أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإنسان إلى سلعة














المزيد.....

في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإنسان إلى سلعة


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 14:07
المحور: حقوق الانسان
    


في الثلاثين من يوليو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، وهي مناسبة تستحق أن نتوقف عندها قليلًا ليس فقط للتذكير بخطورة هذه الجريمة أو لاستعراض ما تحقق من تطور في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، وإنما لإعادة طرح سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره وعميقًا في مضمونه، وهو: لماذا لا تزال هذه الجريمة قادرة على البقاء والتطور رغم كل ما بُذل من جهود لمواجهتها؟ والإجابة في تقديري لا تبدأ من المتاجر بالبشر بقدر ما تبدأ من الضحية، لأن هذه الجريمة لا تزدهر حيث يوجد المجرمون فقط، وإنما حيث توجد الهشاشة الإنسانية التي يمكن استغلالها وتحويلها إلى مصدر للربح.

تكمن خصوصية الاتجار بالبشر في أنه لا يتعامل مع الإنسان باعتباره هدفًا للجريمة فحسب، وإنما باعتباره وسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية، ولذلك فإن السلعة الحقيقية ليست الإنسان في ذاته، وإنما الظروف التي جعلته ضعيفًا أو محتاجًا أو فاقدًا للحماية، فالفقر قد يصبح مدخلًا للاستغلال كما قد تصبح البطالة مدخلًا آخر وقد يؤدي النزوح أو الهجرة غير الآمنة أو الحرمان من التعليم أو التمييز أو التفكك الأسري الدور نفسه، لأن كل واحدة من هذه الحالات تقلل قدرة الإنسان على الاختيار الحر وتزيد قابليته للوقوع في براثن من يحولون حاجته إلى تجارة تدر أرباحًا هائلة.

من هنا تبدو هذه الجريمة مختلفة عن كثير من الجرائم الأخرى، فالسارق يبحث عن المال وتاجر المخدرات يبحث عن سوق لتصريف بضاعته، أما المتاجر بالبشر فإنه يبحث عن إنسان يائس أو خائف أو محتاج، لأن الهشاشة هي المادة الخام التي تقوم عليها هذه التجارة، وكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية واتسعت الفجوات الاجتماعية وتصاعدت النزاعات وتراجعت فرص العمل اللائق اتسعت المساحة التي تتحرك فيها شبكات الاستغلال، ليس لأن المجتمعات أصبحت تنتج مجرمين أكثر، وإنما لأنها أصبحت تنتج أفرادًا أكثر هشاشة.

لهذا السبب لم يعد من الممكن النظر إلى الاتجار بالبشر باعتباره قضية جنائية فقط، رغم أهمية إنفاذ القانون وتشديد العقوبات وملاحقة الجناة، لأن هذه الإجراءات تظل ضرورية لكنها لا تعالج جذور المشكلة. فالقوانين تستطيع أن تعاقب من استغل الضحية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع ظهور ضحايا جدد إذا بقيت الظروف التي دفعتهم إلى دائرة الاستغلال على حالها. لهذا أصبح من الواضح أن الوقاية لا تقل أهمية عن العقاب، وأن بناء سياسات تنموية توفر التعليم والعمل اللائق والحماية الاجتماعية وتكافؤ الفرص هو في الوقت نفسه جزء أصيل من مكافحة الاتجار بالبشر، حتى وإن لم يُقدم تحت هذا العنوان.

تزداد أهمية هذه الرؤية في عالم يشهد تغيرات متسارعة في أنماط الحركة البشرية وفي أسواق العمل وفي وسائل الاتصال، حيث تتغير أساليب الاستغلال بالسرعة نفسها التي تتغير بها المجتمعات، فالذين يمارسون هذه الجريمة لا يبتكرون الهشاشة، وإنما يبحثون عنها أينما وجدت، ويكيفون أدواتهم وفقًا للظروف المحيطة، وهو ما يجعل المواجهة الحقيقية أكثر تعقيدًا من مجرد مطاردة المجرمين، لأنها تبدأ قبل ذلك بسنوات عندما ينجح المجتمع في تقليص الفقر وتحسين جودة التعليم وتوسيع فرص العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية وترسيخ ثقافة احترام الكرامة الإنسانية.

يذكرنا اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر بأن نجاحنا في مواجهة هذه الجريمة لا يقاس بعدد القضايا التي تم ضبطها ولا بعدد الأحكام التي صدرت بحق مرتكبيها، وإنما يقاس قبل ذلك بقدرتنا على بناء مجتمعات تقل فيها قابلية الإنسان للاستغلال، فكل طفل يبقى في المدرسة وكل شاب يجد فرصة عمل لائقة وكل امرأة تتمتع بالحماية القانونية والاجتماعية وكل مهاجر يسلك طريقًا آمنًا ومنظمًا يمثل انتصارًا حقيقيًا في هذه المعركة، حتى وإن لم يظهر اسمه في إحصاءات أجهزة العدالة الجنائية، فالهدف النهائي ليس مجرد معاقبة المتاجرين بالبشر، وإنما الوصول إلى مجتمع لا تجد فيه هذه الجريمة البيئة التي تسمح لها بالنمو، لأن الإنسان عندما يتمتع بالكرامة والحرية والفرصة العادلة يصبح عصيًا على أن يتحول إلى سلعة، وتصبح هشاشته أقل قابلية لأن يستثمرها الآخرون أو يحققوا الربح من خلالها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل
- خرافة التفكير النقدي: لماذا لا نحب الأسئلة الصعبة؟


المزيد.....




- العفو الدولية: الهند أرسلت 2596 شحنة من الأسلحة لإسرائيل خلا ...
- فرنسا.. اعتقال مشبوهين بإضرام حرائق الغابات في مقاطعة غنية ب ...
- الأمن الروسي: اعتقال عميل موّل استخبارات كييف (فيديو)
- الأردن.. اعتقال شخص طعن فتاة حتى الموت وسط عمان
- -القضية البسيطة-.. أعلى محكمة في إيطاليا تصدر حكما لصالح أحف ...
- واشنطن تدرس تأجيل أو رفض مرشح ماكرون لمنصب السفير بعد انتقاد ...
- سوريا: توقيف ثلاثة متهمين بجرائم تعذيب ممنهجة داخل المشافي ا ...
- بعد عامين على قرار لاهاي بـ-عدم شرعية الاحتلال-: الأمم المتح ...
- الأمم المتحدة تحذر من انفجار عنف المستوطنين وتواطؤ أمني إسرا ...
- بينهم طبيب برتبة عميد.. 3 متهمين بتعذيب معتقلين في مشافٍ عسك ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أيمن زهري - في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإنسان إلى سلعة