أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - مولد السيد البدوي: مساحة للروح والفضفضة














المزيد.....

مولد السيد البدوي: مساحة للروح والفضفضة


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 14:06
المحور: قضايا ثقافية
    


كلما حلّ موعد مولد السيد البدوي، تجدد الجدل حول الاحتفال به، وارتفعت أصوات تضع ما يجري فيه تحت عناوين البدع والخرافات والجهل. تبدو الأحكام جاهزة أحيانًا قبل النظر إلى الناس أنفسهم، وقبل محاولة فهم ما يدفعهم إلى الرحيل من قراهم ومدنهم، وتحمل الزحام ومشقة الانتقال، بحثًا عن أيام ينتظرونها من العام إلى العام. لا أنظر إلى المولد باعتباري صاحب فتوى، ولا يعنيني الدفاع عن كل ما يحدث فيه، لكنني أراه مساحة إنسانية تستحق الفهم قبل الإدانة.

ربما يرتبط هذا الفهم بجانب من تجربتي الشخصية، فقد عشت جزءًا من طفولتي وشبابي بالقرب من مسجد السيدة زينب، وكنت أشاهد هذه الاحتفالات وأشارك فيها. لم تكن الموالد بالنسبة لي مشاهد بعيدة أتأملها من خارجها، وإنما جزءًا من الحياة التي عرفتها، لذلك يصعب عليّ اختزالها في أحكام قاطعة عن البدع والخرافات، إذ أرى وراء هذه الأحكام وجوه الناس ومشاعرهم، وأتذكر ما كانت تتيحه المناسبة من فرح ولقاء وخروج عن إيقاع الأيام المعتاد.

الحياة اليومية تضيق بأصحابها، وتتراكم فيها المسؤوليات والأعباء والخيبات الصغيرة والكبيرة، ويحتاج الإنسان أحيانًا إلى الخروج من هذا الإيقاع، وإلى مكان يسمح له بأن يعبّر عن مشاعر لا يجد لها موضعًا في يومه العادي. قد يبكي، أو ينشد، أو يرفع يديه بالدعاء، أو يجلس بين آخرين يشعر أنهم يشبهونه. في المولد يجد بعض الناس فرصة لهذه الفضفضة، ومساحة روحية رحبة يتخففون فيها، ولو مؤقتًا، من ثقل ما يحملونه.

ليست دوافع الزائرين واحدة، فهناك من يأتي محبًا للسيد البدوي، ومن يأتي طلبًا للبركة، ومن يصحب أسرته للفرجة، ومن يقصد لقاء الأصدقاء والمعارف. قد تجتمع هذه الدوافع كلها في الشخص نفسه، بدون أن يشعر بأي تناقض، لذلك فإن التجربة أوسع من أن نختزلها في صورة لممارسة غريبة، أو مقطع قصير يُنتزع من سياقه ويُتداول للسخرية من الحاضرين. ما يبدو للمشاهد الخارجي عبثًا قد يحمل لصاحبه معنى لا تستطيع الصورة وحدها أن تنقله.

يمتزج في المولد الديني بالشعبي، والذكر بالإنشاد، والطعام بالزيارة، والفرح بالرجاء. هذا الامتزاج هو ما يمنح المناسبة طابعها الخاص، لأن الناس لا يعيشون حياتهم داخل أقسام منفصلة، يضعون الروح في أحدها والجسد في آخر، ويعزلون العبادة عن العلاقات الاجتماعية والذكريات والمتعة. قد تكون وجبة يتقاسمونها، أو ليلة يقضونها في الاستماع إلى الإنشاد، جزءًا أساسيًا من إحساسهم بالمناسبة ومعناها.

لدى شعوب كثيرة مواسم للحج والزيارة والاحتفال، وطقوسًا تتصل بالأولياء والقديسين والأسلاف والرموز الدينية والتاريخية. تختلف العقائد والمعاني، ولا يصح اعتبار هذه المناسبات نسخًا متطابقة، لكنها تكشف حاجة بشرية متكررة إلى الاجتماع حول معنى، وإلى الخروج من الزمن المعتاد إلى وقت يشعر الناس بأنه مختلف. لا تبدو هذه الحاجة غريبة حين ننظر إليها بعيدًا عن رغبتنا في محاكمة الآخرين.

حين تتجاوز تكلفة الحج والعمرة قدرة كثيرين، رغم ما يحملونه من شوق إليهما، تكتسب المواسم المحلية بُعدًا إضافيًا، إذ تتيح للناس، على اختلاف إمكاناتهم، فرصة للاجتماع والذكر والإنشاد والتعبير عن مشاعرهم الدينية. لا يعني ذلك مساواة هذه المناسبات بالشعائر أو إحلالها محلها، وإنما الانتباه إلى أن الحاجة إلى السكينة والرجاء لا تتوقف عند حدود القدرة المادية، وأن البسطاء يحتاجون بدورهم إلى مساحات قريبة يجدون فيها الونس الروحي.

بعض النقد الموجّه إلى الموالد يستحق المناقشة بالتأكيد، مثل استغلال حاجة الناس، وبيع أوهام الشفاء، والاحتيال باسم البركة، أو تعريض المشاركين للأذى، أمور ينبغي رفضها. احترام المشاعر لا يمنح أحدًا حق استغلالها، كما أن القيمة الروحية للمناسبة لا تعفي القائمين عليها من مسؤولية النظافة والسلامة وحسن التنظيم، لكن الانتقال من نقد هذه الممارسات إلى إدانة الاحتفال كله يجعل الحكم أوسع من أسبابه.

يلفت انتباهي كذلك ما تحمله بعض التعليقات من تعالٍ على الذوق الشعبي، حيث ينظر البعض أحيانًا إلى فرح البسطاء باعتباره علامة تخلف، وإلى لغتهم في التعبير عن الحب والرجاء باعتبارها مادة للتندر. من حق أي شخص ألا يحب المولد أو ألا يشارك فيه، لكن عدم مشاركته لا يجعله أقدر على تحديد ما ينبغي أن يمنح الآخرين راحة أو سعادة. للناس حق في الفرح، حتى حين لا يشبه فرحهم ما نفضله لأنفسنا.

أرى في مولد السيد البدوي مساحة للتنفس والخروج عن المألوف، وللبحث عن الونس والمعنى وسط حياة قاسية. لا أحتاج إلى تصديق كل ما يُروى فيه كي أفهم قيمة ما يشعر به زائروه. يكفيني أن أنظر إليهم بوصفهم بشرًا يحملون آمالًا وأوجاعًا، ويبحثون عن لحظة صفاء أو فرحة أو دمعة لا يخجلون منها. لعل السؤال الذي يستحق أن نبدأ به هو: ماذا يجد هؤلاء الناس في المولد، ولماذا تضيق حياتهم خارجه بما تتسع له ساحاته؟



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا أحب محرم فؤاد أكثر؟
- الذكاء الاصطناعي: حين تسبق الأدوات معرفة الباحث
- ديموغرافيا الحرف: من يرث مهارات المصريين؟
- نافي بيلاي: السلام يحتاج لعدالة
- لماذا ينجب الفقراء أكثر؟ الحسابات الاقتصادية للإنجاب
- الأنامالية والوطن والمجتمع
- القاهرة التي اتسعت أكثر من قدرتنا على الحركة
- هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاج ...
- زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...


المزيد.....




- هيئة بريطانية: استهداف ناقلة نفط بمقذوفين شرق السعودية
- خبير روسي يحذر من آثار طويلة الأمد لجدري القردة على الصحة
- علامات تشير إلى التهاب السحايا
- دراسة: عصير التوت البري يبطئ نمو بكتيريا اللويحة الجرثومية
- مقتل تسعة أشخاص بتحطم طائرة في منطقة سكنية بولاية فلوريدا ال ...
- ميشيغان: انقسام بين الديمقراطيين بعد دعم هالي ستيفنز للجمهور ...
- روسيا تعلن اختراق تطبيق للتحذير من الهجمات الجوية ونشر معلوم ...
- البحرية البريطانية: مقذوفان مجهولان يستهدفان ناقلة في مياه ا ...
- هجمات إلكترونية تستهدف تطبيقات الطوارئ والإنذار في روسيا وأو ...
- ترامب يحذر إيران من -ضربة قاصمة-، وطهران تتعهد -بحرب طويلة- ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - مولد السيد البدوي: مساحة للروح والفضفضة