أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - فلاحات كفر عمرو دياب














المزيد.....

فلاحات كفر عمرو دياب


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 12:04
المحور: قضايا ثقافية
    


قد يبدو العنوان صادمًا لأول وهلة، لكنه لا يقصد السخرية من الفلاحة المصرية، وإنما يحتفي بها. فما قدمه عمرو دياب في أغنيته الجديدة لم يكن مجرد أغنية صيفية ناجحة، ولم يكن نجاحها راجعًا فقط إلى جماهيريته الممتدة لأكثر من أربعة عقود، وإنما لأنها أعادت إلى الشاشة شيئًا غاب طويلًا عن الثقافة البصرية المصرية، وهو المرأة الريفية كما عرفها المصريون قبل أن تدخل البلاد في موجة طويلة من المحافظة الاجتماعية المصحوبة بتوتر دائم في النظر إلى الجسد والملبس والفرح.
لم تكن بطلات الأغنية نجمات أزياء عالميات ولا نسخًا متكررة من نموذج جمالي مستورد، بل كن أقرب إلى الفتاة المصرية التي عرفناها في القرى والنجوع التي نشأ فيها غالبية أبناء جيلي والأجيال السابقة، ببساطتها وعفويتها وضحكتها وملابسها وألوانها وحركتها. لم يكن المشهد مصطنعًا، ولم يحاول أن يقلد شواطئ المتوسط الأوروبية أو المنتجعات الأمريكية، وإنما استدعى ذاكرة مصرية قديمة كادت تختفي من الوعي العام.
المفارقة أن المجتمع المصري لم يكن ينظر للمرأة الريفية بهذه الحساسية المفرطة التي نراها اليوم. كانت الفلاحة تعمل في الأرض، وتتحرك بحرية، وتضحك بصوت مرتفع، وتشارك في الحصاد والأفراح والأسواق، ولم يكن أحد يعتبر وجودها أو ملابسها أو حركتها قضية أخلاقية. كانت المرأة الريفية جزءًا طبيعيًا من المشهد الاجتماعي، قبل أن يتحول المجتمع تدريجيًا إلى مجتمع أكثر محافظة، وأكثر استعدادًا لإدانة الآخر، وأكثر ميلًا إلى مراقبة السلوك والمظهر بدلاً من الاستمتاع بالحياة..
لعل هذا هو السر الحقيقي وراء الانتشار الكبير للأغنية، فقد رأى كثير من المصريين فيها جزءًا من ذاكرتهم الشخصية، لا مجرد عمل غنائي جديد. رأوا بنات يشبهن أخواتهم وبنات عمومتهم وجاراتهم، ورأوا مصر التي يعرفونها، لا مصر التي صنعتها الإعلانات التجارية ومنصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة. لذلك جاءت ردود الفعل عاطفية أكثر منها فنية؛ فالناس لم تتفاعل فقط مع اللحن أو الكلمات، وإنما مع الإحساس بأن شيئًا مألوفًا عاد إلى مكانه.
ربما تكشف هذه الأغنية عن ظاهرة اجتماعية أوسع، وهي أن المصريين، رغم كل ما شهده المجتمع من تغيرات ثقافية، لا يزالون يحنون إلى البساطة، فالريف في المخيلة المصرية ليس مجرد مكان، بل منظومة قيم تقوم على العفوية والتلقائية والعلاقات الإنسانية المباشرة، وهي قيم يشعر كثيرون أنها تراجعت أمام الاستعراض الاجتماعي وثقافة الصورة المثالية.
لا يعني ذلك الدعوة إلى تمجيد/تجميد الريف وصورته الوردية في الذاكرة أو إنكار التحولات التي مر بها المجتمع، ولا يعني أيضًا أن كل ما مضى كان أفضل مما هو قائم الآن، لكنه يذكرنا بأن الحداثة لا تعني بالضرورة القطيعة مع الجذور، وأن المجتمع الذي يفقد صورته الحقيقية يظل يبحث عنها في الفن وفي الموسيقى وفي السينما وفي كل عمل يعيد إليه شيئًا من نفسه.
ربما لم يقصد عمرو دياب أن يثير كل هذه الأسئلة الاجتماعية، وربما كان يبحث فقط عن أغنية مختلفة لفصل الصيف، لكن الأعمال الفنية كثيرًا ما تتجاوز نوايا أصحابها، وتصبح مرآة لتحولات المجتمع، وإذا كانت أغنية واحدة استطاعت أن تفتح هذا القدر من النقاش، فلأنها لامست شيئًا أعمق من الموسيقى، وهو شعور المصريين بأن صورتهم الحقيقية لا تزال موجودة، لكنها كانت تنتظر من يعيد اكتشافها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟
- اليوم العالمي للاجئين: كيف نمنع إنتاج اللاجئين؟
- مأزق الندرة السكانية في الخليج: هل حان وقت توسيع الجماعة الو ...
- من أسواق الرقيق إلى فيلم أسد: صفحة منسية من التاريخ الاجتماع ...
- هل انتهى زمن الإعلام الجماهيري؟
- لماذا يزيد عدد سكان العالم رغم تراجع الخصوبة؟
- هل انتهى العقد الاجتماعي؟
- لماذا يتراجع البشر عن الإنجاب؟
- العمل عن بُعد… والبُعد عن العمل


المزيد.....




- شقيق الأميرة ديانا يزعم: تشارلز قال بعد وفاتها إنها -ستُنسى ...
- احتمال ترشح كامالا هاريس للرئاسة الأمريكية.. ماذا نعلم للآن؟ ...
- حشرات عملاقة وأحذية غير مألوفة.. أسبوع الموضة في نيويورك يُط ...
- الجدل المحيط بحفلات إد شيران يتحول إلى مبادرات تبرع وتعاون إ ...
- قرقاش: أمن السعودية من أمن الإمارات.. لقاء الشيخ خالد وبزشكي ...
- اتحاد الفروسية الألماني في ورطة بعد اختفاء راعية إماراتية
- اجتماع مغلق لقادة عرب وإسرائيليين برعاية أمريكية في ألمانيا ...
- سيدات إيران يدخلن الحرب من بوابة الدفاع
- الجيش الروسي يحرر بلدة في زابوروجيه ويسيطر على أخرى في خاركو ...
- -مساومة على الشرف-.. كواليس استغاثة فتاة مصرية بالرئيس السيس ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أيمن زهري - فلاحات كفر عمرو دياب