أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية















المزيد.....

الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 13:39
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


أصبح من المعتاد أن نقرأ حديثًا عن "جيل إكس" و"جيل الألفية" و"جيل زد" ثم "جيل ألفا،" وكأن البشرية تتحرك في أفواج منفصلة، لكل منها عقلية خاصة وقيم محددة وطريقة متوقعة في العمل والحب والاستهلاك والنظر للعالم. مع تكرار هذه الأوصاف، تحولت التقسيمات الجيلية من أدوات تقريبية لوصف بعض التحولات الاجتماعية إلى قوالب جامدة يُراد منها تفسير البشر ودوافع سلوكهم قبل التعرف عليهم.
تبدو الفكرة جذابة لأنها بسيطة ومريحة، فيكفي أن نعرف سنة ميلاد الشخص حتى نتصور أننا عرفنا موقفه من العمل وعلاقته بالتكنولوجيا وربما ميوله السياسية والعاطفية أيضًا. غير أن البشر لا يُصنعون داخل مصانع زمنية، ولا يخرج جميع مواليد عقد معين حاملين الصفات نفسها. إنهم أبناء طبقات وبلدان وأسر وأنظمة تعليمية وخبرات مختلفة، وقد تكون المسافة الاجتماعية والثقافية بين شخصين وُلدا في اليوم نفسه أكبر من المسافة بين شخصين يفصل بين ميلادهما ثلاثون عامًا.
تبدأ المشكلة من الحدود الزمنية الاعتباطية لهذه التقسيمات. لماذا يُعد المولود في ديسمبر من عام معين تابعًا لجيل، بينما يصبح المولود بعده بأسابيع عضوًا في جيل آخر له خصائص مختلفة؟ لا يوجد في التاريخ جدار يفصل بين جيل وآخر، بل إن المؤسسات والباحثين أنفسهم يختلفون حول السنوات التي يبدأ عندها كل جيل وينتهي.
نشأت معظم هذه التسميات في سياق أمريكي وغربي، ثم انتقلت إلى بقية العالم كما لو كانت تقسيمًا كونيًا، لكن هل عاش شاب وُلد في القاهرة عام 1997 الخبرة التاريخية نفسها التي عاشها شاب وُلد في نيويورك أو طوكيو أو قرية إفريقية في العام نفسه؟ هناك من نشأ وسط الحرب، ومن نشأ في مجتمع مستقر، ومن عرف الإنترنت منذ طفولته، ومن لم يتصل به إلا متأخرًا. حتى داخل البلد الواحد، لا تتشابه خبرة من نشأ في أسرة ثرية مع خبرة من ترك المدرسة مبكرًا ليساعد أسرته، لذلك يصبح الحديث عن شخصية موحدة لجيل كامل أقرب إلى التنميط منه إلى التحليل العلمي.
تخلط الكتابات الشائعة عن الأجيال بين ثلاثة مؤثرات: العمر والمرحلة التاريخية والانتماء إلى جيل معين. عندما يقال إن الشباب أقل التزامًا بالعمل وأكثر رغبة في تغيير وظائفهم، فقد لا تكون هذه صفة خاصة بــ "جيل زد،" بل قد تكون سلوكًا مرتبطًا بمرحلة الشباب والبحث عن المكان المناسب، وربما كان أفراد الأجيال السابقة يتصرفون بالطريقة نفسها في العمر ذاته، ثم أصبحوا أكثر استقرارًا مع تقدمهم في السن.
هناك أيضًا أثر اللحظة التاريخية التي يعيشها الجميع، فاستخدام التطبيقات والعمل عن بُعد والتعرض للمحتوى القصير (الريلز) ليست خصائص نفسية لجيل معين، وإنما نتائج لتحولات تكنولوجية واقتصادية تمس مختلف الأعمار بدرجات متفاوتة. أما الحديث العلمي عن أثر جيل معين فيحتاج إلى إثبات أن جماعة عمرية تعرضت، في مرحلة حساسة من تكوينها، لحدث تاريخي مشترك ترك فيها أثرًا ممتدًا، فالحروب والثورات والأزمات الاقتصادية قد تترك بصماتها على مجموعات عمرية محددة، لكن وجود خبرات مشتركة لا يعني أن ملايين البشر تتشكّل شخصياتهم بنفس الطريقة.
يمكن النظر إلى هوس التقسيم الجيلي باعتباره امتدادًا لطريقة التفكير التي صاحبت الحداثة، والتي قامت على الثقة في قدرة العقل على تنظيم العالم وتصنيف ظواهره وقياسها ووضع الحدود بينها. قسمت الدولة الحديثة السكان بحسب العمر والجنس والمهنة والحالة الاجتماعية ومكان الإقامة، وحولتهم إلى جداول وفئات يمكن إدارتها، بينما احتاجت الأسواق إلى تقسيم المستهلكين إلى شرائح يمكن استهدافها بسلع ورسائل تسويقية محددة.
ضمن هذا المنطق، يتم تقسيم الزمن إلى وحدات، ونضع داخل كل وحدة زمنية جماعة من السكان، ثم ننسب لكل جماعة مجموعة من الصفات المتجانسة. يصبح، والحال كذلك، "جيل الألفية" أو "جيل زد" فئة سوقية/تسويقية يمكن قياسها والتنبؤ بسلوكها. تستفيد الشركات، لا شك، من هذا التبسيط والتنميط في حملاتها الإعلانية، وتستخدمه إدارات الموارد البشرية لتفسير تصرفات العاملين، وتلجأ إليه وسائل الإعلام لأنه يقدم عناوين سهلة وقابلة للانتشار.
لكن لابد من الإقرار بأن المجتمعات المعاصرة لم تعد مؤلفة من كتل متجانسة ذات حدود واضحة، كما لم تعد الهوية بناءً ثابتًا يُمنح للإنسان طبقاً لتاريخ ميلاده أو طبقته أو مهنته، وإذا كانت الحداثة تميل إلى النظام والتصنيف، فإن أفكار ما بعد الحداثة تقوم على الشك في الحدود الجامدة وفي التفسيرات الشاملة للإنسان والمجتمع، فالإنسان لا يحمل هوية واحدة مكتملة، وإنما تتقاطع داخله هويات وخبرات وانتماءات متعددة تتغير طبقاً للسياق والمرحلة والعلاقات المحيطة به.
قد يكون الشخص ابنًا لطبقة اجتماعية معينة، وعضوًا في جماعة مهنية، ومنتميًا إلى ثقافة محلية، ومشاركًا في شبكات رقمية عابرة للحدود في الوقت نفسه، وقد يتبنى أنماطًا تُنسب إلى الشباب، بينما يحتفظ بقيم تربطها أدبيات التسويق بأجيالٍ أقدم. الهوية هنا ليست صندوقًا مغلقًا، بل تركيب متحرك يعاد تشكيله باستمرار.
تبدو التسميات الجيلية، من هذه الزاوية، محاولة حداثية متأخرة لفرض الانتظام على واقع ما بعد حداثي بالغ السيولة، فهي تفترض أن الزمن يسير في كتل متتابعة تنتج كل منها نموذجًا إنسانيًا متميزًا، بينما يكشف الواقع عن تداخل الأزمنة داخل الشخص نفسه. قد يعيش الفرد بأفكار تعود إلى زمن والديه، ويستخدم تكنولوجيا أبناء جيل أحدث، ويعمل داخل مؤسسة تقليدية، ويتواصل عبر فضاء رقمي عالمي.
زادت وسائل الاتصال من صعوبة الحديث عن أجيال مغلقة، فالأفكار والأذواق تتحرك بين الأعمار والبلدان بسرعة شديدة، حيث يستطيع شاب في العشرين أن يستمع إلى أغنيات تعود إلى الستينيات، بينما يستخدم رجل تجاوز الستين أدوات الذكاء الاصطناعي في عمله. لم يعد الماضي يختفي ليحل محله الحاضر، وإنما تتجاور الأزمنة داخل المشهد الثقافي نفسه.
تظهر خطورة خطاب الأجيال أيضًا عندما تُنسب مشكلات العمل إلى صراع بين الأعمار بدلًا من البحث في تدني الأجور، وانعدام الأمان الوظيفي، وسوء الإدارة، وتغير طبيعة الاقتصاد على سبيل المثال، ويصبح من الأسهل القول إن الشباب “لا يريدون العمل” بدلاً من الاعتراف بأن مطالبة الموظف بالولاء لم تعد تقابلها ضمانات للاستقرار أو التقدم المهني في العصر الحالي، كما تتحول البطالة وارتفاع تكاليف السكن وتأخر الزواج والقلق من المستقبل إلى علامات على كسل جيل أو هشاشته، بدلًا من فهمها بوصفها استجابات لظروف اقتصادية واجتماعية تغيرت بشكل كبير.
ليس المطلوب إلغاء مفهوم الجيل تمامًا، فمن المشروع دراسة أثر ثورة أو حرب أو أزمة اقتصادية في الأشخاص الذين عاشوها خلال سنوات تكوينهم، ورصد الفروق الإحصائية بين الفئات العمرية، لكن المتوسط الإحصائي لا يتحول إلى قدر فردي، والاختلاف بين المجموعات لا يبرر اختزال كل إنسان في مجموعة جيلية فقط.
تبدأ المشكلة عندما تتحول أداة الوصف إلى نظرية شاملة، ويصبح تاريخ الميلاد بديلًا عن الطبقة والتعليم والنوع الاجتماعي والثقافة والتجربة الشخصية. لا تكمن خرافة التقسيم الجيلي في القول إن الأزمنة المختلفة تترك آثارًا مختلفة في الناس، وإنما في تصور أن هذه الآثار تصنع شخصيات جماعية موحدة، وأن البشرية تغير جلدها كل خمسة عشر عامًا وفق جدول زمني دقيق.
ربما تلائم هذه الصناديق عقل الحداثة، الباحث عن النظام والحدود، لكنها أقل قدرة على تفسير عالم ما بعد الحداثة، حيث الهويات مركبة والحدود متحركة والأزمنة متداخلة. الإنسان ليس ممثلًا رسميًا لسنة ميلاده، لإنه حصيلة تاريخ وطبقة ومكان وعلاقات واختيارات وصدف وتجارب لا يمكن اختصارها في حرف لاتيني أو تسمية تسويقية جذابة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان


المزيد.....




- اختفاء مفاجئ لنجمة دوللي بارتون من ممشى المشاهير في هوليوود. ...
- مليونا شخص و60 عامًا من التاريخ.. كرنفال نوتينغ هيل بدأ كمسي ...
- اتصالان لوزير خارجية السعودية مع نظيريه في إيران وباكستان.. ...
- تقرير: وثيقة سرية تفتح ملف الأسلحة الكيميائية للجيش السوداني ...
- -إرث لا يمكن تعويضه- - سوريون يواجهون الحرائق بمبادرات محلية ...
- ميداليات لا تكفي.. لماذا يهرب رياضيو تونس؟
- -كمطالبة الشمس ألا تشرق-.. زاخاروفا تعلق على طلب طوكيو إزالة ...
- قاليباف: قواعد اللعبة تغيرت
- الدفاع الروسية: تحييد 1315 جنديا أوكرانيا وإسقاط 400 مسيرة خ ...
- أوشاكوف: عقد اجتماع ثلاثي بين بوتين وشي جين بينغ وترامب سيكو ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية