أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 02:50
المحور:
قضايا ثقافية
ثمة طبقة خفية من الثقافة لا تُدرَّس ولا تُقرأ، بل تُكتسب بالتراكم والاحتكاك والانغماس في المشترك اليومي. في مصر، يتشكّل جزء كبير من هذه الطبقة عبر ما تبثّه الشاشة: مشاهد، عبارات، شخصيات، وتعبيرات أصبحت من فرط تكرارها واستقرارها في الوجدان بمثابة علامات تعريفية للثقافة المصرية الحديثة. إنها ما يمكن وصفه بـ “المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة”.
من لا يعرف معنى أن يُقال له: “لونك حزايني كده ليه يا فسواني؟”، أو لا يتبادر إلى ذهنه وجه عبد الفتاح القصري وهو ينطق: “يا صفايح الزبدة السايحة، يا براميل القشطة النايحة!”، أو لا تلمع في ذاكرته صورة حسن أرابيسك وهو يتمرّد في صمت… من لا يعرف كل هذا، فإنه ببساطة خارج المشهد. لا لأن هذه العبارات نصوص مقدسة، بل لأنها مفاتيح؛ من لا يملكها لا يستطيع فتح أبواب الفهم الشعبي، ولا الانخراط في نكتة، أو التعليق على موقف، أو قراءة مزاج جماعي يتشكّل بغير إعلان.
هذه الرموز ليست ترفًا، بل بنية تحتية ثقافية؛ من لا يعرف “اللمبي”، لا يفهم سخرية جيل كامل من الشباب. من لا يعرف “نازك السلحدار”، لا يُدرك لعبة السلطة الملفوفة ببطانة ناعمة. من لا يسمع صوت زينات صدقي وهي تقول “كتاكيتو بني”، لا يستطيع أن يقرأ طبقة الدلال المصطنع في خطاب النساء الشعبيات. من لا ينفع وجدانيّا عند ذكر “الشيخ حسني”، لا يعرف حجم البصيرة التي تعلو على البصر.
لم تكن هذه العبارات مشاهد معزولة في أفلامٍ متفرّقة، بل مراكز ثقل في الوعي المصري، مثل انهيار محفوظ عبد الدايم في القاهرة 30، أو النظرة التي أطلقها العمدة سليمان غانم حين أحس بالهزيمة. هذه ليست مجرد أداءات، بل “المَشاهد الأم” (Master Scenes) التي بُنيت عليها ذاكرة أجيال.
“المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة” ليس محفوظات، ولا أرشيفًا، بل هو حيّ، نشِط، يُعاد توظيفه يوميًا في الكلام، في النكتة، في السخرية، في خطاب وسائل التواصل الإجتماعي، في النظرة، في "الإفيه" العابر، في العتاب، في الحب، وفي الشتيمة أحيانًا. من لا يتقن هذه اللغة، يظل غريبًا عن ثقافة المجتمع ولو كان مصريًا.
المسألة ليست ذوقًا فنيًا ولا حبًا للسينما، بل هوية ضمنية، لا تظهر في الأوراق الرسمية، لكنها تطبع الوجدان. في زمن تتآكل فيه المرجعيات المشتركة، وتتفكك فيه لغة الجماعة، يبدو هذا “المعلوم بالضرورة” بمثابة آخر ما يجمع الناس على شعورٍ واحد، وضحكةٍ مفهومة، وحنينٍ بلا تفسير.
#أيمن_زهري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟