أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا ينجب الفقراء أكثر؟ الحسابات الاقتصادية للإنجاب














المزيد.....

لماذا ينجب الفقراء أكثر؟ الحسابات الاقتصادية للإنجاب


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 14:06
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


قد يبدو الأمر مخالفاً للمنطق، حيث نجد أن أسرة محدودة الدخل قد تنجب أربعة أطفال أو خمسة، بينما تكتفي أسرة ميسورة الحال بطفل أو طفلين. إذا كان المال يساعد على تربية الأطفال، فلماذا لا يكون الأغنياء أكثر إنجاباً؟ الإجابة أن قرار الإنجاب لا يتوقف على مقدار المال الذي تملكه الأسرة وحده، وإنما يرتبط أيضاً بتكلفة تربية الطفل، والحياة التي تريد أسرته توفيرها له، والدور الذي تتوقع أن يؤديه داخل الأسرة عندما يكبر.

للإنجاب جوانب عاطفية واجتماعية وثقافية لا يمكن اختزالها في حسابات مالية بالتأكيد، لكن الرغبة في الأطفال لا تنشأ بعيداً عن ظروف الحياة. قد يرغب الزوجان في أسرة كبيرة، ثم يكتفيان بطفلين لأن المسكن لا يتسع، أو لأن التعليم أصبح مكلفاً، أو لأنهما لا يجدان الوقت الكافي لرعاية الأطفال. لا يجلس الناس بالضرورة أمام آلة حاسبة قبل التفكير في مولود جديد، لكن هذه الحسابات حاضرة في أحاديثهم ومخاوفهم وخططهم.

يعود التأصيل الاقتصادي الحديث للإنجاب إلى أعمال غاري بيكر منذ عام 1960، ثم تطويره مع غريغ لويس لفكرة المفاضلة بين عدد الأطفال وحجم الاستثمار في تربيتهم. الفكرة ببساطة أن الأسرة قد تختار إنجاب أطفال أقل، مع توفير تعليم وصحة ورعاية أفضل لكل طفل. لذلك فإن ارتفاع الدخل لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنجاب؛ فقد يؤدي إلى ارتفاع تطلعات الأسرة لأبنائها، ومن ثم زيادة تكلفة الطفل الجديد في حساباتها.

لنأخذ مثالاً من الحياة اليومية، أسرة تعتبر المدرسة الحكومية القريبة من المنزل اختياراً مناسباً، وأخرى ترى أن مستقبل طفلها يتطلب مدرسة خاصة، وإجادة لغة أجنبية، وممارسة رياضة، وربما الدراسة في جامعة مرتفعة المصروفات. تختلف تكلفة الطفل بين الأسرتين، حتى لو تشابهت احتياجاته الأساسية، وحين تفكر الأسرة الثانية في مولود إضافي، فإنها تتخيل سلسلة من الالتزامات قد تمتد لأكثر من عشرين عاماً.

لهذا قد تكون تكلفة الطفل لدى الأسرة الغنية أعلى من تكلفته لدى الأسرة الفقيرة، من حيث المبلغ الذي تنفقه عليه، لكن ذلك لا يعني أن العبء أخف على الفقراء، إذ إن مبلغاً صغيراً من المال قد يستنزف جزءاً كبيراً من دخل أسرة محدودة الموارد، بينما تستطيع أسرة ميسورة تحمّل مبلغ أكبر. الاختلاف هنا في حجم الإنفاق ونمطه، وليس في قيمة الأطفال أو مقدار محبة أهلهم لهم.

في بعض البيئات الزراعية والمشروعات العائلية الصغيرة، قد يُنظر إلى الأبناء أيضاً باعتبارهم مساعدين في العمل، ثم داعمين للأسرة عندما يكبرون. فالابن الذي يشارك في زراعة الأرض أو إدارة مصدر دخل العائلة يمكن أن يضيف إلى مواردها، وقد أشار التحليل الاقتصادي المبكر للإنجاب إلى أن مساهمة الأبناء في العمل يمكن أن تخفّض صافي تكلفتهم على الأسرة. هذا لا يعني أن كل أسرة فقيرة تنجب لتشغيل أطفالها، ولا أن مساهمتهم قد تعوّض بالضرورة تكلفة تربيتهم، لكنه يساعد على فهم اختلاف الحسابات بين البيئات الاجتماعية المختلفة.

تتصل بذلك أهمية الأبناء باعتبارهم نوعاً من الضمان الاجتماعي، إذ إنه عندما لا تتوافر معاشات كافية أو تغطية صحية مناسبة أو خدمات لرعاية كبار السن بصورة كاملة من خلال مؤسسات الدولة، يزداد اعتماد الوالدين على أبنائهم في مواجهة المرض والعجز والشيخوخة، وقد تعني الأسرة الكبيرة، في نظرهما، توزيع مسؤولية المساندة بين أكثر من ابن وابنة، وزيادة احتمال وجود من يستطيع المساعدة وقت الحاجة. هكذا قد تختلط الرغبة في الأطفال بالحاجة إلى الأمان، ويصبح الأبناء سنداً متوقعاً للمستقبل، إلى جانب مكانتهم العاطفية.

لكن العالم تغير، وتغير معه موقع الطفل داخل الأسرة، وامتدت سنوات الدراسة، وأصبحت وظائف كثيرة تحتاج لتأهيل أطول، ما يسهم في تأخر الاستقلال الاقتصادي للأبناء، حيث أصبح من المعتاد أن يستمر دعم الأسرة بعد التخرج، وأحياناً حتى الزواج وما بعده. طالت المسافة بين ميلاد الطفل وقدرته على إعالة نفسه، وتراجعت في كثير من البيئات مساهمته الاقتصادية المبكرة، وأصبح الطفل الذي كان يُنتظر منه أن يساعد بعد سنوات قليلة يحتاج لسنوات طويلة من الإعداد قبل أن يبدأ حياته المستقلة.

تدخل في هذه الحسابات أيضاً تكلفة الوقت، فرعاية الأطفال تحتاج إلى حضور ومتابعة، وليس إلى مال فقط. مع اتساع فرص المرأة في التعليم والعمل وارتفاع مكانتها، أصبحت قرارات الإنجاب ترتبط كذلك بطموحاتها وقدرتها على الجمع بين مسؤوليات متعددة. عندما تتوافر خدمات رعاية مناسبة ويتقاسم الزوجان مسؤولية الأطفال، تصبح المواءمة بين العمل والإنجاب أيسر.

في مصر، تشير البيانات الرسمية إلى انخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى نحو 2,34 طفل لكل امرأة في عام 2025، مقارنة بنحو 2,54 في عام 2023. يمكن فهم جانب من هذا الاتجاه في ضوء تغير حسابات الأسر المتعلقة بالسكن والتعليم والعلاج والرعاية، ما قد يدفع نحو تأجيل مولود جديد أو الاكتفاء بعدد أقل. يتداخل ذلك مع تعليم المرأة ومشاركتها في اتخاذ القرار، وتوافر خدمات تنظيم الأسرة.

رغم كل ذلك يمكن القول إن العلاقة بين الفقر والإنجاب ليست قانوناً ثابتاً، فهناك أسر فقيرة تكتفي بطفل أو طفلين، وأسر غنية ترغب في عدد أكبر، حيث تؤثر العادات والتقاليد والرغبات الشخصية وإمكانية تنظيم الحمل في قرار الإنجاب، إلى جانب الظروف الاقتصادية. لذلك فإن تفسير الإنجاب بالفقر وحده، أو بالوعي وحده، يختزل حياة الناس أكثر مما يفسرها.

ربما يكون التحول الأهم هو تغير السؤال الذي تطرحه الأسرة على نفسها، كان السؤال في بيئات كثيرة: كم ابناً سيكون لنا، ومن سيساعدنا عندما نكبر؟ أصبح السؤال لدى أسر عديدة: أي حياة نستطيع توفيرها لأبنائنا، وإلى متى سنظل مسؤولين عن إعالتهم؟ بين السؤالين تظهر مساحة واسعة من التحول في النظرة للإنجاب، فالأطفال يظلون مصدراً للمحبة والمعنى، لكن ظروف الحياة التي تستقبلهم فيها الأسر تتغير، وتتغير معها قراراتها.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنامالية والوطن والمجتمع
- القاهرة التي اتسعت أكثر من قدرتنا على الحركة
- هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاج ...
- زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة


المزيد.....




- هايدي كلوم ولو صامويل.. تناغم الموضة بين الأم وابنتها في بار ...
- رحلة -فلاي دبي- إلى تل أبيب.. كيف فشلت إسرائيل في رصد الخطر ...
- ماذا تفعل عندما يُطرَح عليك هذا السؤال في مقابلة العمل؟
- التصعيد مستمر في الشرق الأوسط.. واشنطن تعزز وجودها في المنطق ...
- اجتماع عاجل لـ-تحالف مكة-.. التفاوض مع الحوثيين أم التحرك ال ...
- الشرطة الإسبانية تجلي أكثر من 3000 مهاجر من مخيم على شاطئ سب ...
- فيضانات تغمر الشوارع والطرق في أنحاء كتالونيا بأكملها
- إنذار استخباراتي عاجل.. واشنطن تسحب 12 قاذفة -بي-1- من بريطا ...
- كلاب وسلحفاة وحلزون يتلقون البركات في كنائس مانيلا وسانتياغو ...
- الانتخابات الرئاسية في البرازيل.. بولسونارو يتصدر النتائج و ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - لماذا ينجب الفقراء أكثر؟ الحسابات الاقتصادية للإنجاب