أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاجة إلى المهاجرين والخوف منهم















المزيد.....

هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاجة إلى المهاجرين والخوف منهم


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 16:12
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


لا تختفي القارات، لكن المجتمعات تتغير. أوروبا التي عرفناها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بقوتها الاقتصادية واتساع طبقتها الوسطى ودولة الرفاه فيها وتوازنها النسبي بين الأجيال، قد لا تبقى على صورتها الحالية حتى نهاية هذا القرن. لا يرجع ذلك إلى الغزو أو الحروب أو تبدل الحدود، وإنما إلى عملية ديموغرافية بطيئة وعميقة: عدد أقل من المواليد، وعدد أكبر من كبار السن، وتراجع متواصل في حجم السكان في عدد كبير من الدول. في مواجهة هذا التحول، تبدو الهجرة حلًا لا غنى عنه، لكنها أصبحت في الوقت نفسه واحدة من أكثر القضايا إثارة للخوف والانقسام السياسي.

تكشف إسقاطات EUROPOP2025 أن عدد سكان الاتحاد الأوروبي قد ينخفض من نحو 452 مليون نسمة في بداية عام 2025 إلى أقل من 399 مليونًا عام 2100، أي بتراجع يقارب 53 مليون نسمة. يحدث ذلك رغم افتراض صافي هجرة تراكمي يبلغ نحو 104 ملايين مهاجر حتى نهاية القرن. يرجع السبب إلى أن الزيادة الطبيعية ستكون سالبة بصورة حادة، إذ يُتوقع أن يزيد عدد الوفيات على عدد المواليد بنحو 157 مليونًا خلال الفترة نفسها. بعبارة أخرى، لا تؤدي الهجرة إلى زيادة سكان الاتحاد الأوروبي، وإنما تحد فقط من سرعة تناقصهم. من دونها، كان يمكن للانكماش السكاني أن يصبح أكثر اتساعًا وقسوة.

لا تتوزع هذه التحولات بالتساوي بين دول الاتحاد. سوف تخسر إيطاليا نحو 14 مليونًا من سكانها، وتنخفض بولندا من نحو 37.5 مليون نسمة إلى 25.7 مليونًا، وتتراجع ألمانيا بنحو تسعة ملايين، ورومانيا بأكثر من أربعة ملايين، واليونان بأكثر من ثلاثة ملايين. تواجه فرنسا والبرتغال والمجر وكرواتيا وسلوفاكيا وفنلندا ودول البلطيق أيضًا درجات متفاوتة من الانكماش. في المقابل، تستطيع دول مثل إسبانيا وهولندا والسويد والدنمارك وأيرلندا الحفاظ على أعداد سكانها أو زيادتها، لكن ذلك لا يحدث نتيجة ارتفاع المواليد، بل لأن الهجرة تعوض العجز الطبيعي وتتجاوزه في بعض الحالات.

المشكلة إذن ليست مجرد انخفاض عددي يمكن التعامل معه بوصفه رقمًا في إحصاءات السكان، فالمجتمع الذي يتراجع فيه عدد المواليد لعقود طويلة يتغير تركيبه العمري كله، إذ تقل أعداد الداخلين إلى سوق العمل، بينما تزداد أعداد المتقاعدين الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية. تصبح مجموعة أصغر من العاملين مطالبة بتمويل معاشات وخدمات مجموعة أكبر من كبار السن. تتراجع أعداد الطلاب، وتُغلق بعض المدارس، وتفقد مدن وقرى صغيرة جزءًا من سكانها، بينما تعاني قطاعات الإنتاج والرعاية والنقل والزراعة والبناء من نقص متزايد في العمالة. لا تواجه أوروبا خطر الفراغ السكاني، لكنها تواجه خطر اختلال العلاقة بين من يعملون ومن يحتاجون إلى إعالتهم ورعايتهم.

هنا تظهر الهجرة باعتبارها ضرورة اقتصادية وديموغرافية، لا مجرد خيار إنساني أو سياسي. تحتاج الاقتصادات الأوروبية إلى الأطباء والممرضين والمهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا، لكنها تحتاج أيضًا إلى عمال الزراعة والبناء والنقل والمطاعم ورعاية الأطفال والمسنين والخدمات الأخرى. تعتمد قطاعات كاملة بالفعل على العمالة المهاجرة، ويصعب تصور استمرارها بالكفاءة نفسها من دون تدفقات هجرية جديدة. مع ذلك، تتجه السياسات الأوروبية في كثير من الأحيان إلى مزيد من التشدد، متأثرة بصعود اليمين المتطرف وتحول الهجرة إلى قضية انتخابية مرتبطة بالأمن والهوية والخوف من فقدان التماسك الاجتماعي.

تبدو المفارقة واضحة: الاقتصاد الأوروبي يطلب مزيدًا من العمال، بينما تطالب السياسة بإغلاق الأبواب. أرباب العمل يتحدثون عن الوظائف الشاغرة، في حين يتحدث المرشحون في الانتخابات عن الحدود والقوارب والترحيل. المؤسسات الاقتصادية تنظر إلى المهاجر باعتباره عاملًا ودافعًا للضرائب ومساهمًا في تمويل نظم المعاشات، بينما ينظر إليه الخطاب الشعبوي باعتباره منافسًا على الوظائف والسكن والخدمات العامة، أو على الأقل تهديدًا ثقافيًا وأمنيًا. إنها لعبة شد الحبل بين احتياجات الاقتصاد ومخاوف الناخبين، وبين الحسابات بعيدة المدى والمكاسب الانتخابية العاجلة.

لا ترفض الدول الأوروبية الهجرة كلها بطبيعة الحال، فما تريده هو هجرة منتقاة بدقة: مهاجر شاب، متعلم، ماهر، صحيح البدن، يصل بطريقة نظامية، ويشغل وظيفة يحتاجها الاقتصاد، ويندمج سريعًا، ويدفع الضرائب، ولا يحمّل نظم الرعاية الاجتماعية أعباء كبيرة. إنها تريد العامل دون أن تضطر بالضرورة إلى استقبال أسرته، والمهاجر الاقتصادي دون اللاجئ، وصاحب المهارة العالية دون العامل الفقير، والهجرة المؤقتة حين تحتاج إليها والهجرة القابلة للإيقاف حين تتغير احتياجات السوق.

غير أن الهجرة البشرية لا تعمل بهذه الصورة الميكانيكية، فالمهاجر ليس وحدة إنتاج يمكن استقدامها ثم إعادتها عند انتهاء الحاجة إليها، حيث أن للمهاجر أسرة وتطلعات وحقوق وروابط اجتماعية، وقد يرغب في الاستقرار ولمّ الشمل والحصول على المواطنة. لا تستطيع الدول أيضًا أن تجعل كل التدفقات السكانية خاضعة للاختيار الاقتصادي وحده، لأن جزءًا منها ينتج عن الحروب والاضطهاد والكوارث وانهيار الدول. يخضع قبول اللاجئين لالتزامات قانونية وحقوقية، وليس لمعيار احتياجات سوق العمل فقط. من هنا تتسع المسافة بين نموذج الهجرة الانتقائية الذي تفضله الحكومات والواقع الإنساني المعقد للهجرة واللجوء.

يطرح بعض صنّاع القرار والاقتصاديين، في مواجهة هذه المعضلة، بدائل تبدو أقل إثارة للجدل من فتح الأبواب أمام المهاجرين مثل الأتمتة والروبوتات حلًا لسد النقص في العمالة، أو نقل خطوط الإنتاج إلى دول ذات أيدي عاملة وفيرة وأقل تكلفة بدلًا من استقدام العمال أنفسهم. هناك بالفعل قطاعات، كالصناعة والخدمات اللوجستية، نجحت فيها الأتمتة في تعويض جزء من النقص، كما أن نقل الإنتاج ظاهرة قائمة منذ عقود، لكن هذين الحلين محدودا الأثر أمام حجم التحدي الديموغرافي، فالأتمتة صعبة أو مكلفة في قطاعات كاملة تعتمد على التلامس الإنساني المباشر، كالرعاية الصحية ورعاية المسنين والأطفال والزراعة والبناء والمطاعم، وهي بالتحديد القطاعات الأكثر احتياجًا إلى العمالة المهاجرة. أما نقل الإنتاج إلى الخارج فلا يحل مشكلة الخدمات التي لا يمكن تصديرها، ولا يوقف تراجع عدد دافعي الضرائب والمساهمين في تمويل نظم المعاشات والرعاية الصحية داخل أوروبا نفسها. تبقى هذه البدائل أدوات مكمّلة مفيدة، لا بديلًا حقيقيًا عن الهجرة.

لا يعني ذلك أن فتح الحدود بلا ضوابط هو الحل، أو أن الهجرة قادرة وحدها على معالجة جميع نتائج الشيخوخة وانخفاض الخصوبة. تحتاج أوروبا إلى إصلاح أسواق العمل ونظم التقاعد، وزيادة مشاركة النساء وكبار السن القادرين على العمل، والاستثمار في التكنولوجيا وزيادة الإنتاجية، وتطوير سياسات الأسرة والإسكان ورعاية الأطفال. تحتاج كذلك إلى سياسات جادة للاندماج تضمن تعلم اللغة والتعليم والعمل ومكافحة التمييز، لأن استقبال المهاجرين دون دمجهم يمكن أن ينتج مجتمعات موازية ويغذي التوتر الذي يستثمر فيه اليمين المتطرف.

ينبغي أيضًا عدم اختزال البشر في وظيفتهم الديموغرافية، فالمهاجرون لا يأتون لإنقاذ الهرم السكاني الأوروبي فحسب، ولا ينبغي النظر إلى اللاجئين باعتبارهم احتياطيًا من العمالة. للهجرة آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية متشابكة، كما أن لها تكاليف وتحديات حقيقية تتعلق بالسكن والخدمات والتعليم والاندماج، ولا يفيد إنكارها. لكن تضخيم هذه التحديات وتحويل المهاجر إلى سبب لكل أزمة لا يلغي الحقيقة الأساسية: أوروبا التي تشدد القيود على الهجرة هي نفسها أوروبا التي سوف تعتمد عليها بدرجة متزايدة للحفاظ على قوة العمل وتمويل دولة الرفاه ورعاية سكانها المتقدمين في العمر.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت أوروبا ستقبل المهاجرين أم ترفضهم، فهي تستقبلهم بالفعل وسوف تظل في حاجة إليهم. السؤال هو: أي نوع من الهجرة تريد، وكيف تديرها، وكيف توزّع مسؤولياتها، وبأي قدر من العدالة والاتساق مع القيم التي تعلنها؟ تستطيع الحكومات تشديد الرقابة على الحدود، وعقد الاتفاقات مع دول العبور، وتسريع إجراءات الإبعاد، واستثمار الخوف من الأجانب في الانتخابات، لكنها لا تستطيع إلغاء قوانين الديموغرافيا.

هل تختفي إذن أوروبا التي نعرفها؟ ربما لا تختفي، لكنها سوف تتغير حتمًا. قد تصبح أقل عددًا وأكثر شيخوخة، وقد تصبح في الوقت نفسه أكثر تنوعًا بفعل الهجرة التي تخشاها وتحتاج إليها. لا يتمثل التحدي في منع هذا التغير، وإنما في إدارته دون التضحية بالتماسك الاجتماعي أو الحقوق الإنسانية. أما محاولة الاحتفاظ بأوروبا كما كانت، مع إغلاق أبوابها أمام من تحتاج إليهم، فهي ليست سياسة واقعية، بل مقاومة مؤقتة لمستقبل بدأ بالفعل.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي


المزيد.....




- تائهة في الأعماق..رحلة غواصة برتغالية تتحول إلى مأساة في الب ...
- مصر.. العوضي يوجه رسالة لياسمين عبد العزيز بعد تشبيه علاقاته ...
- جيل زد والانتخابات المغربية.. هل تكفي الوجوه الشابة لاستعادة ...
- تقارير: السعودية تعيد تشغيل خط أنابيب شرق-غرب
- اختبأ أسفل حافلة كرة قدم.. مغربي يخاطر للوصول إلى إسبانيا
- انتخابات المغرب تطرح أسئلة حول التغيير وحدود سلطة الحكومة ال ...
- الدرس الدفين.. ما الذي نسيه جنرالات تل أبيب في خنادق السويس؟ ...
- العثور على سائح إسرائيلي بعد انقطاع الاتصال به في منطقة براك ...
- مقتنيات بريجيت باردو تباع في باريس بنحو مليون يورو
- صورة لفتت الأنظار.. ما سر الأساور المتشابهة لأعضاء الوفد الس ...


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - أيمن زهري - هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاجة إلى المهاجرين والخوف منهم