أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - جاموسة محمد رمضان














المزيد.....

جاموسة محمد رمضان


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 20:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة قصة سيدة ريفية متقدمة في العمر، قيل إنها باعت جاموستها لكي تتمكن من الذهاب إلى الساحل الشمالي وحضور حفل الفنان محمد رمضان، وظهرت السيدة في الحفل سعيدة بلقاء نجمها المفضل، قبل أن تتحول قصتها سريعًا إلى مادة للجدل والسخرية والوعظ، وكأنها ارتكبت فعلًا يستوجب محاكمتها اجتماعيًا وأخلاقيًا ودينيًا.

لا نعرف على وجه اليقين مدى صحة القصة، ولا سيما أن تفاصيلها جاءت مكتملة على نحو يثير الشك: سيدة ريفية مسنة وجاموسة تمثل مورد رزق ورحلة إلى الساحل الشمالي وحفل لنجم يعرف جيدًا كيف يصنع الجدل ويحوّله إلى دعاية واسعة الانتشار. لهذا، لا يمكن استبعاد أن تكون الحكاية كلها، أو بعض تفاصيلها، جزءًا من مشهد دعائي مرتب سلفًا، فقد تحولت السيدة إلى جزء من العرض، وتحولت الجاموسة إلى عنوان جذاب، وحصل الحفل وصاحبه على دعاية مجانية تداولها الملايين.

لكن سواء كانت الواقعة حقيقية أم مرتبة، فإن ما يستحق التأمل ليس فقط ما فعلته السيدة، بل ما فعلناه نحن بها، فقد انشغل كثيرون بتوبيخها ومحاسبتها، وذهب بعضهم إلى القول إنه كان الأولى بها أن تنفق المال على الحج أو العمرة، بينما تساءل آخرون عما كان سيحدث لو ماتت في الحفل، معتبرين ذلك “سوء خاتمة،” وفجأة، لم تعد المرأة شخصًا حرًا يبحث عن لحظة فرح، بل أصبحت متهمة مطالبة بتقديم كشف حساب عن مالها وعمرها وتدينها والطريقة التي اختارتها للاستمتاع بالحياة.

يمكن بالطبع مناقشة بيع الجاموسة من زاوية اقتصادية، فالجاموسة في الأسرة الريفية ليست مجرد حيوان، وإنما أصل منتج ومصدر محتمل للحليب والدخل والأمان في مواجهة الأزمات، وإذا كانت السيدة قد باعت بالفعل موردًا أساسيًا تعتمد عليه أسرتها من أجل حضور حفل لا يستمر سوى ساعات، فمن المشروع أن نتساءل عن حكمة القرار، لكن مناقشة القرار اقتصاديًا شيء، وتحويل صاحبته إلى موضع للإدانة الأخلاقية والدينية شيء آخر تمامًا.

السيدة، في النهاية، حرة في مالها، ما دام قرارها لا يعتدي على حقوق شخص آخر أو يهدد معيشة من تعولهم، ولا يعني كونها امرأة ريفية أن احتياجاتها يجب أن تقتصر على الطعام والدواء والعبادة، كما لا يعني تقدمها في العمر أن زمن الفرح قد انتهى، وأن عليها أن تجلس في بيتها في انتظار المرض أو الموت، فالترفيه ليس امتيازًا مقصورًا على الشباب أو سكان المدن أو أبناء الطبقات القادرة، والإنسان لا يفقد حقه في الاستمتاع بالحياة بمجرد أن يتقدم في العمر.

تكشف التعليقات التي طالبتها بالحج أو العمرة بدلًا من حضور الحفل عن نزعة عميقة إلى الوصاية على اختيارات الآخرين، وخصوصًا حين يكون هؤلاء من النساء أو الفقراء أو كبار السن، فلو أن شابًا ثريًا دفع عشرات الآلاف من الجنيهات مقابل تذكرة في الحفل نفسه، ربما لم يكن أحد ليسأله لماذا لم ينفق أمواله على الفقراء أو على رحلة دينية. أما حين تنفق امرأة ريفية جزءًا من مالها بالطريقة نفسها، يصبح إنفاقها سفهًا وفرحها خطيئة واختيارها دليلًا على فساد القيم.

المشكلة هنا ليست في الحرص على السيدة بقدر ما هي في الاعتقاد بأن الفقير لا يحق له أن يحدد بنفسه شكل سعادته. نحن نحب الفقير حين يكون صابرًا وقنوعًا ومنصرفًا إلى تأمين ضروريات حياته، لكننا ننزعج حين يطلب نصيبًا من المتعة، حتى لو كانت متعة عابرة أو غير مفهومة بالنسبة لنا، ونفترض أن المرأة الريفية المسنة لابد أن تكون لها ذائقة واحدة وسلوك واحد وصورة نمطية لا يجوز لها الخروج عليها.

أما الحديث عن احتمال موتها في الحفل واعتبار ذلك “سوء خاتمة،” فيعبّر عن تصور ديني شديد القسوة يلاحق الإنسان حتى في لحظات فرحه، فالموت قد يأتي في البيت أو الشارع أو مكان العمل أو أثناء السفر، ولا يملك أحد أن يحدد قيمة حياة إنسان أو مصيره الأخروي من المكان الذي صادف أن مات فيه، وإذا كان حضور هذا النوع من الحفلات إثمًا في ذاته، وفقًا لمن يرددون هذا الكلام، فلماذا جرى توجيه الوعظ إلى هذه السيدة وحدها؟ أليس جمهور الحفل كله حاضرًا في المكان نفسه؟

ربما يرجع جانب من هذه النظرة إلى تأثير خطاب ديني متشدد ضيّق على الناس مساحة الفرح المباح، وربط الموسيقى والرقص والاحتفال بالذنب وسوء العاقبة. ليت أن الأمر اقتصر على الفكر السلفي وحده، لكن تداخلت معه وصاية طبقية وعمرية وذكورية ترى أن بعض الناس أحق من غيرهم بالاستمتاع، وأن المرأة، كلما تقدمت في العمر أو انتمت إلى بيئة ريفية، أصبحت حريتها محل رقابة أشد.

كان يمكن، بدلًا من السخرية من السيدة أو تخويفها من الموت وسوء الخاتمة، أن يفرح الناس لفرحها، وأن ينتقدوا في الوقت نفسه فكرة خسارتها لمصدر رزقها، وإذا كان محمد رمضان أو منظمو الحفل قد علموا فعلًا بأنها باعت جاموستها للحضور، فقد كان التصرف الأجمل أن يتيحوا لها حضور الحفل، ثم يعوضوها عن الجاموسة أو يساعدوها على شراء أخرى، بدلًا من الاكتفاء بتحويل قصتها إلى مادة دعائية.

لا أعرف إن كانت الجاموسة قد بيعت حقًا، ولا إن كانت القصة عفوية أم مصنوعة، لكنني أعرف أن ردود الفعل كانت حقيقية، وأنها كشفت مقدار ما نحمله من أحكام جاهزة تجاه المرأة الريفية وكبار السن تحديداً. لقد أصبحت السيدة، لا محمد رمضان ولا صناعة الدعاية من حوله، هي المتهمة الرئيسية، وربما كانت قصتها، بصرف النظر عن حقيقتها، فرصة لنسأل أنفسنا: لماذا نضيق بفرح الآخرين حين لا يشبه فرحنا، ولماذا نسمح لأنفسنا بأن نقرر لهم كيف ينفقون أموالهم، وكيف يعيشون أعمارهم، بل وأين يجوز لهم أن يفرحوا؟



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...


المزيد.....




- شاهد.. إعصار عنيف يباغت سكان قرية فرنسية ويوقع عشرات الإصابا ...
- لحظة نادرة تلتقطها كاميرا لمضيفات طيران من كوريا الشمالية
- وسائل إعلام إيرانية: طوابير طويلة وإغلاقات مؤقتة في محطات ال ...
- القوات الإسرائيلية تضرم النيران في حقول الزيتون جنوب لبنان ( ...
- بمرحلتين ومدى مضاعف: البحرية الأمريكية تختبر جيلا جديدا من ص ...
- أوكرانيا.. وزير الدفاع السابق أمام -الرادا- للإدلاء بشهادته ...
- ترحيل زوجة جندي أمريكي إلى هندوراس في أحدث حلقة من حملة ترام ...
- العقوبات الأمريكية وتهاوي قيمة الريال الإيراني يفاقمان الأزم ...
- كندا: هل تسبب -الاستثناء الفرانكفوني- لمقاطعة كيبيك بتعثر ال ...
- مساع لتوحيد البيت الفلسطيني واستعدادات للانتخابات التشريعية. ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - جاموسة محمد رمضان