افتراضات خاطئة، وقد يُستخدم لتبرير ما قررنا الإيمان به مسبقًا. ولا تكفي التجربة وحدها، لأن التجارب الفردية محدودة، ولأن الإنسان قد يعمم من حالات قليلة أو يسيء تفسير ما عاشه. كما لا تكفي الراحة النفسية، لأن الإنسان قد يجد راحته في العزلة أو التعصب أو السيطرة على الآخرين، ولا يجعل ذلك هذه الخيارات صحيحة بالضرورة.
لسنا، إذن، بحاجة إلى مرجعية تختزل الحقيقة في معيار واحد، بل إلى إطار متعدد المعايير، يستطيع أن يختبر المعتقد من جهات مختلفة، وأن يكشف مواطن قوته وضعفه، بدلًا من أن يمنحه الشرعية لمجرد أنه مألوف أو مريح أو شائع. وهو إطار نقدّمه بوصفه منهجًا للتبرير والمراجعة، لا آلةً تُصدر أحكامًا قطعية.
أولًا: الصدق مع الواقع - هل يصف اعتقادنا ما هو كائن؟
المعيار الأول هو مدى توافق الاعتقاد مع الوقائع والأدلة المتاحة. فالفكرة التي تتعلق بالعالم لا تصبح صحيحة لأننا نحبها، ولا لأننا نشعر بعمق الاقتناع بها. إنما تستمد قوتها من قدرتها على تفسير الوقائع، ومواجهة الأدلة المخالفة، والصمود أمام الاختبار.
قد يعتقد شخص أن الآخرين يتعمدون إهماله، فيفسر كل تأخر في الرد على أنه دليل على عدم الاهتمام. لكن الوقائع نفسها قد تحتمل تفسيرات أخرى: الانشغال، أو الاختلاف في أساليب التواصل، أو ظروف لا يعرفها. وإذا كان الاعتقاد لا يسمح بأي تفسير بديل، فإنه قد يتحول من أداة لفهم الواقع إلى حاجز يمنع صاحبه من رؤيته.
ولا يعني هذا أن كل حقيقة إنسانية قابلة للقياس المباشر، أو أن الأدلة تكون حاسمة في جميع المسائل. فبعض الأحكام يتعلق بالقيم والمعاني والتجارب الذاتية، ولا يُحسم بالطريقة التي تُحسم بها المسائل التجريبية. لكن ذلك لا يمنحنا ترخيصًا بتجاهل الواقع؛ بل يقتضي أن نحدد نوع السؤال، ونوع الأدلة المناسبة له، ودرجة اليقين التي يمكن تبريرها.
إن الصدق مع الواقع يبدأ من الاستعداد للقول: ربما أكون مخطئًا، وربما تكون الوقائع أوسع من التفسير الذي اعتدت عليه.
ثانيًا: الاتساق الداخلي - هل تستطيع أفكارنا أن تجتمع دون تناقض؟
قد يستند الاعتقاد إلى بعض الوقائع، لكنه يظل جزءًا من منظومة تتناقض مع نفسها. فقد يطالب الإنسان بالعدل حين يكون هو المتضرر، ثم يبرر الاستثناء لنفسه حين يصبح صاحب المصلحة. وقد يرفض أن يحكم الآخرون عليه من خلال خطأ واحد، لكنه يختزل شخصًا آخر في خطأ ارتكبه.
هنا لا تكمن المشكلة بالضرورة في غياب المعلومات، بل في ازدواج المعايير.
الاتساق الداخلي يقتضي أن نختبر العلاقة بين المبادئ التي نعلنها والأحكام التي نصدرها، وأن نسأل: هل أقبل هذا الحكم لو تبدلت مواقعي؟ وهل أطبق المعيار نفسه على نفسي وعلى غيري، أم أغيّره كلما تغيرت مصلحتي؟
ومع ذلك، لا يعني الاتساق أن تكون المنظومة الفكرية مغلقة لا تتغير؛ فقد يكون التمسك بمبدأ واحد في جميع الظروف ضربًا من الجمود، إذا تجاهل اختلاف السياقات أو تعارض القيم. المطلوب ليس التطابق الآلي بين الأحكام، بل القدرة على تفسير الفروق بينها دون الوقوع في التناقض أو التحايل.
فالمنظومة الفكرية الناضجة ليست تلك التي لا تعرف التوتر بين مبادئها، بل تلك التي تعترف به وتحاول معالجته بوضوح.
ثالثًا: الثمرة الأخلاقية - ماذا ينتج الاعتقاد في حياة الناس؟
لا تتوقف قيمة المعتقد عند ما يقوله عن العالم، بل تمتد إلى ما يبرره في سلوك الإنسان. فما معنى أن يتبنى المرء فكرة عن الحقيقة أو الدين أو الحرية أو الكرامة، إذا كانت تتحول في الممارسة إلى ذريعة للظلم والإذلال والكراهية؟
بمعنى أن "العبرة ليست بما يعلنه الإنسان، بل بما يثمر عنه اعتقاده"، وهي عبارة تضع نتائج الفعل في موضع يستحق النظر عند الحكم على أصحابه وتعاليمهم.
لكن ينبغي استخدام هذا المعيار بدقة. فالنتيجة الأخلاقية الجيدة لا تثبت وحدها أن الاعتقاد صحيح من الناحية الواقعية؛ فقد يواسي الوهم صاحبه، وقد ينتج اعتقاد خاطئ سلوكًا حسنًا في بعض الظروف. وبالمقابل، قد تترتب على حقيقة مؤلمة نتائج لا يرغب الإنسان فيها، من دون أن تفقد الحقيقة صدقها.
لذلك لا ينبغي أن نجعل الأخلاق بديلًا عن الحقيقة، ولا أن نفصل الحقيقة عن المسؤولية الأخلاقية حين تتحول إلى أساس للسلوك.
إن الثمرة الأخلاقية تختبر ما إذا كان الاعتقاد، حين يُترجم إلى أفعال، ينسجم مع قيم مثل العدل والرحمة والكرامة واحترام الإنسان. وهي تدعونا إلى التفريق بين الاعتقاد بوصفه ادعاءً يحتاج إلى أدلة، والاعتقاد بوصفه مبررًا للفعل يحتاج إلى مساءلة أخلاقية.
ويبقى أن نعترف بحدّ هذا المعيار: فهو يفترض مسبقًا منظومة قيم نحكم بها على الثمرة، فمن الذي يقرر ما هو عادل ورحيم؟ والناس يختلفون في تفسير هذه القيم وفي ترتيبها عند التعارض، ولا يمكن لمعيار الثمرة أن يحسم هذا الخلاف بنفسه. غير أن المعايير الأخرى تعين على فحص هذه القيم دون أن تحسمها: فالاتساق الداخلي يسأل هل نطبّق مفهومنا للعدل على أنفسنا وعلى غيرنا بميزان واحد، والصدق مع الواقع يسأل هل تستند تصوراتنا عمّا ينفع الإنسان ويضره إلى وقائع صحيحة، والقابلية للنقد تُبقي القيم نفسها مفتوحة للمساءلة. وبهذا لا نقع في الدور، ولا ندّعي أن لدينا مقياسًا أخلاقيًا محايدًا لا يحتاج إلى فحص.
رابعًا: القابلية للنقد - هل يملك الاعتقاد حق البقاء دون أن يجيب عن الأسئلة؟
من أخطر ما يمكن أن يحدث للفكرة أن تتحول إلى حصانة ضد المراجعة. فعندما يُعد السؤال إهانة، والاعتراض خيانة، والدليل المخالف تهديدًا ينبغي إسكات صاحبه، يصبح الحفاظ على الاعتقاد أهم من معرفة ما إذا كان يستحق الحفاظ عليه.
لا يعني ذلك أن كل فكرة يجب أن تظل موضع شك دائم، أو أن صاحبها ملزم بإعادة فحص جميع قناعاته في كل لحظة. فالحياة لا تستقيم من دون قدر من الثقة والاستقرار. لكن هناك فرقًا بين اعتقاد استقر بعد النظر، واعتقاد مُنع من النظر أصلًا.
القابلية للنقد تعني أن نعرف ما الذي يمكن أن يدفعنا إلى تعديل موقفنا، وأن نميز بين الاعتراض الذي يستحق الإجابة والاعتراض الذي لا يقوم على أساس، وأن نسمح للأدلة بأن تؤثر في أحكامنا بدلًا من إخضاعها لها.
وهي لا تقتصر على قبول النقد من الآخرين؛ بل تشمل القدرة على مساءلة الذات، والاعتراف بأن بعض أفكارنا قد تكون امتدادًا للخوف أو العادة أو المصلحة، لا نتيجة بحث مستقل عن الحقيقة.
إن الفكرة التي لا تستطيع الإجابة عن الأسئلة ليست بالضرورة خاطئة، لكنها لا تكتسب حصانة من النقد لمجرد أن صاحبها يؤمن بها.
خامسًا: أثر الاعتقاد على الآخرين - هل تقوم سلامتنا على حسابهم؟
قد يحقق الاعتقاد لصاحبه شعورًا بالراحة، وقد يمنحه تفسيرًا متماسكًا لحياته، لكنه قد يفعل ذلك عبر تحميل الآخرين ثمنًا لا يحق له فرضه عليهم.
قد يشعر شخص بالأمان حين يراقب من يحب، أو بالراحة حين يفرض رأيه على أسرته، أو بالاستقرار حين يحرم غيره من حرية الاختيار. لكن الشعور الذاتي بالاطمئنان لا يحوّل السيطرة إلى رعاية، ولا الإكراه إلى حماية، ولا الامتياز إلى حق مشروع.
لهذا ينبغي أن يتجاوز تقييم المعتقد سؤال: ماذا يمنحني؟ إلى سؤال آخر: ماذا يفرض على الآخرين؟ وهل أقبل هذا الأثر لو كنت في موقع من يتحمله؟
فالراحة النفسية قيمة معتبرة، لكنها ليست قيمة مطلقة. ولا يجوز أن تكون وحدها مرجعًا للحكم على السلوك، لأن الإنسان قد يحقق استقراره بوسائل تنتهك حقوق غيره. وفي المقابل، ليس كل خلاف أو انزعاج يسببه موقف ما دليلًا على أنه غير أخلاقي؛ فقد تتطلب العدالة أحيانًا قرارات مؤلمة، وقد يستاء الآخرون من حدود مشروعة تُرسم لحماية الحقوق.
المعيار هنا ليس إرضاء الجميع، بل التمييز بين الضرر الذي يمكن تبريره أخلاقيًا، والضرر الذي لا يقوم إلا على مصلحة أحادية أو رغبة في السيطرة.
هل تكفي هذه المعايير لبناء مرجعية فكرية؟
قد يبدو جمع هذه المعايير كافيًا، لكن بينها توترات لا ينبغي تجاهلها. فقد يكون الاعتقاد متوافقًا مع الوقائع، لكنه يُستخدم لتبرير فعل ظالم. وقد يبدو الفعل رحيمًا في نتائجه المباشرة، لكنه يستند إلى تصور غير دقيق. وقد يكون الموقف متسقًا داخليًا، لكنه قائم على مقدمات خاطئة.
لهذا لا ينبغي التعامل مع المعايير الخمسة كما لو كانت درجات مستقلة نجمعها لنصدر حكمًا آليًا، بل باعتبارها أسئلة متكاملة، يؤدي كل منها وظيفة مختلفة.
الصدق مع الواقع يختبر الادعاء، والاتساق الداخلي يختبر العلاقة بين المبادئ والأحكام، والثمرة الأخلاقية تختبر ما يبرره الاعتقاد من أفعال، والقابلية للنقد تختبر طريقة تعامله مع الاعتراض، وأثره على الآخرين يكشف من يتحمل تكلفته ومن يستفيد منه.
ويمكن، لتخفيف الإحساس بقائمة طويلة، أن نرى هذه المعايير الخمسة تحت ثلاثة محاور تكثر الخلط بينها:
• الحقيقة (هل الاعتقاد مبرَّر بالأدلة؟): ويندرج تحتها الصدق مع الواقع، والاتساق الداخلي.
• الصواب الأخلاقي (هل الفعل الذي يبرره الاعتقاد عادل؟): ويندرج تحته الثمرة الأخلاقية، وأثر الاعتقاد على الآخرين.
• المشروعية النقدية (هل يمكن مساءلة الاعتقاد ومراجعته؟): وتندرج تحتها القابلية للنقد.
والفصل بين هذه المحاور الثلاثة هو ما يمنع الانزلاق الشائع: أن نعدّ الاعتقاد صحيحًا لأن نتائجه حسنة، أو نعدّ الفعل عادلًا لأن الاعتقاد الذي يسنده صحيح، أو نحصّن الفكرة من النقد لأننا نراها صادقة وأخلاقية.
ولا تحل هذه المعايير كل الخلافات؛ فقد نختلف في تفسير الأدلة، أو في ترتيب القيم، أو في تقدير الأضرار والمنافع. لكن قيمتها أنها تجعل الخلاف قابلًا للفحص والنقاش، بدلًا من أن يُحسم بمجرد قوة الانتماء أو شدة الاقتناع.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المعايير نفسها إلى مرجعية مغلقة تزعم امتلاك الحقيقة النهائية، وإلا ناقض هذا المقال ما يدعو إليه. فهي منهج لتبرير المعتقدات ومراجعتها، لا آلة تمنح أحكامًا قطعية. وهي، شأن أي منهج، قابلة للسؤال: هل هذه هي الأسئلة الصحيحة؟ وهل غاب عنها معيار يستحق أن يُضاف؟ وهل تتفاوت أوزانها من مسألة إلى أخرى؟ ومن يطبّقها يحمل مسؤولية تطبيقه، فالمنهج لا يغني عن الأمانة في استعماله.
خاتمة: من حق الاعتقاد إلى مسؤولية الاعتقاد
لسنا مطالبين بأن نعيش بلا معتقدات، ولا أن نشك في كل ما نعرفه، ولا أن نصل إلى يقين كامل قبل أن نتخذ أي موقف. لكننا مطالبون بالتمييز بين الثقة التي تستند إلى أسباب، واليقين الذي يحتمي من الأسئلة؛ وبين الراحة التي ترافق موقفًا سليمًا، والراحة التي تنتج عن تجاهل ما لا نريد رؤيته.
فالمرجعية الفكرية السليمة ليست إجابة جاهزة نستبدل بها إجاباتنا القديمة، ولا سلطة تمنح معتقداتنا شهادة نهائية بالصواب. إنها طريقة منضبطة في الفحص، تجعلنا أكثر صدقًا مع الواقع، وأكثر اتساقًا في أحكامنا، وأكثر مسؤولية عن نتائج أفعالنا، وأكثر استعدادًا للمراجعة، وأكثر انتباهًا إلى حقوق الآخرين.
وربما لا يكون السؤال الأهم: هل أؤمن بهذا الاعتقاد؟ بل:
• ما الذي يجعل إيماني به مبررًا؟
• وما الذي قد يدعوني إلى مراجعته؟
• ومن الذي يتحمل نتائج تصرفي على أساسه؟
• وما الذي قد يكشف خللًا في المعايير التي أحاكم بها؟
عندها لا يعود الاعتقاد مجرد مصدر للطمأنينة أو علامة على الانتماء، بل يصبح مسؤولية معرفية وأخلاقية. فليس كل ما نطمئن إليه صحيحًا، وليس كل ما نرغب فيه عادلًا، وليس كل ما ورثناه ملزمًا لنا. والنضج الفكري لا يعني أن نمتلك إجابة عن كل سؤال، بل أن نمتلك معايير نراجع بها إجاباتنا، وشجاعةً تسمح لنا بتغييرها حين تستدعي الأسباب ذلك - ومن ذلك أن نراجع المعايير نفسها.
#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)
Khaled_Ali_Silevani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟