أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - دستور الذات: كيف تحكمنا قوانين كتبناها في أزمنة لم نعد نعيشها؟














المزيد.....

دستور الذات: كيف تحكمنا قوانين كتبناها في أزمنة لم نعد نعيشها؟


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 09:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نحن لا نعيش الحاضر وحده؛ فداخل كل واحد منا قوانين صاغتها تجارب سابقة، ثم واصلت العمل بعد أن تغيّرت الظروف التي أنشأتها. قد يكون أحد هذه القوانين قد حمانا يومًا، أو ساعدنا على تجاوز مرحلة صعبة، لكنه قد يتحول مع الزمن إلى قيد، لا لأنه كان خاطئًا حين وُضع، بل لأن الحياة التي وُضع من أجلها لم تعد هي الحياة التي نعيشها الآن. والمفارقة أنّ الإنسان قد يدرك هذا التغيّر بوضوح، ثم يظل يتصرف وفق قانون ينتمي إلى زمن آخر. من هنا تطرح الذات سؤالًا لا يتعلق بقدرتها على نسيان الماضي، بل بقدرتها على مراجعة ما شرّعه الماضي داخلها: متى يصبح القانون الذي كان حكيمًا في وقته بحاجة إلى تعديل؟ ومن يملك حق تعديله؟
قد تعرف، بعقلك، أنّ الشخص الذي أمامك ليس الشخص الذي آذاك سابقًا. وقد تعرف أنّ التجربة التي مررت بها انتهت، وأنّ الظروف تغيّرت، ولا وجود لسبب حقيقي يدعو إلى الحذر نفسه. ومع ذلك، حين تقترب لحظة الثقة، تتصرف كما لو أنّ شيئًا لم يتغيّر؛ فتقول لنفسك: "أعرف أنه مختلف"، لكنك لا تتصرف على أساس هذه المعرفة. وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن للإنسان أن يعرف أنّ قاعدةً ما لم تعد مناسبة، ثم يظل يتصرف وفقها؟
قد نفسّر ذلك بالعادة، أو بأثر تجربة مؤلمة، أو بطريقة تعلّمنا كيف نواجه الخطر. وهذه التفسيرات تضيء جوانب مهمة من الظاهرة، لكنها لا تستنفد سؤالًا آخر: لماذا تستمر القاعدة بعد أن يتغيّر الظرف الذي أنشأها، بل بعد أن يصبح صاحبها نفسه قادرًا على إدراك عدم ملاءمتها؟ ربما يساعدنا هنا أن ننظر إلى الإنسان كما لو كان دولةً لها دستور تراكمي.
ليست كل تجربة تمر بنا مجرد ذكرى، فبعض التجارب تترك وراءها قاعدة. بعد الخيانة قد نخرج بقاعدة تقول: "لا تثق سريعًا". وبعد الفشل: "لا تبدأ شيئًا إلا إذا ضمنت نجاحه". وبعد تجربة الضعف: "لا تُظهر حاجتك إلى أحد". وفي لحظة ولادة هذه القواعد، قد تكون منطقية تمامًا، بل قد تكون حكيمة؛ لأنها صيغت تحت ضغط الحاجة إلى حماية الذات. لكن المشكلة تبدأ حين ينتهي الظرف، بينما يبقى القانون.
فالأزمة التي أنشأت القاعدة قد تكون عابرة، أما القاعدة فتملك قابلية الاستمرار. لا تحتاج إلى أن تعود الخيانة كي يستمر قانون عدم الثقة، ولا يحتاج الفشل إلى أن يتكرر كي يستمر قانون تجنّب المحاولة، ولا يحتاج الضعف إلى أن يعود كي يبقى قانون إخفاء الحاجة. يكفي أن تكون القاعدة قد ترسّخت بوصفها طريقة آمنة للتصرف.
وهنا يمكن قلب السؤال المعتاد؛ فلا ينبغي أن نسأل فقط: "لماذا يبقى أثر الماضي؟" بل ربما علينا أن نسأل: "لماذا نفترض أنّ القاعدة التي نجحت في الماضي ستُلغي نفسها بمجرد انتهاء السبب الذي أنشأها؟"
في الحياة السياسية، لا يسقط القانون تلقائيًا لأنّ الظروف التي أدت إلى سنّه قد تغيّرت، بل يحتاج إلغاؤه إلى إجراء. أمّا في الحياة الداخلية، فقد تستمر القاعدة ببساطة لأنّ أحدًا لم يُلغها. لهذا يمكن للإنسان أن يعيش بقانون سنّه في لحظة لم يعد يعيشها.
والأكثر غرابة أنّ بعض أهم قوانيننا الداخلية قد تكون قد صدرت في أضعف لحظاتنا من حيث القدرة على التشريع: في الخوف، والانكسار، والوحدة، والطفولة، والهزيمة، إذ لم نكن نملك حينها دائمًا المسافة الكافية لنرى أنّ ما نحتاج إليه الآن قد لا يكون ما سنحتاج إليه لاحقًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخطئ هنا فنحاكم الماضي بمعايير الحاضر، فالقانون القديم ليس بالضرورة قانونًا سيئًا لمجرد أنه أصبح غير مناسب؛ ربما كان أفضل ما استطاعت تلك النسخة منا أن تفعله في ذلك الوقت. والمفارقة هي أنّ الحكمة نفسها قد تتحول إلى قيد حين تستمر بعد تغيّر شروطها.
والحل هنا ليس في إسقاط ما صنعه الماضي، بل في شيء أقرب إلى التعديل الدستوري منه إلى الانقلاب، فلا نقول للذات القديمة: "كنت مخطئة"، بل نسألها: "ما الخطر الذي كنت تحاولين حمايتي منه؟ وهل ما زال هذا الخطر قائمًا بالطريقة نفسها؟ وهل القاعدة التي صغتها آنذاك ما تزال تحقق الغرض نفسه اليوم؟" فالتعديل هنا لا يعني محو التجربة، وإنما إعادة تحديد نطاق القاعدة.
فبدل "لا تثق بأحد" قد تصبح القاعدة: "لا تمنح ثقتك سريعًا حين توجد مؤشرات حقيقية على الخطر". وبدل "لا تحاول إلا إذا ضمنت النجاح" قد تصبح: "احسب المخاطر قبل المحاولة، لكن لا تجعل عدم ضمان النتيجة سببًا كافيًا لرفضها". وبدل "لا تُظهر حاجتك إلى أحد" قد تصبح: "لا تجعل حاجتك إلى الآخرين تسلبك قدرتك على الاختيار". بهذا، لا تكون الذات قد خانت خبرتها، بل تكون قد حدّثت تشريعها بما يتناسب مع اتساع خبرتها.
لكن ثمة سؤالًا آخر يظهر هنا: إذا كانت الذات نفسها هي نتاج تاريخها، فكيف تراجع هذا التاريخ؟ أليست القواعد التي نستخدمها في المراجعة نفسها قد تكون متأثرة بالقواعد القديمة؟ لهذا لا تعني المراجعة أن نقف خارج تاريخنا ونصدر منه حكمًا نهائيًا على ذواتنا: لا توجد ذات تقف خارج تاريخها لتراجع دستورها من موقع محايد؛ توجد ذات تاريخية تراجع ما ورثته من داخل تاريخها، وتختبره باستمرار في ضوء ما يستجد.
إنها مراجعة جزئية ومستمرة، لا محكمة أخيرة؛ نضع القاعدة القديمة أمام خبرات جديدة، ومعارف جديدة، ووقائع لم تكن موجودة حين وُلدت، ثم نسأل: هل ما تزال تؤدي الوظيفة التي من أجلها وُجدت؟
إذن، لا توجد لحظة يتحرر فيها الإنسان تمامًا من تاريخه ليكتب دستورًا نهائيًا لنفسه؛ فما يمكنه فعله هو أن يمنع هذا التاريخ من أن يصبح غير قابل للتعديل. ولعل النضج النفسي لا يكون في التخلص من دستور الماضي، بل في امتلاك آلية لمراجعته؛ أن نعرف أنّ بعض القواعد التي أنقذتنا يومًا لا تزال نافذة فقط لأننا لم نتوقف يومًا لنسأل إن كانت لا تزال ضرورية.
المشكلة ليست في أنّ الماضي يكتب قوانيننا، بل في أننا لا نملك، حين يتغيّر الحاضر، طريقةً لتعديلها.
فكيف يمنح الإنسان نفسه حقَّ تعديلها، دون أن ينكر حكمةَ النسخة القديمة منه؟



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولو ...
- التعب الأخلاقي: حين يتسع الضمير أسرع من القدرة
- الرواية: بين التركيز والتوزيع
- هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟
- جغرافيا الغياب: نحو تاريخ آخر للأدب
- الأدب كخيانة ضرورية: تأمل في العلاقة بين التجربة واللغة والق ...
- لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
- رهائن الرغيف
- المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
- الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
- ساموثريس - سر الجناح الوحيد


المزيد.....




- مئات الوفيات وأمراض مزمنة.. وثائق جديدة تعيد الجدل حول تداعي ...
- جزيرة في اليمن قد تحدد مصير ترامب السياسي.. ما هي؟
- -الحوثيون- يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية
- ساعة -آبل- الجديدة.. ذكاء صوتي متطور أم -تجسس- غير مقصود؟
- -الوحش- فقدت جناحها ومقاتلات تضررت.. ماذا حدث للقوات الأمريك ...
- ماذا نعرف عن -جبل الشيخ- الذي تفقّد فيه نتنياهو القوات الإسر ...
- وزير الدفاع الألماني يسعى لسحب -الخطة العملياتية- من ساكسوني ...
- مكتومة في الرحم.. جيناتك تفضح شخصيتك
- رويترز: إيران تقايض الصين سرا
- واشنطن تفتح نيرانها على حزب الله: الجنوب ليس لجهات إقليمية و ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - دستور الذات: كيف تحكمنا قوانين كتبناها في أزمنة لم نعد نعيشها؟