أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سلعة















المزيد.....

من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سلعة


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 12:04
المحور: حقوق الانسان
    


يحيي العالم في الثالث والعشرين من أغسطس من كل عام اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وذكرى إلغائها، بعد أقل من شهر على اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر الذي يوافق الثلاثين من يوليو. ربما تبدو المناسبتان للوهلة الأولى منفصلتين، باعتبار أن الأولى تستعيد واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإنساني قسوة، بينما تتناول الثانية جريمة معاصرة ما زالت تقع في مختلف أنحاء العالم، إلا أن المسافة بين الظاهرتين أقصر كثيرًا مما توحي به المسافة الزمنية بين تجارة الرقيق القديمة والاتجار بالبشر في عالم اليوم، لأن القضية في جوهرها تظل مرتبطة بالسؤال نفسه: كيف يمكن أن يفقد الإنسان حريته ويتحول جسده أو عمله أو ضعفه وحاجته إلى مصدر للربح لدى إنسان آخر؟

اختارت اليونسكو يوم 23 أغسطس إحياءً لذكرى الانتفاضة التي اندلعت ليلة 23 أغسطس 1791 في سان دومينغو (هايتي حاليًا)، والتي أصبحت واحدة من أهم المحطات في الثورة الهايتية وفي التاريخ الطويل لمقاومة الرق. جاء إلغاء تجارة الرقيق بعد ذلك عبر مسار تاريخي طويل اختلفت مراحله وتواريخه من دولة إلى أخرى، إلى أن أصبحت العبودية وتجارة البشر مرفوضتين قانونيًا وأخلاقيًا، وتحولت حرية الإنسان وعدم جواز استعباده إلى أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث لحقوق الإنسان.

تبدو تجارة الرقيق، بعد مرور أكثر من قرنين على تلك الأحداث، وكأنها تنتمي إلى عالم بعيد كانت فيه السفن تعبر البحار محملة بالبشر، والأسواق تعرض الرجال والنساء والأطفال للبيع، والقوانين تمنح بعض البشر الحق في امتلاك بشر آخرين والتصرف في حياتهم وعملهم، لكن انتهاء هذه الصورة التاريخية الصريحة للعبودية لم يؤد إلى انتهاء استغلال البشر، بقدر ما أدى في كثير من الحالات إلى تغير أشكاله ووسائله والبيئات التي يحدث داخلها.

يأتي اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر في الثلاثين من يوليو ليذكرنا بأن تحويل الإنسان إلى موضوع للاستغلال لم يصبح مجرد واقعة تاريخية نقرأ عنها في الكتب، إذ لا يزال هناك أشخاص يُستدرجون أو يُنقلون أو يُحتجزون أو يخضعون لصور مختلفة من السيطرة بغرض استغلالهم في العمل القسري أو الاستغلال الجنسي أو الخدمة المنزلية أو التسول القسري أو غيرها من صور الاستغلال، مستخدمة في ذلك وسائل قد تشمل العنف والتهديد والخداع وحجز الوثائق وفرض الديون واستغلال الفقر والحاجة والهشاشة وعدم قدرة الضحية على الدفاع عن نفسها أو الهروب من الوضع الذي وجدت نفسها داخله.

تختلف العبودية التاريخية بطبيعة الحال عن الاتجار بالبشر في عالمنا المعاصر، لأن الأولى كانت في مجتمعات كثيرة مؤسسة قانونية واقتصادية واجتماعية معلنة، تقوم على الاعتراف بحق شخص في امتلاك شخص آخر، بينما يحدث الاتجار بالبشر اليوم في عالم يجرّمه ويعترف، على الأقل من الناحية القانونية، بحرية الإنسان وكرامته وحقه في اختيار عمله وحياته، لكن هذا الاختلاف الجوهري لا يمنع وجود خيط يصل بين الظاهرتين، يتمثل في العلاقة شديدة الاختلال في القوة التي تسمح لطرف بالسيطرة على طرف آخر وتحويل عمله أو جسده أو ضعفه إلى منفعة أو ربح.

يستخدم تعبير "العبودية المعاصرة" اليوم للإشارة إلى مجموعة من الممارسات التي تصل فيها السيطرة والاستغلال إلى درجة يفقد معها الإنسان قدرته الفعلية على الرفض أو المغادرة، ولا يعني استخدام هذا التعبير أن الاتجار بالبشر في القرن الحادي والعشرين يمثل نسخة مطابقة لتجارة الرقيق أو غيرها من أشكال الرق التاريخية، لأن لكل ظاهرة سياقها التاريخي والقانوني والاقتصادي، لكن المفهوم يساعدنا على إدراك حقيقة أكثر إزعاجًا، وهي أن إلغاء الملكية القانونية للبشر لم يؤد بالضرورة إلى القضاء على جميع العلاقات التي يستطيع فيها إنسان أن ينتزع حرية إنسان آخر ويحقق ربحًا من استغلاله.

تغيرت أدوات الاستغلال بدورها مع تغير المجتمعات والتكنولوجيا، فلم يعد استدراج الضحية يحتاج إلى سوق للرقيق أو وسيط معروف أو رحلة بحرية طويلة، إذ قد تبدأ العملية بإعلان عن فرصة عمل، أو رسالة على الهاتف، أو اتصال عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي، أو وعد بدخل أفضل، ثم يكتشف الإنسان بعد ذلك أنه أصبح محاصرًا بعلاقة لا يستطيع الخروج منها بسهولة، وهو ما يكشف مفارقة عصرنا الذي منحت فيه التكنولوجيا البشر قدرة غير مسبوقة على الاتصال والحركة والوصول إلى المعلومات، بينما منحت في الوقت نفسه شبكات الاستغلال أدوات جديدة للوصول إلى ضحاياها وإخفاء أنشطتها ونقل الأموال والمعلومات عبر الحدود.

يكشف استمرار هذه الممارسات أن الانتصار التاريخي على العبودية، على أهميته الهائلة، كان انتصارًا على شرعية نظام أكثر منه نهاية نهائية لكل أشكال استغلال البشر، فقد نجحت البشرية إلى حد بعيد في نزع الشرعية القانونية والأخلاقية عن امتلاك الإنسان للإنسان، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في القضاء على الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تجعل بعض البشر أكثر عرضة للاستغلال، وفي مقدمتها الفقر وعدم المساواة والنزاعات والتمييز وضعف الحماية الاجتماعية والقانونية.

تكتسب مناسبتا 30 يوليو و23 أغسطس، من هذا المنظور، معنى يتجاوز حدود الأيام الدولية التي تمتلئ بها أجندة الأمم المتحدة، لأن الأولى تضع أمامنا ضحايا الاتجار بالبشر الذين يعيشون بيننا اليوم، بينما تستعيد الثانية ذكرى ملايين البشر الذين انتُزعت حريتهم وحُوّلوا إلى ممتلكات وسلع في الماضي، لتضع المناسبتان معًا أمام العالم سؤالًا أخلاقيًا لا يتعلق فقط بما فعلته البشرية في تاريخها، وإنما بما تسمح باستمراره في حاضرها.

تظل أفضل طريقة لإحياء ذكرى إلغاء تجارة الرقيق، من وجهة نظري، هي ألا تتحول المناسبة إلى مجرد إدانة أخلاقية لعالم مضى، فمن السهل على إنسان القرن الحادي والعشرين أن ينظر إلى أسواق الرقيق القديمة باعتبارها واحدة من أبشع الممارسات التي عرفها التاريخ، لكن الاختبار الأكثر صعوبة يتمثل في قدرته على رؤية أشكال الاستغلال التي تحدث في عصره، حتى عندما لا توجد سلاسل حديدية أو أسواق علنية أو وثائق تثبت ملكية إنسان لإنسان آخر، لأن فقدان الحرية لا يحتاج دائمًا إلى هذه الصور القديمة، وقد تكون السيطرة الاقتصادية أو التهديد أو الخداع أو استغلال الحاجة كافية لجعل الإنسان عاجزًا عن تقرير مصيره.

تبقى المسافة بين اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر في 30 يوليو واليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وذكرى إلغائها في 23 أغسطس أقل من شهر على أجندة الأيام الدولية، لكنها تختصر قرونًا طويلة من تاريخ الاستغلال الإنساني، وتذكرنا بأن الأسماء والأدوات والقوانين تغيرت كثيرًا، بينما بقي المبدأ الذي ينبغي الدفاع عنه واحدًا لا يحتاج إلى مناسبة دولية لتأكيده وهو أن الإنسان ليس سلعة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟


المزيد.....




- تصعيد واسع في الضفة: إصابات واعتقالات وبؤرة استيطانية جديدة ...
- أمريكا.. اعتقال مؤثر يميني متطرف معاد للإسلام بعد تحول احتجا ...
- إيمان كريم: المجتمع المدني شريك أساسي في حماية وتمكين الأشخا ...
- قاضية أمريكية تلغي حظر تأشيرات المهاجرين من 75 دولة.. ومصر ض ...
- وزير مغربي يحمّل إسبانيا المسؤولية عن تدفق المهاجرين الجماعي ...
- الضفة.. إصابة 5 فلسطينيين واعتقال شابين بهجمات واقتحامات إسر ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...
- عاجل| المبعوث الأمريكي توم براك: الإسرائيليون يحتلون الجولان ...
- السودان.. الحصبة تحصد 50 طفلا والجوع يفتك بآلاف النازحين في ...
- إعلام الأسرى الفلسطينيين: 7 عمليات قمع استهدفت أسيرات الدامو ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سلعة