أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن تفكك سوري راهن















المزيد.....

عن تفكك سوري راهن


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعيش سوريا خطر التحول من كونها بلد أحزب سياسية، وكانت هذه سمة بارزة في تاريخها المعاصر، إلى كونها بلد طوائف وعشائر وأقوام وأعراق، وتظهر هذه الانتماءات اليوم بوصفها العنصر الأكثر فاعلية في الحياة العامة. لم يكن طريق هذا التحول قصيراً، فهو لم يبدأ عقب عملية "ردع العدوان"، وإن كانت هذه العملية قد حققت قفزة واسعة في هذا الاتجاه، بل بدأ بالأحرى، من لحظة اعتراف حافظ الأسد بصعوبة تجاوز الأحزاب السياسية في سوريا، ومبادرته إلى تأطير غالبيتها في جبهة يقودها حزب السلطة (البعث) ذو السيطرة الكاملة على أجهزة القوة في الدولة. كما لو أن ذلك الاعتراف بالواقع لم يكن، للمفارقة، سوى بداية الطريق المفضي إلى كنس هذا الواقع وتفريغ سوريا من الأحزاب السياسية، وهو ما يتكرس اليوم بجلاء على يد المنتصرين على نظام حافظ الأسد، الذين يكملون على نحو أكثر صراحة، طريقاً بدأه هذا الأخير.
الجملة المفيدة التي تريد أن تقولها لنا الحقبة الأسدية هي: إن تسييد حزب البعث كان سبيلاً، ليس فقط إلى ضمور وموت الأحزاب السياسية الأخرى، بل وإلى ضمور وموت حزب البعث نفسه. وحين يقرأ هذه الجملة من لا يؤمنون بالأحزاب السياسية أصلاً، تتحول في عقولهم إلى ما يلي: إن الوجود الوحيد هو للجماعات الأهلية، وإن الأحزاب السياسية ليست سوى بدع تشوش على انتماءات الولادة المؤطرة بالطائفة والدين والعرق والعشيرة ... الخ، وإن السياسة ما هي إلا فن إدارة صراع الجماعات الأهلية المتواجدة داخل حدود البلد. والتتمة العملية الناتجة عن هذه القراءة هي خلق أسباب الصراعات الأهلية كي تقوم "السياسة"، بعد ذلك، على إدارتها.
بسبب ذلك بدأت تبرز في سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نداءات هوياتية مثل علوية، ديرية، بني أمية، بني معروف ... الخ، وتبرز أصوات رجال الدين ورجال العشائر، وتخفت أصوات الممثلين السياسيين "الجمهوريين" بقدر ما يعبر هؤلاء عن مصالح عامة تتجاوز حدود الجماعات الأهلية وتؤسس لمجال عام مدني يضبطه القانون وتحميه الدولة. والواقع إن بروز صوت ممثلي الجماعات الأهلية يعني خفوت صوت الدولة نفسها بوصفها مؤسسة عامة تقوم على وجود "الشعب"، هذا المفهوم السياسي القانوني الذي يعلو فوق الانتماءات الأهلية لأنه يقوم على مبدأ المساواة السياسية. الدولة التي تنكر في نظرتها وسلوكها العام مفهوم الشعب، إنما تضعف ذاتها وتخلخل بنيانها نفسه.
في السنوات الأولى التي أعقبت سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الحكم، تعامل مع حقيقة كان يصعب تجاهلها، وهي الحياة الحزبية النشطة والمتنوعة في سوريا، فأنشأ ما عرف باسم "الجبهة الوطنية التقديمة" التي ضمت كامل الطيف السياسي حينها باستثناء الإسلاميين. تبين أن هذه الجبهة التي كان يجري تعريفها على أنها المرجعية السياسية العليا في الدولة، لم تكن أكثر من بيت طاعة يكون فيه حزب البعث قواماً على بقية الأحزاب "بما ينفق" عليها من هوامش سلطته. أما التعبيرات السياسية السورية التي ظهرت خارج ذلك البيت، أو التي شقت عصا الطاعة لاحقاً، فقد تولاها بالقمع الاستئصالي الذي لم يطل جسد التنظيم فقط بل جرّف أيضاً جزءاً من محيطه الاجتماعي (أصدقاء، أقارب، مهتمين ... الخ). وهكذا، بين أحزاب مطوعة وأحزاب مقموعة، أُخمدت الحياة السياسية، وتحول حزب البعث إلى مجرد جهاز ملحق بالسلطة بلا أفكار ولا بصيره سياسية، أي تحول إلى جسد تستخدمه كما تشاء طغمة متفردة بالحكم، حتى إذا سقطت هذه الطغمة تلاشى الحزب وكأنه لم يكن.
وراء مشهد إخماد الحياة الحزبية السياسية، كانت جماعة الحكم الأسدي تنظر إلى السوريين على أنهم ليسوا شعباً، بل تعايش جماعات أهلية، وكان يجري في الواقع توزيع المناصب والامتيازات على هذا الأساس، في الوزارات وفي مجلس الشعب والمديريات ... الخ، بصورة تراعي النسب الديموغرافية للجماعات وحساسياتها، أما في المستوى الأمني والعسكري فقد كان المعيار الوحيد هو الولاء ولاسيما ذاك الولاء الذي تضمنه العصبية الأهلية (العائلة، العشيرة، الطائفة ... الخ)، وكان يجري ذلك كله وراء ستار شفاف من العروبة والوطنية والمساواة. سقط نظام الأسد وتبخر الستار وبدأ الواقع السوري يعرض مشاكله بعناوين هوياتية تفكيكية، فيجري الكلام عن مشكلة الدروز ومشكلة العلويين ومشكلة الكرد ومشكلة العشائر ... الخ، وبات لكل مشكلة إطارها وجمهورها وتبحث عن ممثليها كي تعالج بصورة مستقلة عن غيرها.
في السياق يأتي حل "المشكلة الكردية" الذي تم التوصل إليه مؤخراً. صحيح أن هذا الاتفاق حقق مطالب كردية محقة وجنب البلاد كارثة مواجهات دموية تتوفر لها كل العناصر اللازمة، وهذا بذاته له قيمة كبيرة، إلا أنه، مع ذلك، يبين مدى التفاصل الذي بلغه السوريون، فقد جاء الاتفاق كردياً لا يكترث بالشأن السوري العام، في حين كان ممثلو الجانب الكردي فيه، على مدى سنوات الصراع في سوريا، يتكلمون بوصفهم يحملون مشروعاً لكامل سوريا، كما أن تشكيلاتهم العسكرية والمدنية والسياسية كانت خالية من الصفة الكردية، لصالح الصفة السورية. الضغوط الممارسة عليهم غير خافية، ولكن يبقى ما حصل مؤشراً صريحاً على التفكك السوري الذي يسمح بعزل جماعات والمفاضلة الصريحة بين جماعات على أسس هوياتية، ما يزيد من ضعضعة البلاد.
لا يُرد هذا التفكك فقط إلى التصور الهوياتي الذي يحكم رؤية الإسلاميين الحاكمين، بل أيضاً، وبما لا يقل أهمية، إلى ضعف شعور السوريين بأنفسهم على أنهم شعب واحد، وهذا الضعف هو نتاج سياسات تمييزية مزمنة مارستها سلطات لم تكن حيادية تجاه الانتماءات الأهلية. لذلك لم يكن من الصعب على السلطة الإسلامية اليوم أن تمارس هذا التفكيك، فقد اشتغلت عليه جماعة الحكم الأسدي، وسرّعت وتيرته بعد 2011، وتأتي السلطة الجديدة كي تكمل على الطريق نفسه.
لقد جرى ويجري ربط السوري بجماعته الأهلية، وفرض معاملة تمييز إيجابية أو سلبية في المجال العام وفي الدولة، الأمر الذي حطم ويحطم الرابط الوطني ويدفع الأفراد إلى استشعار هوياتهم الولادية أكثر، وإلى محاولة بلورتها بشكل ينطوي على احتقار الهويات الأخرى وفق منطق نفسي دفاعي، ينتهي إلى المزيد من تفكيك المجتمع، ما لا يعود بالخير إلا على فئة ضيقة تتسيد وتتربح من شقاء السوريين.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القلق الأمني للسلطة يحكم المصير السوري
- نصر عسكري وفشل سياسي في سوريا
- عن -علوية- نظام الأسد
- عن الموقف الجذري من سلطة دمشق
- امتناع العدالة في سوريا
- كي لا نعيد بناء أبد سوري جديد
- الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه
- في ذكرى المجزرة الأولى في سوريا ما بعد الأسد
- سوريا، عقلية أقلوية في جسد أكثري
- ثمن باهظ لتصورات خاطئة
- بقايا صور، رثاء متأخر للدكتور أحمد فائز الفواز
- عن مظاهرات السوريين العلويين أخيراً
- أزمة الحكم الطائفي في سوريا
- عن الواقع السوري الهجين
- دور الوعي العام في نبذ العنف من المجتمع
- دور الوعي في نبذ العنف من المجتمع 2
- التناقض بين الدين والإيمان
- عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سوريا
- المجزرة ترضي الجمهور
- سوريا، شعب طيب ومسؤولون أشرار


المزيد.....




- شاهد.. مشتبه به يخترق جدار منزل بسيارة شرطة مسروقة
- إسرائيل تعلن تدمير بنية تحتية لحزب الله جنوب لبنان.. وهيئة أ ...
- -عرض عسكري حوثي بعد السيطرة على مدينة المخا-.. ما حقيقة الفي ...
- حصري لـCNN.. أمريكا توسع نطاق دعمها الاستخباراتي وتحديد الأه ...
- المغرب.. انطلاق حملة الانتخابات التشريعية بمشاركة 27 حزبا
- الجزائر والإمارات إلى القطيعة الدبلوماسية.. مسار خلافات تراك ...
- الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن محافظة خميس مشيط وم ...
- كيف ترى -صومالي لاند- التعاون المستقبلي مع إسرائيل؟ وما موقف ...
- ألمانيا.. النيابة الاتحادية تحقق في أعمال تخريبية طالت خطوط ...
- مصر تحدد هدفين إثيوبيين محظورين: لن نسمح لها بتحقيقهما


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - عن تفكك سوري راهن