أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - القرب المعرفي الوهمي والاغتراب الوجودي















المزيد.....

القرب المعرفي الوهمي والاغتراب الوجودي


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 15:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


كلما ازدادت المعلومات التي تصل إلى الإنسان، شعر في الغالب بأنه أكثر اتصالاً بالعالم. يعرف ما جرى في أقصى الأرض قبل أن ينتهي اليوم، ويتابع آراء الناس وأخبارهم وأفكارهم دون أن يغادر مكانه. ومع ذلك يشكو كثيرون من إحساس غامض بالانفصال: عن أنفسهم، وعما يجري حولهم، وعن معنى ما يفعلونه. وهذه مفارقة تستحق التفسير: كيف يجتمع القرب الظاهر مع البعد الفعلي؟
طرحتُ في مقال سابق فرضية (القرب المعرفي الوهمي)، وهي شعور بالاقتراب من المعرفة يسبق امتلاكها ويحلّ محلها. وأحاول هنا أن أنقل الفرضية من ميدان الفهم إلى ميدان أوسع: علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالمعنى. وأقترح أن هذا الشعور قد يكون أحد أسباب الاغتراب المعاصر، لا لأن الإنسان ابتعد عن العالم، بل لأنه ظنّ نفسه قريباً منه فتوقف عن الاقتراب الحقيقي.
الاحتكاك: كيف تصير الفكرة ملكاً لصاحبها
لا تصير الفكرة جزءاً من صاحبها بمجرد أن يسمعها. الفهم الحقيقي يمرّ بمرحلة أسميها (الاحتكاك): أن نعرض الفكرة على تجربتنا، فتصمد أو تنكسر أو تتعدّل. نقرأ تعريفاً للحرية ثم نواجه موقفاً يضعنا بين خيارين، فنكتشف أن التعريف أضيق مما ظننا، أو أنه يصح في موضع ويخذلنا في آخر. وبعد هذا الاحتكاك فقط تصير الفكرة لنا: نعرف حدودها، ونعرف كيف نستعملها، ونعرف متى نتخلى عنها.
والقرب الوهمي يعطّل هذه المرحلة. فالألفة والتعرّض يمنحان إحساس الفهم قبل أن يبدأ الاحتكاك، وما دام الشعور يقول إن الأمر انتهى فلا دافع إلى اختبار شيء. فتبقى الفكرة خارج صاحبها: مستعارة لا مملوكة، تُحمل ولا تُعاش. ومن هذه النقطة تتفرع، في تقديري، ثلاثة أشكال من الاغتراب.
الاغتراب عن الذات: معايير لا نعرف أصلها
يتبنى الإنسان اليوم تصورات جاهزة عن النجاح والسعادة والحرية والمكانة، تصله في مقاطع وعناوين ونصائح مختصرة، فيألفها حتى تبدو بدهيات. لكنه قلّما يسأل: هل هذا ما أريده فعلاً؟ وهل يصح هذا التصور على حياتي أنا؟
والنتيجة أن لديه معايير يقيس بها حياته ولا يعرف من أين جاءت. فإذا قصّر عنها شعر بالنقص، وإذا بلغها لم يجد ما توقعه. وهنا يظهر الاغتراب عن الذات: أن يعيش المرء بمقاييس لم يختبرها، فيصير غريباً عن رغباته الحقيقية لأنه لم يمنحها فرصة أن تتشكل وتُسمع.
خذ مفهوم النجاح مثلاً. يسمع شاب عنه مقاطع كثيرة: ثروة ومنصب وإنجازات تُعرض في دقائق، فيحفظ صورته ويقيس بها نفسه. فإذا سألته: ما النجاح عندك؟ أجاب بالصورة الجاهزة، لأنه لم يضعها يوماً أمام ما يريده من حياته. ولو فعل لوجد ربما أنه يطلب شيئاً آخر: وقتاً، أو عملاً يتقنه، أو علاقة تستحق.
الاغتراب عن الواقع: صورة تحلّ محل الأصل
ولنتخيل شخصاً يتابع أخبار حرب أو أزمة بلد ما يوماً بعد يوم. يحفظ أسماء القادة والمدن، ويميز بين رواية وأخرى، ويستطيع أن يعلّق على كل تطور. وهو يشعر بأنه يفهم ما يجري. لكنه في الحقيقة يتعامل مع صورة الحدث كما صنعتها الشاشة: مختصرة، مرتبة، منتقاة. أما الواقع بتعقيده وتناقضه وبطئه وبما فيه من بشر لا يظهرون في اللقطة، فيبقى خارج متناوله.
والخطر هنا مزدوج. فالمتابع يظن أنه عرف الواقع فلا يطلب المزيد، ثم حين يلمس الواقع مباشرة في حياته أو مدينته أو عمله يجده مختلفاً عن الصورة، فيعجز عن فهمه لأنه تعوّد صورة جاهزة منه. فالاغتراب عن الواقع ليس جهلاً به، بل ألفة مع تمثيله تحجب الأصل.
وهذا قريب مما وصفه بودريار حين رأى أن الصورة قد تحلّ محل الواقع حتى لا يبقى أصل يُرجع إليه. غير أن فرضيتي تضيف حلقة: الصورة وحدها لا تحجب الأصل، بل يحجبه الشعور بالمعرفة الذي يرافقها. فمن شعر أنه عرف لا يبحث عن الأصل ليقارن به، فتسقط الحاجة إلى الاحتكاك قبل أن تُطرح.
الاغتراب عن المعنى: أسماء بلا روابط
المعنى لا يأتي من كثرة الأسماء، بل من الروابط: كيف ترتبط الفكرة بتجربتي، وكيف يرتبط ما أعرفه بما أختاره وأفعله. وهذه الروابط هي بالضبط ما يتطلب الاحتكاك والجهد، أي ما يتجاوزه القرب الوهمي.
فيعرف الإنسان مصطلحات كثيرة عن الوعي والقلق والعلاقات والمعنى، ويستطيع أن يتحدث عنها بطلاقة، ثم يجد أن هذه المعرفة لا تقول له شيئاً عن قراره القادم. فالمفاهيم موجودة والحياة موجودة، وبينهما فجوة لا يربطها أحد. وهذا ما أقصده بالاغتراب عن المعنى: أن تفقد القدرة على بناء علاقة متماسكة بين ما تعرفه وما تعيشه.
والفارق بين هذا الاغتراب والاغتراب عن الذات دقيق لكنه قائم. ففي الاغتراب عن الذات تكون المشكلة في المعايير: مقاييس مستعارة يحكم بها المرء على حياته. أما في الاغتراب عن المعنى فالمشكلة في الصلة: قد تكون لديه معايير سليمة ومعرفة وفيرة، لكنه لا يجد طريقاً بين ما يعرفه وما يختاره، فتبقى أفكاره في جهة وقراراته في جهة أخرى.
ليست حتمية
لا أزعم أن القرب الوهمي يؤدي بالضرورة إلى الاغتراب. فكثيرون يتعرضون لوفرة المعلومات نفسها ويحافظون على صلة حيّة بذواتهم وبالعالم. والأدق أن يُقال إنه يرفع احتمال الاغتراب، وإن النتيجة تتوقف على عوامل تعمل في الاتجاه المعاكس:
1. تجارب معيشة تصحّح الشعور: فمن عمل بيديه، أو واجه مشكلة حقيقية، أو خسر شيئاً، يعرف الفرق بين أن يألف الفكرة وأن يفهمها.
2. علاقات تفرض المساءلة: صديق يسألنا: ماذا تقصد؟ وكيف عرفت؟ يعيد الاحتكاك الذي تلغيه الألفة.
3. ممارسات تعيد الربط: كالكتابة والتأمل والنقاش الطويل، فهي تُجبر الفكرة على أن تُصاغ بكلماتنا وتُقابَل بتجربتنا.
كما لا أزعم أن الاغتراب ظاهرة جديدة. فقد تحدّث عنه هيغل وماركس وهايدغر، وبودريار في حديثه عن المحاكاة التي تحجب الأصل قبل أن توجد وسائل التواصل بزمن طويل، ولكل منهم تفسيره. وما أقترحه ليس بديلاً عن تلك التفسيرات، بل سبب معاصر يُضاف إليها، ويحتاج إلى بحث ميداني يختبر هل يرتبط مستوى الشعور بالقرب المعرفي فعلاً بمستوى الشعور بالاغتراب.
مفارقة التشخيص
كان الاغتراب القديم يأتي في الغالب من البعد عن العالم: عزلة، أو فقر معرفة، أو انقطاع عن المجتمع. وكان صاحبه يشعر بالنقص، وهذا الشعور يدفعه إلى البحث. أما هذا النوع فيأتي من الشعور بالقرب. ولذلك يصعب تشخيصه: لا يشكو صاحبه من نقص لأنه لا يشعر بنقص، ويظن أن لديه ما يكفي. وإذا شكا فشكواه غامضة، فيقول إن شيئاً ما ليس على ما يرام ولا يعرف ما هو.
وهذا يغيّر طبيعة العلاج. فإذا كانت المشكلة نقص المعلومات فالحل أن نزيدها، أما إذا كانت شعوراً بالامتلاء يسبق الفهم فزيادتها تزيد الشعور ولا تزيد الفهم. المطلوب إذن ليس مزيداً من الاطلاع، بل استعادة الاحتكاك: أن نبطئ، ونختبر، ونربط، ونعيد الصياغة بكلماتنا.
خاتمة
لا يُكشف هذا النوع من الاغتراب بقياس ما نعرف، بل بأسئلة بسيطة نوجهها إلى أنفسنا: أيّ الأفكار التي نحملها اختبرناها على حياتنا؟ وما الذي تغيّر في قراراتنا بسبب ما قرأناه هذا العام؟ فإن لم نجد جواباً، فقد نكون قريبين من العالم على الشاشة، بعيدين عنه وعن أنفسنا في الواقع



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القرب المعرفي الوهمي: حين يتحرك المجتمع في مكانه
- مسؤولية الاعتقاد
- عزلة الأثر
- دستور الذات: كيف تحكمنا قوانين كتبناها في أزمنة لم نعد نعيشه ...
- حين يصبح الانتباه سلطة: الإغراق الإعلامي وإعادة ترتيب الأولو ...
- التعب الأخلاقي: حين يتسع الضمير أسرع من القدرة
- الرواية: بين التركيز والتوزيع
- هندسة الأبعاد: أين يختبئ مقصّ التحجيم؟
- جغرافيا الغياب: نحو تاريخ آخر للأدب
- الأدب كخيانة ضرورية: تأمل في العلاقة بين التجربة واللغة والق ...
- لماذا ننتقد الثمرة وننسى البذرة؟
- الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
- الموجة
- هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
- الانعكاس الأخير
- حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك ...
- وهم الاكتمال
- أفق وراء الكلمات
- هدنة نفاق
- لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة


المزيد.....




- لست بحاجة إلى الصراخ..ما المقصود تحديدًا بحانة الاستماع عالي ...
- مبعوث ترامب يلتقي بوتين في روسيا.. هذا ما كل ما نعرفه عما يج ...
- كيف يساعد الماء على تحويل بروتين تاو إلى مدمر للدماغ في ألزه ...
- الأمن الروسي يعتقل مرتزقا ألمانيا قاتل إلى جانب قوات كييف
- كوريا الشمالية: شقيقة كيم تتفقد أعمال تحصين الحدود مع الجنوب ...
- استدعاء نتنياهو ومسؤولين سابقين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة ...
- مصر.. الداخلية تنشر مقطعا من الفديو -الخادش- لسائحتين بعد ال ...
- احتجاجات فرنسا: انقسام حول المسؤولية عن أعمال الشغب والدروس ...
- بعد أعمال الشغب في ميلانو.. الحكومة الإيطالية تستعين بالجيش ...
- استطلاعات متقاربة وغموض سياسي.. من يشكل الحكومة المقبلة في إ ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - خالد علي سليفاني - القرب المعرفي الوهمي والاغتراب الوجودي