أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي














المزيد.....

خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 18:11
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


في الرابع من سبتمبر 2026، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يشجع على استخدام خرائط للعالم تعكس بصورة أكثر دقة الأحجام الحقيقية للدول والقارات. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى غريبًا: هل كنا نعيش طوال هذه السنوات مع خريطة خاطئة؟ وهل تغير حجم أفريقيا أو أوروبا فجأة؟ بالطبع لا. المشكلة ليست في الأرض، وإنما في الطريقة التي رسمنا بها الكرة الأرضية على ورقة مسطحة.

القصة أبسط كثيرًا مما تبدو عليه. الأرض كروية تقريبًا، والخريطة مسطحة، وعندما نحاول تحويل سطح كروي إلى مستطيل مسطح، لا بد أن يحدث قدر من التشويه. الأمر يشبه محاولة فرد قشرة برتقالة كاملة فوق طاولة من دون قطعها أو شدها: لن تنجح تمامًا، لذلك ابتكر رسامو الخرائط عبر القرون طرقًا مختلفة، أو ما يسمى بـ"الإسقاطات،" لتحويل الكرة الأرضية إلى خريطة مسطحة.

إحدى أشهر هذه الطرق هي خريطة مركاتور، التي ظهرت في القرن السادس عشر وانتشرت بعد ذلك انتشارًا هائلًا، حتى أصبحت بالنسبة لأجيال متعاقبة هي "شكل العالم" الذي نعرفه، نراها في المدارس والكتب والمكاتب ووسائل الإعلام، وأصبحت صورتها محفورة في أذهاننا لدرجة أننا نتصور أن أحجام الدول والقارات التي نراها عليها هي أحجامها الحقيقية، لكنها ليست كذلك.

خريطة مركاتور لم تكن في الأصل محاولة لخداع أحد، ولم تكن خريطة سيئة. لقد صممت في الأساس لتكون مفيدة للملاحة البحرية، وكانت لها مزايا مهمة جدًا بالنسبة إلى البحارة. ظهرت المشكلة عندما تحولت خريطة صممت لغرض معين إلى الصورة العامة للعالم، حيث أننا كلما اتجهنا في خريطة مركاتور شمالًا أو جنوبًا بعيدًا عن خط الاستواء، تبدأ المساحات في التضخم. والنتيجة أن المناطق الواقعة في الشمال، مثل أوروبا وكندا وجرينلاند، تبدو أكبر بكثير مما هي عليه في الواقع، بينما تبدو المناطق القريبة من خط الاستواء، وعلى رأسها أفريقيا، أصغر نسبيًا. المثال الأشهر الذي يتم الاستشهاد به دائماً لفهم المشكلة كلها هي جرينلاند، التي  تبدو على الخريطة التقليدية قريبة في حجمها من أفريقيا، بينما الحقيقة أن مساحة أفريقيا تبلغ نحو أربعة عشر مرة مساحة جرينلاند. إذن نحن لا نتحدث عن فرق صغير يمكن تجاهله، وإنما عن صورة بصرية مختلفة جدًا للعالم.

لهذا جاء التحرك الذي قادته دول أفريقية، وسانده الاتحاد الأفريقي، من أجل تشجيع استخدام خرائط متساوية المساحة، ومن بينها إسقاط يعرف باسم إسقاط الأرض المتساوية  Equal Earth Projection، وقد أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 هذا الاتجاه بأغلبية ساحقة. الخريطة الجديدة المقترحة لا تجعل أفريقيا أكبر مما هي عليه، كما قد يتصور البعض، وإنما تجعلها أقرب إلى حجمها النسبي الحقيقي مقارنة بالقارات الأخرى. لن تختفي أوروبا ولن تصبح كندا دولة صغيرة، ولن تتقلص جرينلاند في الواقع، الذي سيتغير فقط هو الصورة التي نراها أمامنا.

أنا مع هذا التغيير. لست مع الخريطة الجديدة لأنني أفريقي فقط، ولا لأنني أرى ضرورة استبدال مركزية أوروبية بمركزية أفريقية، لكن المسألة في رأيي أبسط من ذلك: عندما نعرض خريطة للعالم بهدف التعليم أو الثقافة العامة، فمن الأفضل أن تعطي الإنسان تصورًا صحيحًا قدر الإمكان عن الأحجام النسبية للأماكن التي يعيش فيها البشر، فالخريطة ليست مجرد خطوط وألوان، نحن نتعلم منها العالم قبل أن نزوره، وربما لا نزور معظم أجزائه طوال حياتنا. الطفل الذي ينظر إلى خريطة معلقة على جدار الفصل الدراسي لا يعرف شيئًا عن "الإسقاطات الجغرافية." هو يرى ببساطة أن هذه القارة ضخمة وتلك صغيرة، وأن هذه الدولة أكبر من تلك، ومع تكرار الصورة آلاف المرات تصبح جزءًا من تصوره للعالم، وهنا تكتسب المسألة بعدًا يتجاوز الجغرافيا.

أفريقيا ليست قارة هامشية صغيرة في جنوب العالم، إنها ثاني أكبر قارات العالم مساحة وسكانًا، وتبلغ مساحتها نحو 30 مليون كيلومتر مربع، وتضم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة، ويتزايد وزنها الديموغرافي بسرعة شديدة، وفي العقود المقبلة سوف تصبح أفريقيا موطنًا لنسبة متزايدة من سكان العالم وقوة العمل والشباب. من الغريب، إذن، أن نستمر في تعليم الأجيال صورة بصرية تجعل هذه الكتلة الجغرافية والديموغرافية الهائلة تبدو أصغر كثيرًا مما هي عليه مقارنة بمناطق أخرى.

لكن ينبغي أيضًا ألا نحول المسألة إلى معركة أيديولوجية مبسطة بين "خريطة استعمارية خاطئة" و«"خريطة جديدة صحيحة،" فهذا ليس دقيقًا علميًا، حيث لا توجد خريطة مسطحة كاملة. عندما نحول الكرة الأرضية إلى سطح مستوٍ، سنضطر دائمًا إلى التضحية بشيء: إما المساحة أو الشكل أو الاتجاه أو المسافة. خريطة مركاتور ممتازة لبعض الاستخدامات، لكنها ليست مناسبة إذا كان هدفنا مقارنة أحجام الدول والقارات، والخريطة الجديدة تحافظ بصورة أفضل على المساحات النسبية، لكنها بدورها لا تستطيع الحفاظ بصورة كاملة على كل شيء آخر. إذن المسألة ليست إلغاء مركاتور من التاريخ، ولا اتهام الرجل الذي رسمها منذ أكثر من أربعة قرون بالتآمر على أفريقيا، المسألة هي أن نستخدم الخريطة المناسبة للغرض المناسب.

إذا كنت أبحر في المحيط في القرن السادس عشر، فقد أحتاج إلى مركاتور، أما إذا كنت طفلًا في مدرسة في القاهرة أو لاجوس أو لندن أو نيويورك في القرن الحادي والعشرين وأريد أن أعرف كيف يبدو العالم وأحجام أجزائه مقارنة ببعضها، فمن المنطقي أن أرى خريطة تحافظ قدر الإمكان على النسب الحقيقية للمساحات. ربما تكون هذه هي القيمة الحقيقية للنقاش الذي دار في الأمم المتحدة، لقد ذكرنا بشيء نادرًا ما نفكر فيه: حتى أكثر الأشياء التي نعتبرها بديهية قد تكون مجرد طريقة اعتدنا أن نرى بها العالم. لقد حفظنا شكل خريطة العالم منذ طفولتنا حتى أصبح يبدو لنا طبيعيًا ونهائيًا، لكن العالم الحقيقي لم يكن يومًا مطابقًا تمامًا لتلك الصورة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية


المزيد.....




- الحرس الثوري يعلن استهداف 3 ناقلات نفط مخالفة بمضيق هرمز
- تبادل الهجمات بين إيران والولايات المتحدة يستهدف سفناً ويهدد ...
- -كلام فارغ-.. موسكو تعلق على الدعوات الأوروبية للسلام والحوا ...
- مصرع طفلين وإصابة بالغين في حادث تحطم طائرة خاصة في ولاية كا ...
- واشنطن ترصد 150 ألف دولار لضبط تركي متهم بإدخال قطع عسكرية م ...
- مباشر: ضربات أمريكية على ناقلات إيرانية ورد من الحرس الثوري ...
- بوتين يصف محادثات السلام مع مبعوثي ترامب بـأنها -مفيدة للغاي ...
- عراقجي يبحث مع نظيريه السعودي والتركي الاستقرار الإقليمي وأم ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مهاجمة زورق أمريكي مسير
- الدفاع الروسية: تزايد استخدام جنود أوكرانيين رموز QR للتواصل ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي