أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أيمن زهري - زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة















المزيد.....

زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 13:39
المحور: سيرة ذاتية
    


لم تكن زيارتي الأخيرة لأسيوط مجرد رحلة أكاديمية للمشاركة في مناقشة رسالة دكتوراه، بقدر ما كانت خروجًا مؤقتًا من الإيقاع المعتاد للحياة في القاهرة، واستعادة لذلك النوع من السفر الذي يمنح الإنسان مسافة ضرورية بينه وبين تفاصيله اليومية. تحرك القطار جنوبًا، وتبدلت المشاهد خلف النافذة تدريجيًا، من الامتداد العمراني الكثيف إلى الحقول والقرى والمدن الصغيرة. بدا الطريق طويلًا بما يكفي لكي تهدأ الضوضاء، وتتباطأ الأفكار، ويبدأ المرء في تأمل أمور لا يجد لها مكانًا وسط زحام الأيام.

جاءت الزيارة للمشاركة عضوًا من الخارج في لجنة مناقشة رسالة الدكتوراه المهنية المقدمة من الباحثة عبير محمد متولي إسماعيل إلى قسم العلوم السياسية والإدارة العامة بكلية التجارة، بعنوان "سياسات التنمية المستدامة في مصر: الطموحات والتحديات في ضوء خصائص السكان في الفترة من 2016 إلى 2024." ترأس لجنة المناقشة والإشراف الأستاذ الدكتور عبد الرحيم خليل، وشارك فيها الدكتورة مروة بكر، والدكتور عبد الله فيصل، إلى جانب مشاركتي بصفتي عضوًا من الخارج.

أحاطني الزملاء منذ وصولي بقدر كبير من الحفاوة والترحاب، وكان في مقدمة مستقبليَّ الأستاذ الدكتور علاء عبد الحفيظ، عميد كلية التجارة، الذي حرص على استقبالي والترحيب بي بصورة شخصية عكست كرم الضيافة والتقدير المتبادل بين أبناء الجماعة الأكاديمية. امتدت هذه الحفاوة طوال الزيارة من الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس والعاملين بالكلية، وهو ما جعل وجودي في جامعة أسيوط يتجاوز حدود أداء مهمة علمية محددة، ليصبح تجربة إنسانية دافئة سأظل أذكرها بكل تقدير.

يجمع موضوع الرسالة بين مجالين كثيرًا ما يجري تناولهما بصورة منفصلة، رغم أن الصلة بينهما وثيقة، فلا يمكن الحديث عن التنمية بمعزل عن السكان، ولا يصح اختزال القضية السكانية في مجرد زيادة عددية تحتاج إلى الضبط. السكان ليسوا عبئًا إحصائيًا على التنمية، بل هم غايتها ووسيلتها في الوقت نفسه، كما أن خصائصهم من حيث التعليم والصحة والتوزيع الجغرافي والمشاركة الاقتصادية هي التي تحدد، إلى حد بعيد، قدرة السياسات العامة على تحقيق أهدافها.

أتاحت المناقشة فرصة لحوار علمي جاد حول المفاهيم والمناهج والمؤشرات المستخدمة في دراسة العلاقة بين السكان والتنمية المستدامة. تظل المناقشات الجامعية الحقيقية، مهما أحاطت بها أحيانًا بعض التقاليد الشكلية، مساحة مهمة لاختبار الأفكار ومراجعة المسلمات والتمييز بين ما تثبته البيانات وما نرغب في أن تثبته. ليست وظيفة المناقش أن يبحث عن الملاحظات لمجرد تسجيلها، بل أن يساعد الباحث على رؤية عمله من زوايا أخرى، وأن يفتح أمامه أسئلة ربما تكون أهم من الإجابات التي توصل إليها.

كان لدخول جامعة أسيوط وقع خاص في نفسي، فالجامعة ليست مجموعة من المباني والقاعات فحسب، بل ذاكرة متراكمة لأجيال من الأساتذة والطلاب والباحثين الذين مروا بها وتركوا فيها شيئًا من حياتهم. توقفت أمام حجر الأساس التذكاري الذي وُضع عام 1949 إيذانًا بمشروع إنشاء "جامعة محمد علي،" التي أصبحت لاحقًا جامعة أسيوط. بدت الوثيقة القديمة، المحفوظة خلف الزجاج والمجاورة لصور رؤساء الجامعة السابقين، كأنها نافذة صغيرة على مرحلة كانت الدولة تنظر فيها إلى إنشاء الجامعات بوصفه مشروعًا لبناء المجتمع وتوسيع المجال الوطني للمعرفة، لا مجرد إضافة مبانٍ جديدة.

بدأت الدراسة في جامعة أسيوط عام 1957، لتصبح أول جامعة في صعيد مصر، في وقت كان فيه التعليم الجامعي متركزًا بصورة شبه كاملة في القاهرة والإسكندرية. لم يكن إنشاؤها مجرد إضافة جامعة جديدة إلى خريطة التعليم العالي، بل كان تحولًا في نظرة الدولة للصعيد، وإقرارًا بحقه في أن يمتلك مركزًا علميًا كبيرًا قادرًا على خدمة سكانه وإعداد كوادره. من هنا استحقت جامعة أسيوط وصف «الجامعة الأم» في صعيد مصر، ليس فقط لأسبقيتها التاريخية، وإنما للدور الذي أدته في نشر التعليم الجامعي على امتداد الإقليم.

امتد تأثير الجامعة إلى ما وراء حدود محافظة أسيوط، فأنشأت كليات وفروعًا في عدد من محافظات الصعيد، ثم نمت هذه الفروع واتسع نشاطها حتى استقل بعضها وتحول إلى جامعات قائمة بذاتها. خرجت جامعة المنيا مباشرة من عباءة جامعة أسيوط عام 1976، كما كانت الكليات والفروع التي أُنشئت في قنا وسوهاج وأسوان نواة لجامعة جنوب الوادي، ثم استقلت لاحقًا جامعتا سوهاج وأسوان، إلى جانب الجامعات الأخرى التي ظهرت تباعًا في جنوب مصر. ظل فرع الوادي الجديد تابعًا لجامعة أسيوط سنوات طويلة قبل أن يصبح جامعة مستقلة. هكذا يمكن النظر إلى جانب كبير من الخريطة الجامعية الحالية في الصعيد باعتباره ثمرة لشجرة غرستها جامعة أسيوط، بصورة مباشرة أو عبر أجيال متعاقبة من الجامعات التي خرجت من تحت لوائها.

تكشف هذه المسيرة أن مركزية جامعة أسيوط لا تشبه المركزية التي تجذب الموارد والفرص نحو العاصمة وتحتفظ بها، وإنما هي مركزية من نوع آخر تقوم على الانتشار وتوليد مراكز جديدة للمعرفة، فقد استخدمت الجامعة قوتها المؤسسية وخبراتها الأكاديمية لإنشاء مراكز جامعية خارج مقرها، ثم تركت لهذه المراكز فرصة النمو والاستقلال وخدمة مجتمعاتها المحلية. بهذا المعنى لم تحتكر جامعة أسيوط التعليم الجامعي في الصعيد، بل ساهمت في توطينه وتوسيعه وإيصاله إلى محافظات أخرى.

تتجاوز أهمية الجامعات الإقليمية إتاحة التعليم العالي لأبناء الأقاليم، فهي تسهم في إعادة تشكيل محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وتربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع الفعلية. أتاحت جامعة أسيوط لأجيال من أبناء الصعيد الالتحاق بالتعليم الجامعي دون الانتقال إلى القاهرة، وأعدت آلاف الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين والإداريين، فضلًا عن أعضاء هيئة التدريس والقيادات الأكاديمية الذين شاركوا لاحقًا في تأسيس جامعات الصعيد وإدارة مؤسساتها.

تستمد الجامعة الإقليمية قوتها من قربها من مشكلات مجتمعها وقدرتها على تحويل قضاياه السكانية والتنموية والصحية والاقتصادية إلى موضوعات للبحث والعمل الميداني، كما تسهم في الحد من مركزية المعرفة وتحقيق قدر من العدالة المكانية في توزيع فرص التعليم والترقي الاجتماعي. لا تجعلها هذه الوظيفة جامعة “محلية” أقل شأنًا من جامعات المركز، بل تمنحها ميزة معرفية، إذ تنطلق من واقع إقليمها لتنتج معرفة تتجاوز حدوده وتشارك بها في المجالين الوطني والدولي.

امتدت زيارتي خارج أسوار الجامعة إلى بعض معالم مدينة أسيوط، وفي مقدمتها قصر ألكسان باشا المطل على النيل. يقف القصر بطرازه المعماري المميز شاهدًا على زمن آخر من تاريخ المدينة، لكنه يقف أيضًا في حالة من الصمت تبدو مثيرة للتأمل. ففي مدننا مبانٍ كثيرة تحمل ذاكرة المكان، ومع ذلك نتعامل معها أحيانًا كأنها أجسام غريبة لا نعرف ماذا نفعل بها. المحافظة على مثل هذه المباني ليست ترفًا جماليًا، وإنما حماية لذاكرة المدينة من المحو، وربط بين حاضرها والطبقات المختلفة التي صنعت شخصيتها.

كانت الرحلة قصيرة، لكنها منحتني قدرًا من العزلة التي أصبحت نادرة في حياتنا. أحيانًا يقبل الإنسان سفرًا أو مهمة بدافع مهني أو التزام أخلاقي، ثم يكتشف أن الرحلة منحته ما هو أبعد من سببها المباشر. فالابتعاد المؤقت عن المكان المعتاد يغير زاوية النظر، ويجعل أمورًا كانت تبدو كبيرة أقل أهمية، بينما يعيد إلى الواجهة أسئلة أخرى ظلت مؤجلة. لا يعني ذلك الوصول إلى إجابات حاسمة، فالحياة أكثر عشوائية والتباسًا من أن تُختصر في استنتاج مريح، لكن مجرد استعادة القدرة على التأمل قد تكون في ذاتها مكسبًا.

عدت من أسيوط وفي ذهني أكثر من صورة: قاعة المناقشة وما شهدته من حوار علمي، وحفاوة الزملاء في كلية التجارة، وحجر الأساس بما يحمله من ذاكرة وطموح، وقصر ألكسان باشا بصمته وجماله، والقطار وهو يعبر مدن الصعيد وحقوله في طريق العودة إلى القاهرة. جمعت الزيارة بين العمل والمعرفة والتاريخ والعزلة، وذكّرتني بأن جامعة أسيوط ليست مجرد جامعة تقع في الصعيد، بل جامعة أسهمت في إعادة تشكيل الصعيد نفسه، وأن بعض المؤسسات تكتسب عظمتها الحقيقية حين لا تكتفي بالنمو، وإنما تساعد مؤسسات أخرى على الميلاد.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟
- ثورة 23 يوليو وذاكرة السمك
- أسياد الساحل الشمالي
- الهجرة والاغتراب في السينما المصرية


المزيد.....




- هل يحق لترامب حظر CNN ووسائل إعلام أخرى من البيت الأبيض؟ محا ...
- الحرس الثوري يضع شرطا بشأن تصدير النفط من أي دولة بالمنطقة
- الجيش الأمريكي يكشف حصيلة سفن أعاد تغيير مسارها ضمن الحصار ع ...
- الحوثيون يقتربون من باب المندب والرياض تبحث عن حلفاء.. لماذا ...
- اتفاق ثلاثي بين واشنطن وكوبنهاغن ونوك: أمريكا تتسلم زمام أمن ...
- إيلون ماسك يسعى لشراء بيانات العملاء من شركات مفلسة لتدريب ا ...
- البنتاغون يفرج عن دفعة جديدة من ملفات -الأجسام الطائرة المجه ...
- الدفاع الروسية تؤكد تقدم قواتها في مختلف المحاور وتفند مزاعم ...
- غالطة سراي يتلقى صدمة قوية قبل لقاء طرابزون سبور
- «الزراعة»: تقديم أكثر من 5.7 مليون جرعة تحصينية للماشية ضد « ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أيمن زهري - زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة