أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الاحتجاجات الفرنسية وعزل العنف عن أسبابه















المزيد.....

الاحتجاجات الفرنسية وعزل العنف عن أسبابه


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 09:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بسبب ضغط المديونية المتراكمة على الدولة الفرنسية، والتي تتجاوز، حسب التقارير، 113% من الناتج المحلي الإجمالي، وبتأثير الظروف الخارجية المتلاحقة الضاغطة على الاقتصاد الأوروبي عموماً، بدءاً من جائحة كوفيد 19 وما رتبت على الدولة من أعباء، إلى حرب أوكرانيا وما نتج عنها من أزمة استبدال الغاز الروسي، إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما نتج عنها من نقص في إمداد الوقود بسبب إغلاق مضيق هرمز، يعاني الاقتصاد الفرنسي الذي لم يكن بخير أصلاً قبل ذلك، فقد اندلعت حركة السترات الصفراء في 2018، عقب ارتفاع أسعار المحروقات، ولم تتوقف إلا بسبب الجائحة.
نتيجة ذلك، بدأت مكاسب الفرنسيين (صحة، تعليم، تقاعد، سكن، ضمان اجتماعي ... الخ) بالتآكل. هذه بيئة انفجار اجتماعي، لعبت فيها احتجاجات طلاب المدارس في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي دور صاعق تفجير أشعل الشارع الفرنسي الذي لا يهدأ والذي يحمي حقوقه ومكتسباته بيديه دون الركون فقط إلى آليات التمثيل الديموقراطي المتعددة. الشعب الفرنسي من أكثر الشعوب حيوية في العالم، إنه يعطي الدرس الجوهري الذي يقول إن الديموقراطية ليست نظاماً نبنيه وننام في ظله، بل فاعلية وحضور في الشارع ووقوف دائم عند المصالح المباشرة للمحكومين، وإلا فإن النظام السياسي، مهما يكن، سوف يتجه بآلية ذاتية إلى التضييق على الناس بالفقر ومحاصرتهم وأكل حقوقهم.
لم يكن الاحتجاج الحالي مفاجئاً. في العام الماضي 2025، وفي سبتمبر/أيلول أيضاً، تحرك الطلاب في فرنسا للأسباب نفسها التي دفعتهم اليوم لبدء الاحتجاج. من نقص معلمين وموظفين في المدارس إلى اكتظاظ الصفوف وطول مدة الدوام المدرسي وسوء ظروف المدارس وتفاوت جودة التعليم بين المناطق، فضلاً عن الشكوى من برنامج القبول الجامعي المسمى (parcoursup). كانت فرنسا تمر حينها بمرحلة عدم استقرار حكومي، فقد كانت الحكومات تتساقط واحدة تلو الأخرى على طريق سعيها إلى خفض الإنفاق العام. سقطت حكومة ميشيل بارنييه بحجب الثقة، بعد حوالي 3 أشهر من تشكيلها، تلتها حكومة فرانسوا بايرو الذي استقال أيضاً بعد تسعة أشهر لأنه لم يستطع كسب ثقة البرلمان حول خطته لخفض الإنفاق العام. وقد اندلعت تلك الاحتجاجات الطلابية بعد يوم واحد من تقديمه الاستقالة. الاستجابة للمطالب حينها كانت طفيفة، ولذلك كان من المتوقع استئناف الاحتجاجات، وهو ما جرى.
في الاحتجاجات الأخيرة كان مستوى العنف لافتاً، وربما غير مسبوق، وكانت ذروة التخريب فيها حرق مبنى بلدية ليموج المسجل ضمن المعالم التاريخية الفرنسية. كان منظر الحريق مؤلماً، وكذلك تكسير الواجهات والممتلكات العامة والخاصة. وإذا كان يمكن نسب هذا العنف إلى مشاعر الغضب الناجم عن التطنيش الحكومي وعدم الاستجابة، وإلى فكرة احتجاجية لها رواج في أوروبا ويتبناها تيار يسمى (Black Block) مؤداها أن الحكومات لا تستجيب ما لم تتألم، ولا تتألم إلا بعنف الاحتجاج، فإن أعمال النهب الواسع المرافقة للاحتجاج لا تُفهم إلا بوصفها أعمال حثالة تستغل الحال لتحقيق مكاسب شخصية، ولا يمكن نسب هذه الأعمال إلى الاحتجاج نفسه.
النقاش الذي يتكرر في فرنسا حيال حركات الاحتجاج التي يتخللها العنف، وهي كثيرة، يتناول السؤال: لماذا العنف؟ كثير من الفرنسيين يتخذون موقفاً سلبياً من حركات الاحتجاج بسبب العنف المرافق لها، ولاسيما أن هناك حثالة يستغلون العنف للقيام بأعمال نهب بشعة، ولذلك يميل هؤلاء إلى سياسة تعزيز قوة الشرطة وتفويضها بسلطات أوسع، رغم الاعتراف بمشروعية المطالب. وبالمقابل يقول كثيرون إذا كانت المطالب مشروعة، لماذا لا تتجاوب السلطات وتبادر إلى معالجة مخاوف الناس وانشغالاتها وتلبي المطالب، بدلاً من الدخول في مواجهة مع المحتجين، بطريقة تزيد من الميول العنفية للاحتجاج.
هكذا، رغم اجتماع الغالبية العظمى من الفرنسيين، على مشروعية المطالب وعلى رفض العنف، يتولد حيال الاحتجاجات موقفان مختلفان تماماً. الخلاف يكمن في تشكيل الموقف أو في زاوية النظر، هناك من يركز على العنف بحد ذاته ويبحث عن وسيلة بوليسية لمنع أعمال العنف (زيادة عدد الشرطة وتحسين تجهيزاتهم وتوسيع تفويضهم)، وهناك من يدعو إلى معالجة أسباب الاحتجاج ومنع ما يفاقم الاحتجاج ويدفعه إلى العنف. الموقف الأول ينظر إلى الاحتجاج من موقع السلطة، حتى لو جاء من خارج السلطة، هذا موقف اليمين الفرنسي عموماً، وهو ما يمكن تلخصيه بعزل العنف عن أسبابه، وقد عبر ماركون في كلمته المتلفزة عقب الاحتجاجات الأخيرة عن هذا الاتجاه بوضوح حين قال: "لا شيء يبرر العنف ولا شيء يفسره ولا شيء يعذره". وكأن العنف كائن كريه يهبط على الأرض من خارجها. يقود هذا المنطق بطبيعة الحال إلى مسار قمعي مضاد للديموقراطية.
الموقف الآخر، ينظر إلى الاحتجاج من موقع المحتجين، يرفض العنف بنفس حدة رفض الأولين له، وربما أكثر، ولكنه يبحث عن تدارك العنف من خلال معالجة أسبابه الرئيسية، ويجد أن التطنيش الحكومي والمماطلة في الاستجابة وفي بحث المطالب، تزيد في الميل العنيف للمحتجين، ولاسيما أنهم بأعمار صغيرة تميل إلى النزق والعنف.
الانتخابات الرئاسية في فرنسا على بعد ستة أشهر، وهذا يعطي أهمية إضافية للاحتجاجات الحالية بوصفها من المؤثرات الهامة في الانتخابات القادمة. اليمين يستخدم صورة العنف لبث الرعب وكسب ناخبين على اعتبار أنه يرفع راية الأمن. وصل الأمر إلى حد أن مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف للرئاسة، تحذر الفرنسيين من أن هؤلاء السارقين سيهاجمونكم في بيوتكم. وتلتقي الحكومة الحالية مع اليمين الفرنسي في السعي لتحميل حركة فرنسا الأبية (LFI) مسؤولية العنف لعرقلة صعود مرشحها إلى الرئاسة، جان لوك ميلانشون، الذي أيد الاحتجاجات وشارك في مظاهرة في باريس واتهم الحكومة بالسماح في تفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها. ومن الطريف أن لوبان، في الوقت العصيب الذي تمر به فرنسا، تأخذ أيضاً على ميلانشون أنه يخاطب رئيس الحكومة مستخدما صيغة المفرد (Tu) بدلاً من الجمع (Vous).
مواجهة عنف الشارع المحتج بالعنف الحكومي (البوليس)، دون معالجة أسبابه السياسية ودوافعه، لا يقود إلى "فرنسا هادئة"، بحسب عبارة مارين لوبان، إنما يؤسس لفرنسا متفجرة بالأحرى. وبحسب عبارة متداولة في فرنسا، منسوبة إلى لاهوتي فرنسي من القرن السابع عشر: "لكن الله يستهزئ بالصلاة التي نرفعها إليه لدرء المصائب العامة، عندما لا نقاوم ما يُفعل لجذبها".



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل نصلح إسلام الدنيا أم دنيا الإسلام؟
- عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سوريا
- قلق حيال الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة
- عن تفكك سوري راهن
- القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري
- نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا
- عن -علوية- نظام الأسد
- عن الموقف الجذري من سلطة دمشق
- امتناع العدالة في سوريا
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2


المزيد.....




- السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
- لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟
- دبابة -أرماتا- الروسية قد تتحول إلى منصة قتالية روبوتية غير ...
- الجيش الروسي يفتح جبهة جديدة
- السودان وإثيوبيا يتبادلان طرد دبلوماسيين وسط اتهامات بدعم قو ...
- -تخيّلوا أنني على ورقة الاقتراع-.. فلمّا فعلوا حلت الكارثة ب ...
- من إيران إلى أوكرانيا.. 6 نقاط لفهم تداعيات هزيمة ترمب
- العثور على سياسي ألماني بارز ميتا في فندق ببرلين
- ارتفاع حصيلة قتلى القصف بزاباروجيا وزيلينسكي يعلق على انتخاب ...
- الانتخابات الأمريكية.. إلهان عمر تعلق على نتيجتها وتخاطب عبد ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الاحتجاجات الفرنسية وعزل العنف عن أسبابه