أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري















المزيد.....

إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 14:00
المحور: قضايا ثقافية
    


تمر أسماء كثيرة في تاريخ الثقافة المصرية، يسطع بعضها طويلًا بفعل ما تركه من روايات أو قصائد أو معارك فكرية، بينما تتراجع أسماء أخرى بهدوء، لا بسبب ضعف أصحابها أو ضآلة إنتاجهم، وإنما لأن طبيعة ما قدموه لا تسمح باختزاله في عمل شهير أو عبارة متداولة أو صورة تصلح للاحتفال بها في ذكرى الميلاد والوفاة. ومن أبرز هؤلاء الدكتور حسين فوزي، الذي كان واحدًا من أكثر المثقفين المصريين اكتمالًا وتنوعًا خلال القرن العشرين، ومع ذلك أصبح حضوره في الذاكرة الثقافية أقل كثيرًا من القيمة التي يمثلها تراثه.

لم يكن حسين فوزي روائيًا بالمعنى الذي كان عليه نجيب محفوظ، ولا مسرحيًا ومفكرًا أدبيًا على طريقة توفيق الحكيم، ولم يخض المعارك الفكرية الصاخبة التي ارتبطت بطه حسين أو عباس محمود العقاد، ولذلك لا ينبغي البحث عن مكانته من خلال مقارنته المباشرة بهؤلاء. لقد كان صاحب تكوين مختلف، جمع بين العلم والأدب والتاريخ والموسيقى والرحلة والتأمل في الشخصية المصرية، وكان قادرًا على الانتقال من عالم البحار إلى بيتهوفن، ومن تاريخ مصر إلى جغرافية البحر المتوسط، ومن المشاهدة المباشرة إلى التأمل الحضاري، دون أن يبدو دخيلًا على أي مجال يقترب منه.

درس حسين فوزي الطب، ثم اتجه إلى علم الأحياء والبحار، وتولى مواقع علمية وأكاديمية مهمة، غير أن العلم لم يحاصره داخل تخصص ضيق، بل فتح أمامه طريقًا أوسع لفهم العالم. كان البحر بالنسبة له موضوعًا علميًا ومجالًا جغرافيًا وجسرًا حضاريًا في الوقت نفسه، وكانت الرحلة عنده أكثر من انتقال بين البلدان، إذ تحولت إلى وسيلة لاكتشاف التاريخ والثقافات والإنسان، وإلى فرصة لإعادة النظر في مصر وموقعها من العالم. من هنا جاءت شخصية «السندباد» التي لازمته في عدد من كتبه، ليس بوصفها حيلة أدبية، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن فضول معرفي لا يتوقف وعن رغبة دائمة في تجاوز الحدود المغلقة بين العلوم والآداب وبين مصر والعالم.

يمثل كتابه “سندباد مصري” نموذجًا واضحًا لهذا المشروع، فهو ليس كتابًا تقليديًا في التاريخ، ولا سيرة ذاتية خالصة، ولا مجموعة من الرحلات، بل جولة واسعة في التاريخ المصري كتبها رجل يمتلك معرفة العالم وحساسية الأديب ووعي المثقف بموقع بلاده في حركة الحضارة. لم ينظر حسين فوزي إلى مصر باعتبارها جزيرة منعزلة، ولم يحصر هويتها داخل تعريف واحد، وإنما رآها نتاج طبقات متراكمة من التاريخ، ومجتمعًا تشكل من تفاعل النيل والبحر المتوسط والشرق والغرب، وظلت شخصيته قادرة على استيعاب هذه الروافد دون أن تفقد خصوصيتها.

تكمن أهمية هذه الرؤية اليوم في أنها تناقض الميل المتزايد إلى اختزال الهوية المصرية في أصل واحد أو حقبة واحدة أو انتماء وحيد. لم ير حسين فوزي تعارضًا بين عروبة مصر وانتمائها المتوسطي، ولا بين جذورها الشرقية واتصالها بالحضارة الأوروبية، بل فهم الهوية بوصفها بناءً تاريخيًا مركبًا، تضاف إليه الخبرات ولا تمحو إحداها الأخرى. وربما كان هذا الفهم أكثر تقدمًا من كثير من الخطابات المعاصرة التي لا تزال تتعامل مع الهوية كأنها اختيار إجباري بين بدائل متعارضة.

لم يكن انفتاحه على الثقافة الغربية انبهارًا ساذجًا بها أو دعوة إلى تقليدها، بل كان قائمًا على معرفة حقيقية بلغاتها وفنونها وموسيقاها وتاريخها، وقد كتب عن الموسيقى الكلاسيكية وشخصياتها الكبرى كتابة العارف الذي يستطيع تقريب العمل الفني إلى القارئ دون أن يحوله إلى درس مدرسي جاف، كما كتب عن الحضارة الأوروبية من موقع المثقف المصري الواثق من هويته، القادر على الإعجاب والنقد والمقارنة، وكانت عالميته امتدادًا لمصريته وليست بديلًا منها.

لعل أحد أسباب تراجع حضوره أن الثقافة المصرية الحديثة اعتادت تصنيف أصحابها في خانات واضحة: هذا شاعر، وذلك روائي، وثالث مؤرخ، ورابع عالم، أما حسين فوزي فيفلت من هذه التصنيفات، فهو عالم حين يكتب عن البحر، وأديب حين يصف الرحلة، ومؤرخ حين يتأمل مسيرة مصر، وناقد فني حين يتحدث عن الموسيقى، ثم يجمع هذه الشخصيات كلها داخل صوت واحد. هذه الموسوعية التي كانت مصدر تفرده أصبحت، مع الزمن، أحد أسباب صعوبة تقديمه إلى الأجيال الجديدة.

تغيرت كذلك صورة المثقف في المجتمع، فقد كان حسين فوزي ينتمي إلى جيل يؤمن بأن الثقافة لا تعني الحصول على شهادة أو التخصص في موضوع صغير، وإنما تعني بناء رؤية واسعة للإنسان والعالم. مع اتساع الجامعات وزيادة التخصص وتقسيم المعرفة إلى جزر منفصلة، أصبح من النادر أن نجد عالمًا يكتب في التاريخ، أو طبيبًا يتحدث بعمق عن الموسيقى، أو أديبًا يمتلك معرفة علمية راسخة. لم يعد النموذج الذي مثله حسين فوزي هو النموذج السائد، ولذلك تراجعت القدرة على قراءة مشروعه بوصفه وحدة متكاملة.

أسهمت السينما والمناهج الدراسية ووسائل الإعلام في تثبيت أسماء بعض الكتّاب، بينما لم يحظ تراث حسين فوزي بوسيط شعبي مماثل. لم تتحول كتبه إلى أفلام أو مسلسلات واسعة الانتشار، ولم يدخل اسمه بقوة في المقررات التعليمية، ولم ترتبط به معركة سياسية أو أدبية كبرى تضمن استمرار تداوله، حيث ظل حضوره مرتبطًا بالكتاب والقارئ المثقف، وعندما تراجع هذا النوع من القراءة تراجع معه اسم الرجل، رغم أن أعماله لم تفقد قيمتها.

لا يعني ذلك أن حسين فوزي كان كاملًا أو أن كل ما كتبه صالح للزمن الحاضر بالدرجة نفسها، إذ تحمل بعض نصوصه نبرة المثقف المنتمي إلى نخبة عصره، وقد تبدو بعض أحكامه التاريخية أو الحضارية بحاجة إلى المراجعة في ضوء المعارف الجديدة. كما أن اتساع اهتماماته جاء أحيانًا على حساب التعمق المنهجي الذي ينتظره الباحث المتخصص، غير أن إعادة الاعتبار إلى كاتب لا تعني تحويله إلى تمثال أو إعفاءه من النقد، وإنما تعني قراءته في سياقه، والتعرف إلى ما بقي حيًا في مشروعه، ومناقشة ما تجاوزه الزمن.

إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي ينبغي ألا تقتصر على إعادة طباعة كتبه في طبعات احتفالية سرعان ما تختفي، بل تحتاج إلى تقديم أعماله للقارئ الجديد، وإعداد دراسات نقدية حول رؤيته لمصر والبحر المتوسط، وإدخال مختارات من كتاباته إلى مقررات الأدب والتاريخ الثقافي وأدب الرحلات، وتحويل بعض نصوصه إلى أعمال مسموعة ومرئية تستطيع الوصول إلى جمهور لم يعد يعتمد على الكتاب المطبوع وحده، كما يستحق مشروعه أن يُقرأ من منظور معاصر يسأل عن معنى الهوية المركبة، والعلاقة بين العلم والثقافة، ودور الرحلات في معرفة الذات، وحدود التخصص الأكاديمي.

لقد نال حسين فوزي قدرًا معتبرًا من التقدير في حياته، ولذلك لا يمكن تصويره كضحية اضطهاد أو إقصاء رسمي، لكن الثقافة المصرية ظلمته بعد رحيله عندما تركت تراثه يتراجع إلى هوامش الذاكرة. ربما يكون الظلم الأكبر أننا فقدنا معه نموذجًا للمثقف لا يقل حضوره العلمي عن حساسيته الأدبية، ولا تمنعه مصريته من الانفتاح على العالم.

لم يكن حسين فوزي أكبر أدباء عصره، لكنه كان واحدًا من أكثر مثقفيه تكوينًا، وأوسعهم أفقًا، وأكثرهم قدرة على الجمع بين المعرفة والمتعة. إن الدعوة لإعادة الاعتبار لتراثه ليست مجرد إنصاف لرجل رحل، بل محاولة لاستعادة معنى الثقافة نفسها في زمن تتسع فيه المعلومات وتضيق الرؤية، ويزداد فيه عدد المتخصصين بينما يتناقص عدد المثقفين.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...


المزيد.....




- ترامب يصل دبلن للقاء القادة الأيرلنديين.. ماذا على الأجندة؟ ...
- انطلاق اجتماع قادة -بريكس- بمشاركة بوتين
- خلافاً لاتهامات ترامب بـ-التخريب-.. وثائق تكشف أخطاء فنية ور ...
- سحب الجنسية في الكويت.. ماذا يحدث ولماذا؟
- ثورة الذكاء الاصطناعي تُشعل غضب علماء الرياضيات!
- أرض اللبان
- إيران تؤكد تغير مستوى الحماية الأمريكية لمضيق هرمز.. وواشنطن ...
- النيران والانفجارات تجتاح مستودعات ذخيرة في بلغاريا (فيديو+ص ...
- سوريا.. حريق واضطرابات داخل سجن عين العرب (كوباني) وعشرات ال ...
- وصول بوتين وقادة -بريكس- إلى مقر انعقاد قمة المجموعة في نيود ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري