أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أيمن زهري - عودة العشوائيات















المزيد.....

عودة العشوائيات


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 22:16
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


يستحق الرئيس عبد الفتاح السيسي الشكر على الجهد الكبير الذي بذلته الدولة في إزالة العشوائيات التاريخية والمناطق غير الآمنة، ونقل آلاف الأسر إلى مساكن آدمية في الأسمرات وبشاير الخير وروضة السيدة وغيرها، إلى جانب إنشاء المدن الجديدة وشبكات الطرق والكباري التي غيرت وجه العمران المصري، وربطت مناطق كانت معزولة، وفتحت مساحات شاسعة للتوسع خارج الوادي الضيق. يصعب على أي منصف إنكار حجم ما تحقق، خصوصًا إذا تذكرنا الحالة التي كانت عليها مناطق مثل الدويقة وتل العقارب وغيط العنب قبل سنوات قليلة.

غير أن الخطر الذي يواجه المدن المصرية اليوم لا يتمثل في عودة العشوائيات القديمة بصورتها التقليدية، وإنما في ظهور نوع جديد من العشوائية يتسلل تدريجيًا إلى الشوارع والميادين والمناطق التي أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على تطويرها. عشوائية لا تبدأ ببناء غرفة من الطوب فوق أرض زراعية، بل تبدأ بإزالة شجرة، ثم الاستيلاء على جزء من الرصيف، ثم إقامة كشك، ثم تحويل مساحة عامة إلى موقف عشوائي أو سوق مؤقت سرعان ما يصبح دائمًا.

تتعرض الأشجار والمساحات الخضراء في مناطق عديدة للإزالة دون تعويض حقيقي، بينما تتم زراعة الأكشاك ومحطات البنزين والمحال والمنشآت التجارية في كل مساحة خالية تقريبًا، حتى أصبح من الصعب أحيانًا العثور على مكان عام لا يخضع لمنطق الاستثمار والعائد. المدينة التي تخلو من الأشجار والمقاعد والأرصفة الواسعة، وتمتلئ في المقابل بالأسوار والإعلانات والأكشاك ومحطات الوقود، لا تصبح أكثر حداثة، وإنما تفقد تدريجيًا قدرتها على توفير الحد الأدنى من الراحة والصحة والكرامة لسكانها.

تمثل المحال التجارية صورة يومية صارخة لهذه العشوائية، فقد أفرغ كثير منها كامل بضاعته في الشارع، حتى يبدو أحيانًا أن حيازة المحل لم تكن إلا وسيلة لاستخراج الترخيص، بينما انتقل النشاط التجاري الفعلي إلى الرصيف وعرض الطريق. تتراكم أمام المحال الصناديق والكراتين والثلاجات وحوامل الملابس والبضائع، وتتحول الأرصفة التي يفترض أن تكون للمشاة إلى امتداد مجاني للمساحة التجارية، فيضطر المواطن إلى السير وسط السيارات، دون أن يجد من يسأل صاحب المحل أين تنتهي ملكيته وأين يبدأ حق الناس في الشارع.

لا تكتفي الأكشاك بدورها بمساحاتها المرخصة، بل تتمدد تدريجيًا حتى يتجاوز بعضها حجم محال تجارية كاملة، وتحيط بها الثلاجات وحوامل البضائع وكراتين أربعين نوعًا من الشيبسي، فيتحول الكشك الصغير إلى محل كبير يحتل الرصيف وجزءًا من الطريق. يبدأ الأمر بمتر أو مترين، ثم يصبح وضعًا قائمًا يصعب الاقتراب منه، وكأن الترخيص لا يحدد مساحة النشاط وإنما يمنح صاحبه حقًا مفتوحًا في التوسع داخل المجال العام.

تأتي فوضى الإعلانات باعتبارها وجهًا آخر لهذا التشويه العمراني، فلم تعد اللوحات الضخمة تقتصر على المحاور التجارية والطرق السريعة، بل امتدت إلى الأحياء السكنية الهادئة والمناطق المنعزلة التي اختارها سكانها بحثًا عن قدر معقول من الخصوصية والراحة البصرية. أصبحت واجهات المباني والأسوار والجزر الوسطى وأعمدة الإنارة، وأحيانًا الأشجار نفسها، مساحات متاحة لتعليق الإعلانات واللافتات دون اعتبار لطبيعة المكان أو حق السكان في بيئة لا تلاحقهم فيها الدعاية التجارية.

لا تبدو المشكلة في وجود الإعلان باعتباره نشاطًا مشروعًا، وإنما في غياب التخطيط والحدود والذوق العام، وفي التعامل مع المجال البصري للمدينة بوصفه موردًا آخر يمكن بيعه لمن يدفع. تتجاور لوحات ضخمة مختلفة الألوان والأحجام، وتحجب واجهات المباني والرؤية عند بعض التقاطعات، وتحوّل المناطق السكنية إلى امتداد للأسواق التجارية، بينما تنتشر الشاشات المضيئة التي تقتحم خصوصية الناس ليلًا وتفرض حضورها على السكان دون موافقتهم. المواطن يدفع ثمن السكن في منطقة هادئة أو بعيدة، ثم يكتشف أن الهدوء نفسه أصبح قابلًا للبيع من خلال ترخيص إعلان أو شاشة مضيئة أو لافتة عملاقة.

تتحمل المحليات جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن هذه الظاهرة، فقد أصبحت عاجزة أو متخاذلة في التعامل مع أبسط مظاهر الفوضى اليومية، من احتلال الأرصفة وإلقاء المخلفات وتراكم أكوام القمامة، إلى انتشار الأسواق العشوائية والمواقف غير الرسمية والتعديات التي تبدأ صغيرة ثم تتحول، بفعل الصمت والتجاهل، إلى أوضاع يصعب تغييرها. المواطن يرى المخالفة وهي تبدأ أمامه، ثم يراها تكبر يومًا بعد يوم، بينما لا تتحرك الجهة المسؤولة إلا بعد شكوى متكررة أو حملة إعلامية أو توجيه يصدر من مستوى أعلى، ثم تعود المخالفة بعد أيام، وأحياناً بعد ساعاتِ قليلة.

يبدو التناقض أكثر وضوحًا في إدارة المرور، إذ توسعت الدولة في الاعتماد على الضبط الإلكتروني وتسجيل مخالفات السرعة وتجاوز الإشارات بواسطة الكاميرات والرادارات، وهو توجه ضروري، لكن هذا الانضباط الإلكتروني لا يقابله انضباط مماثل في الشارع. تستطيع الكاميرا تسجيل مخالفة على سيارة تجاوزت السرعة ببضعة كيلومترات، بينما تمر أمامها عربات متهالكة بلا اشتراطات أمان، وتنتشر التكاتك في شوارع رئيسية، وتسير مركبات دون لوحات واضحة، وتتوقف سيارات الأجرة والميكروباصات في منتصف الطريق ومطالع الكباري، الجديدة والقديمة، لتحميل الركاب دون تدخل جاد.

تضاف إلى ذلك فوضى حجز أماكن الانتظار، حيث تنتشر المتاريس والبلوكات الخرسانية والسلاسل والبراميل والمقاعد القديمة أمام العقارات والمحال، ويقرر كل شخص من تلقاء نفسه أن جزءًا من الشارع أصبح ملكية خاصة لا يجوز لغيره الانتظار فيه. يتقلص نهر الطريق، وتتعطل الحركة، وتنشأ المشاجرات بين السكان وقائدي السيارات، بينما تقف المحليات موقف المتفرج أمام استيلاء واضح ومتكرر على مساحة عامة لا يملك أحد حق احتجازها.

فاقم الأزمة تخلي بعض المحليات عمليًا عن إدارة أماكن الانتظار وتأجيرها لشركات خاصة، دون وجود ضوابط واضحة تكفل أسعارًا معقولة وخدمة حقيقية في المقابل. ارتفعت أسعار الجراجات والانتظار بصورة مبالغ فيها، فأصبح المواطن يدفع مبالغاً كبيرة لاستخدام مساحة عامة أو جراج لم تُضف إليه بالضرورة خدمة تبرر هذه التكلفة، بينما يظل الشارع المحيط غارقًا في الفوضى والمتاريس والاستيلاء غير القانوني على الأماكن. الخصخصة هنا لم تؤد دائمًا إلى إدارة أفضل، بل تحولت في حالات كثيرة إلى مجرد وسيلة جديدة للتحصيل.

لا يمكن اختزال الانضباط في تحصيل المخالفات أو رسوم الانتظار، فالشارع المنضبط ليس الشارع الذي يجمع أكبر قدر من الغرامات والإيرادات، وإنما الشارع الذي يستطيع المواطن السير فيه بأمان، ويجد فيه رصيفًا لا تحتله المحال التجارية، وطريقًا لا تسير عليه مركبات متهالكة، وأماكن انتظار متاحة بأسعار معقولة، ونظامًا واضحًا لحركة التكاتك والميكروباصات، وخدمة منتظمة لجمع القمامة، ومساحات خضراء لا تتم إزالتها كلما ظهرت فرصة لإقامة مشروع تجاري جديد.

المشكلة أن بعض الأجهزة تتعامل مع الفضاء العام باعتباره أرضًا بلا صاحب، مع أن الشارع والرصيف والحديقة والشجرة ومكان الانتظار وحتى المشهد البصري للمدينة ملك للمواطنين جميعًا. إن العائد المالي الذي يحققه كشك أو محطة بنزين أو لوحة إعلانية أو شركة لإدارة الجراجات لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد لاتخاذ القرار، لأن فقدان المساحات المفتوحة وتزايد التلوث والازدحام والتشوه البصري تترتب عليه تكاليف اجتماعية وصحية وسلوكية وبيئية أكبر كثيرًا من الإيراد المباشر الذي تحصل عليه جهة محلية.

إن إزالة العشوائيات التاريخية كانت إنجازًا مهمًا، لكن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب منع إنتاج عشوائيات جديدة تحت مسميات مختلفة. إن بناء مدينة حديثة لا يكتمل بالطرق والكباري والمباني وحدها، وإنما يحتاج إلى إدارة يومية جادة، ومحليات متواجدة في الشارع، وقواعد واضحة لحماية الأشجار والمساحات العامة، وضوابط صارمة للإعلانات، ورقابة على تخصيص الأراضي، ومنع تمدد المحال والأكشاك خارج حدودها، وإزالة متاريس حجز الانتظار، ومراجعة أسعار الجراجات، وتطبيق القانون على جميع المركبات والمخالفات بدلًا من التركيز على المخالفات الأسهل في الرصد والتحصيل.

الخوف الحقيقي ليس من عودة الدويقة أو تل العقارب بالصورة القديمة، بل من أن تتحول المدن القائمة والجديدة نفسها، مع الوقت، إلى تجمعات مزدحمة بالأكشاك المتمددة ومحطات البنزين والأسواق العشوائية والمركبات المتهالكة وأكوام القمامة والمتاريس وغابات الإعلانات، بينما تتراجع الأشجار والأرصفة والمساحات التي تمنح المدينة روحها. ما بنته الدولة بتكلفة هائلة يحتاج اليوم إلى من يحميه، لأن العشوائية تبدأ بتنازل صغير، ثم تصبح واقعًا، ثم تتحول بعد سنوات إلى مشكلة قومية جديدة ندفع جميعًا ثمن إزالتها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...
- لماذا لا يحب المصريون السيارات الكهربائية؟


المزيد.....




- لماذا استهدفت واشنطن بنك مصر في الإمارات؟.. قصة الـ1.8 مليار ...
- بودانوف: الأول من أكتوبر -نقطة اللاعودة- لصادرات أوكرانيا ال ...
- إيرباص تعيد ترتيب أعمالها الفضائية وتدرس بيع أنشطتها الأمريك ...
- بنك مصر يعتزم التواصل مع الخزانة الأمريكية بشأن فرعه في الإم ...
- من -بارميزان- إلى -فيتا-.. كيف أشعلت أسماء الأجبان خلافا تجا ...
- العراق: احتياطيات النقد الأجنبي بمستوى آمن عند 79.2 مليار دو ...
- أزمة -هروب- المصارعين المصريين: الشامي يعتذر ويكشف دوافع اقت ...
- أكبر 10 دول تصدر وتستهلك البطاريات الكهربائية.. ماذا عن العر ...
- -ليس من إسبانيا أو سان جيرمان-.. مورينيو يكشف مرشحه للكرة ال ...
- واشنطن تلاحق شرايين إيران المالية خارج حدودها


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أيمن زهري - عودة العشوائيات