أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سوريا














المزيد.....

عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سوريا


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 12:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يعرض بعض المرئيين في المجال السوري العام اليوم، ممن يعرفون أنفسهم بانتمائهم الطائفي أولاً، مستوى من الكراهية تجاه العلويين يصل إلى حدود العنصرية. لا يمكن فهم هذه الظاهرة، بخلاف ما يقول أبطالها، على أنها موقف سياسي تجاه جماعة يتصورون أنها ساندت "حرب إبادة ضد السنة". أولاً لأنه لا يمكن للموقف السياسي أن يشكل أساساً صلباً لمثل هذا النوع الأسود من الكراهية، فالمواقف السياسية بطبيعتها نسبية ومتحركة وتطال جماعات سياسية وليس جماعات هوية. من المفهوم أن تأييد أو السكوت لسنوات طويلة عن جرائم نظام الأسد، هو موقف مدمر سياسياً ومعيب أخلاقياً، وقد كان هذا، للأسف، موقف نسبة غير قليلة من السوريين من كل التنويعات وفي مقدمتهم العلويون، ولكن الانتقال من التعبئة ضد ذلك الموقف المعيب إلى التعبئة ضد جماعة هوية محددة هو انتقال إلى موقف معيب مقابل، ينطوي واقعياً على انتقال من فرصة لتطوير المجال السياسي إلى المساهمة في تدميره. هذا فضلاً عن أن تصور سنوات الصراع التي عاشتها سوريا بعد 2011، على أنها "حرب إبادة ضد السنة"، هو خروج عن المنطق السياسي للدخول في منطق هوياتي لا ينجب سوى الكراهيات.
ثانياً، إذا افترضنا أن هذه الكراهية نابعة من رفض قطعي لمن أيد أو سكت عن سياسات البطش وصنوف الإجرام الأسدي، من الطبيعي أن يبدي الكارهون رفضاً لأي سياسات مشابهة، مهما تكن الجماعة المستهدفة. والحال إن موقف هؤلاء لم يكن كذلك، حيال صنوف الإجرام الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ومنها جرائم طالت جماعة مذهبية (الدروز) لا يمكن اعتبارها في عداد مؤيدي البطش الأسدي.
على هذا يبدو لنا أن كراهية العلويين المعلنة اليوم لا تنبع من منطلق سياسي بل من منطلق ثقافي ونفسي بالأحرى، منطلق من يستقر في نفسه أنه ينتمي إلى فئة أعلى (دينياً أو قومياً أو عرقياً ... الخ)، وأن الأيام جارت وتمخضت عن خضوعه لحكم من هم أدنى. هذا التصور بحد ذاته كاف لأن يملأ صاحبه غيظاً وشعوراً بالغبن من الخضوع لحكم "هؤلاء".
تكشف العبارات غير السياسية التي جري تداولها بعد سقوط الأسد، مرجعية التمييز الهوياتي المتحكم بعقول أبطال الكراهية السائدين اليوم. العبارات المقصودة هي تنويعات مختلفة على عبارة قيلت مباشرة بعد سقوط نظام الأسد "عادت سوريا إلى أهلها بعد أن سرقت على حين غفلة من أبنائها"، وكأن من كان يحكم سوريا قبل حكم هيئة تحرير الشام، ليسوا من أهلها ولا من أبنائها. وإذا كان صاحب هذا القول لا يصرح من هم، في تصوره، أهل سوريا وأبناؤها، فإن قوله يعني أن جماعته السياسية، التي آلت لها السلطة كاملة، هي التي تمثل أهل سوريا. ليس في هذا القول أو العبارة منطق سياسي يقيس الأمور على خيارات سياسية ضمن دولة حديثة، بل تصور هوياتي لا يضمر سوى صراعات الغلبة، ولا يجلب لسوريا وحدة ولا ازدهاراً.
يتكامل المركب الثقافي النفسي المفضي إلى الكراهية المعلنة ضد أبناء الطائفة العلوية، حين يجتمع لدى الفرد تصوران كل منهما سيء وموهوم بذاته. التصور الأول هو أن العلويين جملةً تحكموا على مدى عقود بأهل السنة في سوريا ثم قادوا حرب إبادة "ليس اقل" ضدهم. يتوافق هذا التصور مع تعبئة إسلاموية (islamiste) ذات مرجعية هوياتية أساساً، حُقن بها الشارع السوري على مدى عقود من حكم النظام السابق. التصور الثاني هو أن الجماعة العلوية، وكل جماعة أخرى غير سنية، تحتل مرتبة أدنى، وعليه فإن خضوع السنة لحكم هذه الجماعة هو بمثابة حيف وعار أبدي. هذا التصور أيضاً هو ثمرة نشاط إسلاموي ابتعد بالبلد عن المفهوم الحديث للوطن والشعب والمواطنة. الواقع أنه من الصعب على من يحمل هذين التصورين معاً أن ينجو من السقوط في حفرة الكراهية هذه. ولا يبقى ما يشفي غليل أصحاب هذا المركب الثقافي النفسي سوى محو التاريخ نفسه. ولأن ذلك مستحيل فإن هذه القطعة من التاريخ التي يرتسم في أذهانهم أن السنة كانوا محكومين فيها من قبل العلويين، تبقى مصدراً مولداً لألم لا يُعالج. على هذا لا يشكل سكوت هؤلاء عن استباحة حقوق العلويين اليوم، والتعبير المتكرر عن احتقار العلويين، سوى مسكنات لألم نفسي مستمر لا يهدأ إلا مؤقتاً وبقدر ما تعاني الجماعة المستهدفة من ألم وتتكبد من خسائر.
المواظبة على التذكير بجرائم الأسد، بغرض ترسيخها في الذاكرة لمنع التكرار، ولتربية وعي سوري عام رافض لمثل هذه الجرائم، نشاط مطلوب ومفيد بحد ذاته، وأبطال الكراهية ينشغلون بهذا مع غيرهم، ولكن المفارقة أن هؤلاء الكارهين، إذ ينشغلون بالتذكير المتكرر بجرائم سابقة، يبدون قلة اكتراث بجرائم من النوع نفسه تجري أمام أعينهم. ألا يفترض بمن يبدون حرصاً على تحصين الوعي العام ضد جرائم الاستباحة والقتل، وعلى كسر دائرة التكرار، أن يقفوا، بكل حزم، ضد جرائم جديدة مشابهة وضد مرتكبيها؟
نعتقد أن الهدف، غير المدرك ربما، الذي يجعل الكارهين يلحون على التذكير بجرائم الأسد، لا يتعلق بتربية الوعي العام ضد الجرائم لمنع التكرار، بل هو بالأحرى تبرير لكراهية تجد منشأها في مكان آخر من غير المستحب إعلانه، ليس فقط لأن ذلك يستجر إدانة اجتماعية، بل أيضاً لأنه يشكل ثقلاً أخلاقياً على صاحبه نفسه، فيجتهد، بآلية نفسية متحكمة، في أن يجد لكراهيته مساند سياسية وعقلانية مقبولة أو حتى محمودة. أي إن تركيز هؤلاء على التضامن مع ضحايا الأسد، وعلى استنكار جرائمه، لا تعكس، والحال هذه، منطلقاً إنسانياً ولا نزاهة أخلاقية ترفض الجريمة جذرياً، بل تعني إسباغ موقف أخلاقي على مشاعر غير أخلاقية، وهي مشاعر الكراهية تجاه جماعة بشرية كاملة (العلويين).



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قلق حيال الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة
- عن تفكك سوري راهن
- القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري
- نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا
- عن -علوية- نظام الأسد
- عن الموقف الجذري من سلطة دمشق
- امتناع العدالة في سوريا
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا


المزيد.....




- غوستافو دوداميل يتولى مهمة تتجاوز قيادة الأوركسترا في نيويور ...
- بمقابلة حادة.. زيلينسكي: أوكرانيا ستستأنف ضرباتها على مصافي ...
- مصري يعثر على تمثالين أثريين ضخمين أمام منزله.. أحدهما لرمسي ...
- -التحالف-: اعتراض وتدمير صاروخ مجنح في منطقة المدينة المنورة ...
- الجيش الأمريكي يدرس استخدام -أم القنابل- في ضربات محتملة ضد ...
- اندلاع حريق في مصفاة للنفط في ريازان الروسية بعد هجوم أوكران ...
- السفير الروسي: تجنيد اليابان صحفيين لجمع المعلومات أمر غير م ...
- -معراج أورال- في قبضة الأمن السوري
- وزير الدفاع الروسي بيلاوسوف يستعرض نتائج اجتماع مجلس وزراء د ...
- آيزنكوت يتعهد بإنهاء حكم حماس في غزة خلال 18 شهرا


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن كراهية ظاهرة ضد العلويين في سوريا