أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - أيمن زهري - ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك














المزيد.....

ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:54
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


لا ينكر منصفٌ النقلة الاجتماعية الجبارة التي أحدثتها ثورة الثالث والعشرين من يوليو، ولا التحول النوعي الذي شهدته مصر بعدها، حين ارتفع ملايين الفقراء من طبقة المعدمين إلى الطبقة الوسطى، واستعادوا قدرًا من الكرامة الإنسانية والإحساس بأن لهم نصيبًا في هذا الوطن-. قد يختلف الناس حول السياسات الاقتصادية أو الخيارات السياسية التي اتخذتها الثورة، لكن من الصعب إنكار أثرها العميق في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية المصرية-.

المشكلة أن ذاكرة المجتمعات كثيرًا ما تكون قصيرة، وأن الأجيال الجديدة تعرف الماضي من خلال الصور التي وصلت إليها، لا من خلال الواقع الذي عاشه الناس-. بقي في الوعي الجمعي بريق القصور، وأناقة القاهرة الخديوية، وصور الحياة الأرستقراطية التي كرستها السينما في عقود لاحقة، بينما غابت صورة الريف المصري الفقير، والأحياء التي كانت تغرق في البؤس، والطبقات التي لم يكن لها من الوطن إلا اسمه-.

لم تعد تتردد اليوم المقولة الشهيرة المنسوبة إلى إبراهيم باشا: **“ما المصريون إلا عبيد إحساننا،”** ولم يعد كثيرون يتذكرون أن مشروع **“مكافحة الحفاء”** الذي دعا إليه الأستاذ أحمد حسين لم يكن مجرد شعار سياسي، بل كان انعكاسًا لواقع اجتماعي عاش فيه ملايين المصريين حفاة لا يملكون ثمن الحذاء-. هذه ليست حكايات للمبالغة، بل شواهد على مستوى الفقر الذي عرفته مصر قبل الثورة-.

غابت أيضًا من الذاكرة الجماعية مأساة السخرة التي دفع فيها عشرات الآلاف من المصريين حياتهم أثناء حفر قناة السويس، وشق ترعة الإسماعيلية، وترعة المحمودية، وغيرها من المشروعات الكبرى التي قامت على العمل القسري، وكذلك غابت صور الفلاحين الذين كانوا يُنتزعون من قراهم ليعملوا شهورًا طويلة في ظروف قاسية، بعيدًا عن أسرهم، دون أن يكون لهم حق الاختيار-. غابت أيضاً ذكريات تجنيد المصريين قسرًا لخدمة الإمبراطورية البريطانية في حروبها، وإرهاق الفلاحين بالضرائب حتى اضطر كثير منهم إلى ترك الأرض والهجرة إلى المدن، حيث عاشوا على هامش الحياة-.

حين ننظر اليوم إلى القصور الملكية ومتاحف المجوهرات والقاهرة الخديوية وقناة السويس، يسهل أن نُعجب بجمال الإنجاز، لكن من الضروري أيضًا أن نسأل: من دفع الثمن؟ وكم بلغت الكلفة الإنسانية والاجتماعية لهذه المشروعات؟ فالتاريخ لا يُقرأ من خلال ما بقي من الحجر وحده، وإنما أيضًا من خلال ما دفعه البشر في سبيل تشييده-.

لهذا تبدو المقارنة بين مرحلتين ضرورية، فالسخرة التي أُقيمت بها كثير من مشروعات القرن التاسع عشر تختلف جذريًا عن الروح التي صاحبت بناء السد العالي، فقد عمل آلاف المصريين في السد العالي باعتباره مشروعًا وطنيًا يخصهم، لا مشروعًا يخص الحاكم وحده-. كانوا عمالًا يتقاضون أجورهم ويتمتعون بحقوقهم ويؤمنون بأنهم يبنون مستقبلًا لأبنائهم، لا مجرد أثر يخلد اسم الحاكم-. كان الفارق هو الانتقال من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطن ومن العمل بالإكراه إلى العمل بدافع الانتماء-.

ليس المقصود من استدعاء هذه الوقائع تمجيد الماضي أو إدانته بصورة مطلقة، فكل مرحلة تاريخية لها إنجازاتها وأخطاؤها، وكل تجربة بشرية تقبل النقد والمراجعة، لكن الإنصاف يقتضي أن نحاكم كل عصر في سياقه وأن نتذكر أحوال الناس قبل أن نحكم على اختياراتهم، فالتاريخ ليس معرضًا للصور الجميلة ولا ساحة للدعاية المضادة، وإنما هو سجل لتجارب البشر بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات-.

ربما يكون أخطر ما يواجه الأمم ليس اختلافها حول التاريخ، بل فقدانها لذاكرتها-. فعندما تتحول الذاكرة إلى ذاكرة سمك، يصبح من السهل أن نُعجب بالواجهات وأن ننسى ما كان وراءها من معاناة وأن نحاكم الثورات بعيدًا عن الظروف التي صنعتها، والتاريخ، في النهاية، لا يرحم من يقرأ نصفه ويهمل نصفه الآخر-.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟
- المشكلة السكانية في مصر: مواليد أقل وزحام أكبر
- ماذا خسر المصريون بخروج الجاليات الأجنبية بعد ثورة يوليو 195 ...
- اللاإنجابية في مصر: قرار فردي أم انعكاس لتحولات اجتماعية أعم ...
- قراءة أولية في تقرير الهجرة العالمي 2026


المزيد.....




- بعد البوتوكس والفيلر.. هل سيحقن الجسم والوجه بدهون المتبرعين ...
- فوز نجمة هوليوود ريبيل ويلسون بقضية تشهير رفعتها ضدها ممثلة ...
- -بحر من الضباب- يحيط بمتحف زايد الوطني في أبوظبي بمشهد أقرب ...
- منزل هتلر يتحول إلى مركز شرطة.. خطوة نمساوية لمواجهة إرث الن ...
- روبيو: إيران -تتوسل- إلى أمريكا لإبرام اتفاق وسياسة ترامب هي ...
- الجيش الأردني يعلن اعتراض هجمات صاروخية إيرانية والحرس الثور ...
- مساعد جيل بايدن السابق: هاريس لن تحصل على -فرصة ثالثة- في 20 ...
- كهرباء تغيب 14 ساعة وحرارة تحرق الشوارع وتشعل الغضب في ليبيا ...
- مساعٍ جزائرية مستمرة للسيطرة على الحرائق في البلاد، وتوقيف 4 ...
- روبيو: السعودية تعتزم تطوير برنامج نووي سلمي


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - أيمن زهري - ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك