أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أيمن زهري - الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟














المزيد.....

الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 18:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أثار الجدل الذي صاحب واقعة الصلاة في أحد المطاعم نقاشًا واسعًا، انقسم فيه الناس بين من رأى أن ما حدث يعكس تدينًا زائفًا، ومن اعتبر أن من حق أي إنسان أن يؤدي صلاته حيثما أدركه وقتها، غير أنني أعتقد أن اختزال القضية في هذا الاستقطاب يفوِّت علينا فرصة لفهم تحول اجتماعي أعمق تشهده مصر خلال العقود الأخيرة.

لا أرى في هذه الظاهرة دليلًا على الرياء أو ادعاء التدين، بقدر ما أراها تعبيرًا عن رغبة شريحة واسعة من المصريين في الجمع بين الاستمتاع بالحياة والالتزام الديني في آن واحد، فهناك من يريد أن يذهب إلى المطعم أو المقهى أو النادي أو الشاطئ وأن يعيش حياة طبيعية مثل غيره، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يفوت الصلاة أو يشعر بأنه تنازل عن التزامه الديني؛ إنه يبحث عن نصيبه من الدنيا، دون أن يفرط في نصيبه من الآخرة.

لعلنا نرى التعبير نفسه في ظواهر أخرى؛ فهناك من يرتاد الشواطئ بملابس سباحة محتشمة، وهناك من ينزل البحر بملابس عادية لا تناسب السباحة من الناحية العملية أو الصحية، فقط لأنه يحاول التوفيق بين قناعاته الدينية ورغبته في الاستمتاع بالحياة. قد نختلف مع هذه الاختيارات أو نتفق معها، لكنها تعكس محاولة للتوفيق بين منظومتين من القيم، لا بالضرورة ازدواجية أو نفاقًا.

لكن واقعة المطعم تكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية، فإذا كان المكان غير مجهز لاستقبال المصلين، فمن حق الإدارة أن تنظم استخدامه بما يحفظ راحة جميع الزبائن. في المقابل، كان من الممكن إدارة الموقف بقدر أكبر من الاحترام واللباقة، بعيدًا عن أي عبارات قد تُفهم على أنها انتقاص من الشعيرة أو من المصلين، فالقضية ليست في وجود مكان للصلاة داخل كل مطعم، وإنما في كيفية إدارة الاختلاف باحترام متبادل.

غير أن ما يشغلني أكثر من هذه الواقعة هو ملاحظة اجتماعية تتكرر أمامي في أماكن كثيرة، ففي النوادي، على سبيل المثال، أجد سجادات صلاة موضوعة في الصالات أو على المقاعد، وتقام الصلاة جماعة داخل هذه الأماكن رغم وجود أكثر من مسجد داخل النادي أو على مسافة قريبة منه. المشهد نفسه يتكرر في بعض أماكن العمل والمراكز التجارية، مركز البستان التجاري نموذجاً واضحاً لذلك. ألاحظ وكأن الصلاة بدأت تنتقل تدريجيًا من المسجد إلى الفضاءات التي يعيش فيها الناس يومهم.

هذا التحول يطرح سؤالًا يستحق التأمل: هل أصبح المسجد أقل مركزية في الحياة اليومية؟ يبدو أن كثيرًا من الناس أصبحوا يمنحون الأولوية لأداء الصلاة في وقتها، أكثر من حرصهم على أدائها في المسجد، فبدلًا من التوجه إلى المسجد، تؤدى الصلاة حيث يوجد الإنسان، في ركن من النادي، أو في صالة انتظار، أو في المطار، أو في مكان العمل. لقد اندمجت العبادة في تفاصيل الحياة اليومية، ولم تعد مرتبطة بالمكان الذي اعتدنا أن تُمارَس فيه.

قد يبدو هذا تطورًا طبيعيًا ينسجم مع إيقاع الحياة الحديثة، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول الدور الاجتماعي للمسجد، فالمسجد لم يكن مجرد مكان تؤدى فيه الصلاة، بل كان فضاءً للقاء والتعارف وبناء الروابط الاجتماعية وتبادل الخبرات والشعور بالانتماء إلى جماعة أوسع. إذا انتقلت الصلاة تدريجيًا إلى أي مساحة متاحة، فهل نفقد شيئًا من هذه الوظيفة الاجتماعية للمسجد؟

ربما يكون من المبكر الإجابة عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن الجدل الذي أثارته واقعة المطعم يكشف عن تغيرات أعمق من مجرد خلاف حول مكان أداء الصلاة. إنه يعكس تحولًا في علاقة المصريين بالدين والمجال العام، وفي الطريقة التي يسعون بها إلى التوفيق بين متطلبات الحياة الحديثة والالتزام الديني. لذلك، فإن القضية ليست من صلى في المطعم، ولا من اعترض على ذلك، بل كيف يعيد المجتمع تعريف العلاقة بين العبادة والمكان، وبين حرية الممارسة واحترام الفضاء المشترك، وبين المسجد بوصفه مؤسسة اجتماعية، والصلاة بوصفها عبادة يمكن أن تؤدى في أي مكان.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟


المزيد.....




- محافظة القدس: 1678 مستوطنا اقتحموا الأقصى خلال يوم كيبور الي ...
- 686 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى في عيد الغفران اليهودي
- وداعاً لصوت الفجر.. رحيل مؤذن المسجد الحرام الشيخ إبراهيم ال ...
- اللجنة الملكية لشؤون القدس تحذر من تصعيد خطير يستهدف هوية ال ...
- 90 يوما بلا أذان.. الصلاة في المسجد الإبراهيمي ممنوعة في الأ ...
- ارتبط صوته بأذان الفجر.. وفاة مؤذن المسجد الحرام الشيخ إبراه ...
- 458 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى
- كندا.. إصابة ضابط شرطة بإطلاق نار خارج كنيس يهودي خلال إحياء ...
- مسيحيو فلسطين يتصدون -للمسيحية- الصهيونية
- السعودية تدين اقتحام مسؤول إسرائيلي ومتطرفين باحات المسجد ال ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أيمن زهري - الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟