أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟















المزيد.....

هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 14:06
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


ظل السؤال السكاني طوال قرنين تقريبًا يدور حول قدرة الأرض على إطعام البشر: هل تكفي المياه والأراضي الزراعية والطاقة لهذا العدد المتزايد؟ غير أن سؤالًا آخر بدأ يفرض نفسه اليوم، وربما يكون أكثر قسوة: هل ما زال الاقتصاد نفسه يحتاج إلى كل هؤلاء البشر؟

لا يتعلق الأمر هذه المرة بنفاد الطعام أو ضيق المكان، ولا بالفكرة التقليدية التي ترى أن زيادة السكان تتحول إلى قوة إذا حصل الناس على التعليم والتدريب. المشكلة أن التعليم لم يعد يضمن لصاحبه موقعًا داخل الاقتصاد، وأن الكفاءة، التي اعتدنا اعتبارها المورد النادر، قد تصبح هي الأخرى أكثر من المطلوب. تخرّج الجامعات أعدادًا متزايدة من الأطباء والمهندسين والمبرمجين والباحثين، لكن عدد الوظائف الجيدة لا ينمو بالسرعة نفسها، بل إن قطاعات كاملة أصبحت قادرة على زيادة إنتاجها دون زيادة مماثلة في عدد العاملين.

كان الرد المعتاد على القلق من الزيادة السكانية بسيطًا ومطمئنًا: البشر ليسوا مجرد أفواه تستهلك، بل عقول وأيدي منتجة، وكلما ارتفع مستوى التعليم زادت قدرة المجتمع على تحويل العدد إلى ثروة. هذه المقولة صحيحة إلى حد بعيد، لكنها تفترض ضمنًا أن الاقتصاد سيظل قادرًا على استيعاب كل من يتعلم، وأن ظهور مهن جديدة سيعوض دائمًا اختفاء المهن القديمة، وأن كل كفاءة جديدة ستجد حاجة تقابلها، إلا أنه لا يوجد ما يضمن استمرار هذه المعادلة إلى ما لا نهاية.

أصبح العمل عن بُعد يسمح للمؤسسة بأن تختار موظفيها من سوق عالمية، بعدما كانت مضطرة إلى الاختيار من المتاحين داخل المدينة أو الدولة. يبدو ذلك للوهلة الأولى توسيعاً للفرص، وهو كذلك لبعض الناس، لكنه يعني أيضًا أن خريجًا في القاهرة لم يعد ينافس زملاءه المصريين وحدهم، بل قد ينافس آلاف المتقدمين من دول عديدة على الوظيفة نفسها. توسعت السوق أمام الفرد، لكن المنافسة توسعت أكثر، وأصبحت الشركات قادرة على الوصول إلى أفضل كفاءة أو أقلها تكلفة دون أن تخلق عددًا مماثلًا من الوظائف في كل بلد.

كنت قد كتبت منذ فترة عن الذكاء الاصطناعي وانتهيت إلى أنه لا يقلل الطلب على العمالة الماهرة لكنه يدفع المجتمع لمهن ووظائف جديدة، إلا أنه من الإنصاف الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي يؤثر في تركيبة المهن والمهارات المطلوبة في سوق العمل، فهو لا يلغي المهن دفعة واحدة، لكنه يسمح للعامل الواحد بإنجاز قدر أكبر من العمل (يرفع الإنتاجية)، ويقلل الحاجة إلى المستويات المبتدئة وإلى كثير من المهام الروتينية التي كانت تمثل بوابة الدخول إلى المهنة، فمثلاً يستطيع فريق صغير، مدعوم بأدوات ذكية، أن يؤدي عمل فريق أكبر في البرمجة والترجمة والتصميم والتحليل وإعداد التقارير وخدمة العملاء. سوف تظهر وظائف جديدة بالتأكيد، لكن السؤال الذي لا تجيب عنه العبارات المتفائلة هو: هل ستظهر بأعداد تكفي لتعويض الوظائف التي ستختفي أو تتقلص، وهل سيتمكن معظم العاملين من الانتقال إليها؟

تقدم علوم الحاسب مثالًا دالًا على هذا التسارع، حيث تم تقديم هذه العلوم لسنوات باعتبارها الطريق الأكثر أمانًا إلى المستقبل، فتوسعت الجامعات والمعاهد والدورات التدريبية في تخريج المبرمجين، ثم أصبح الخريج المبتدئ يواجه عددًا هائلًا من المنافسين وأدوات تستطيع كتابة أجزاء متزايدة من أعمال البرمجة. لن تختفي البرمجة بالتأكيد، وسيظل الطلب قويًا على أصحاب الخبرة العالية والتخصصات الدقيقة، لكن بقاء الطلب على نخبة من المتخصصين لا يعني أن المجال قادر على استيعاب كل من اندفعوا إليه، حتى الطب لا يخرج تمامًا من هذه المفارقة مع اندفاع أعداد كبيرة لدراسة العلوم الطبية.

توجد في الجانب الآخر من العالم أعداد كبيرة من الأطفال الذين لا يحصلون على تغذية مناسبة أو تعليم حقيقي أو رعاية صحية كافية. كان يمكن النظر إلى ذلك بوصفه إهدارًا لكفاءات محتملة، لكن المفارقة الأشد أن الاستثمار الكامل في هؤلاء جميعًا، وهو حق لهم بلا شك، لا يضمن أن يجد الاقتصاد وظائف تناسبهم عندما يكبرون. تبدو المفارقة في أن العالم يحرم الملايين من فرصة تكوين قدراتهم، ثم يعجز عن تشغيل أعداد كبيرة من الذين نجحوا بالفعل في تكوينها.

لا يعني ذلك أن البشر أصبحوا زائدين بالمعنى الإنساني، أو أن حياة العاطل أقل قيمة من حياة العامل، وإنما يعني أن النظام القائم على ربط الدخل والاستحقاق الاجتماعي بالحصول على وظيفة يواجه تناقضًا متزايدًا. لقد ارتفعت قدرة الاقتصاد على الإنتاج بأعداد أقل من العاملين، لكن حق الإنسان في الدخل والسكن والعلاج ما زال مرتبطًا بقدرته على بيع عمله. قد يقال إن التكنولوجيا أزالت وظائف في كل عصر ثم خلقت وظائف أخرى، وهذا صحيح تاريخيًا، لكنه لا يكفي وحده للاطمئنان إلى المستقبل؛ فالتحولات السابقة لا تمثل قانونًا طبيعيًا يضمن أن يكون عدد الوظائف الجديدة مساويًا دائمًا للقديم، ولا أن تظهر في الأماكن نفسها، أو تحتاج إلى المهارات نفسها، أو تمنح الأجور نفسها. يستطيع الاقتصاد أن ينمو، وترتفع أرباح الشركات، وتزداد الإنتاجية، بينما تتراجع حصة العمل أو يتركز الطلب في نسبة محدودة من أصحاب المهارات الأعلى.

السؤال إذن ليس ما إذا كان العالم قادرًا على إنتاج ما يكفي سكانه فقط، بل ما إذا كان سيعيد تنظيم توزيع الدخل والعمل عندما يصبح إنتاج ما نحتاج إليه ممكنًا بجهد بشري أقل. قد نحتاج إلى تقليل ساعات العمل، وتقاسم الوظائف المتاحة، وتوسيع الخدمات العامة، وفصل بعض الحقوق الأساسية عن الوظيفة، وإعادة النظر في معنى العمل المنتج نفسه، بما يشمل الرعاية المنزلية والتطوع وأعمال المجتمع التي يحتاج إليها الناس ولا يعترف بها السوق بالقدر الكافي.

ربما أصبح البشر بالفعل أكثر من حاجة الاقتصاد بصورته الحالية، لكنهم ليسوا أكثر من حاجة المجتمع، ولا أكثر مما تحتمله الحياة. الاقتصاد أداة أنشأها البشر لتنظيم إنتاج احتياجاتهم وتوزيعها، وليس كائنًا أعلى يقرر من يستحق البقاء ومن أصبح زائدًا. إذا استطاعت التكنولوجيا أن توفر احتياجاتنا بعمل أقل، فينبغي أن يكون ذلك تحريرًا للإنسان من جانب من المشقة، لا حكمًا على ملايين البشر بأنهم فائضون عن الحاجة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية
- أسماء المواليد مرآة للمجتمع: ماذا يخبرنا اسم “محمد” في إنجلت ...
- خمس رسائل في اليوم العالمي للسكان
- اليوم العالمي للسكان ... في عالم ما بعد القنبلة السكانية
- الدوائر السبعة للهوية المصرية: محاولة لإعادة التفكير في سؤال ...


المزيد.....




- تركيا تستضيف الاثنين أول اجتماع لتنفيذ اتفاقية مكة للدفاع ال ...
- انقلاب عبّارة تركية قبالة سواحل قبرص تقل نحو 300 شخص
- خامنئي يخاطب دول الخليج... ماذا نعرف عنه بعد ستة أشهر من إصا ...
- حرب بلا هوادة ـ مخاطر مواجهة ترامب لـ-الجنائية الدولية-
- ليبيا.. التوقيع النهائي على اتفاق 4+4 في طرابلس
- العراق.. الحكم بالسجن 7 سنوات على وكيل وزارة النفط لشؤون الت ...
- ليبيا.. المجلس الرئاسي يسمي رئيسا وأعضاء جددا لمفوضية الانتخ ...
- ليبيا.. حفتر يرحب بالتوقيع النهائي على اتفاق 4+4 في طرابلس
- فرع القومي للطفولة والأمومة بقنا ينفذ برنامجًا لتنمية مهارات ...
- البنك الأهلي يتوجه إلى الإسكندرية استعداداً لبترول أسيوط فى ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟