أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الأنامالية والوطن والمجتمع














المزيد.....

الأنامالية والوطن والمجتمع


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 18:47
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


يميل كثير من الناس إلى إيثار السلامة والابتعاد عن الاشتباك مع أي قضية، سواء بالتأييد أو الاعتراض، ظناً منهم أن ذلك يجنبهم الخلافات ويحفظ لهم علاقاتهم وراحة بالهم. لا أتحدث هنا عن أشخاص لا يملكون معرفة بالموضوع المطروح، أو يفضلون التريث قبل إبداء الرأي، وإنما عن أشخاص لديهم خبرات ومعارف وتجارب، لكنهم يقررون الاحتفاظ بها لأنفسهم. تتكرر على ألسنتهم عبارة "أنا مالي،" حتى تتحول من رد عابر إلى موقف من الحياة. هذه هي "الأنامالية" التي أقصدها، والتي أظن أن انتشارها يستحق التأمل، لأن خسائرها تتجاوز أصحابها إلى الوطن والمجتمع.

من الطبيعي ألا يكون للإنسان رأي في كل شيء، ومن الطبيعي أيضاً أن يختار معاركه، وألا يستنزف نفسه في نقاشات لا تنتهي، نحن لا نحتاج إلى أن يتحول الجميع إلى معلقين دائمين على كل حدث (كما يحدث بعد كل مباراة كرة قدم)، ولدينا بالفعل فائض من الكلام الذي لا يضيف معرفة ولا يساعد على فهم، "كلام ساكت" كما يقول إخوتنا في جنوب الوادي، لكن هناك فرقاً بين الترفع عن جدال عقيم والانسحاب من الشأن العام، وبين الاعتراف بحدود المعرفة والامتناع عن تقديم معرفة موجودة بالفعل. المشكلة تبدأ حين يصبح تجنب الخلاف أهم من قول ما نعتقد أنه صحيح، وحين نرى خطأ يمكن توضيحه أو مشكلة يمكن الإسهام في حلها، ثم نمضي وكأن الأمر لا يعنينا.

بحكم عملي في السكان ودراسات الهجرة، أعرف أن القضايا العامة لا يمكن فهمها من زاوية واحدة، حيث أن وراء الأرقام بشر، ووراء القرارات آثار قد تمتد إلى أسر وأجيال ومناطق كاملة، لذلك فإن النقاش حول هذه القضايا يحتاج إلى الباحث، لكنه يحتاج أيضاً إلى خبرة المعلم والطبيب والعامل والفلاح وصاحب المشروع، وإلى تجارب الناس الذين يعيشون نتائج السياسات في حياتهم اليومية. لا تظهر كثير من التفاصيل في الجداول والرسوم البيانية ولا العروض التقديمية في المؤتمرات، لأن الكثير من المشكلات لا تتضح إلا حين يتحدث من يعرفونها ويعيشونها. حين يصمت هؤلاء، لا تختفي المشكلة، وإنما نفقد نحن جزءاً من قدرتنا على رؤيتها وتحليلها وفهمها.

ربما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع هذا الميل إلى الصمت لدى البعض، بينما كان المتوقع أن تتيح مساحة أكبر للتعبير وتبادل المعرفة، وقد فعلت ذلك بالفعل، لكنها جعلت إبداء الرأي مكلفاً أحياناً. قد يكتب الإنسان ملاحظة محددة، فيجد نفسه مطالباً بالدفاع عن نياته ومواقفه وتاريخه كله، حيث أصبح من المعتاد أن تُنتزع جملة من سياقها، ويُفسر التحفظ باعتباره عداء، ويُعامل الاختلاف كأنه خصومة شخصية. في ظل هذا المناخ، يفضل بعض أصحاب الخبرة الابتعاد، بينما يواصل آخرون الحديث بثقة لا تتناسب بالضرورة مع معرفتهم، وتصبح الساحة أعلى صوتاً وأكثر ضجيجاً.

لا يصح، مع ذلك، أن نحمّل وسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية كلها، حيث أن للأنامالية أسباب أقدم وأعمق، منها الخوف من العواقب، وضعف الثقة في جدوى المشاركة، وتجارب سابقة شعر أصحابها بأن كلامهم لم يُسمع أو أُسيء فهمه. هناك أيضاً الإرهاق اليومي، وضغوط العمل والمعيشة، والإحساس بأن الإنسان بالكاد يستطيع تدبير شؤونه الخاصة. من السهل أن نطالب الناس بالمشاركة، لكن من الضروري أن نفهم ما الذي يدفعهم إلى الانسحاب. ليس كل صامت غير مبالٍ، وليس كل مبتعد راضياً عما يجري حوله.

المقلق هو أن تتحول هذه الأسباب إلى ثقافة عامة، وأن يصبح الحرص على المصلحة الشخصية مبرراً لقطع الصلة بكل ما يقع خارجها، لأن الوطن ليس فكرة بعيدة عن تفاصيل حياتنا، والمجتمع ليس مجموعة من الغرباء الذين لا شأن لنا بهم. إن المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤنا، والطريق الذي نسلكه، والخدمة الصحية التي نحتاج إليها، والبيئة التي نعيش فيها، كلها شؤون عامة تدخل بيوتنا مهما حاولنا الابتعاد عنها، ولا يمكننا، مهما حاولنا، أن نعزل حياتنا الخاصة عن أحوال المجتمع، حتى لو امتنعنا عن الحديث فيه.

إن المشاركة التي أقصدها ليست بطولة يومية، ولا تستلزم خوض كل خلاف، قد تكون المشاركة مجرد تصحيح معلومة في مجال نعرفه أو تقديم اقتراح عملي أو نقل تجربة أو الدفاع عن حق أو مساعدة مؤسسة على أداء دورها. إن قيمة هذه الأفعال في تراكمها، وفي إبقاء الصلة قائمة بين المعرفة والمسؤولية. من حق كل إنسان أن يصمت حين يريد، لكن من المفيد أن يسأل نفسه أحياناً: هل أصمت لأن الكلام لن يفيد، أم لأنني اعتدت إيثار السلامة حتى حين يكون كلامي مفيداً؟ أخشى أن يخسر الوطن كثيراً حين يصبح جواب أصحاب الخبرة والمعرفة عن كل سؤال هو: "أنا مالي."



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القاهرة التي اتسعت أكثر من قدرتنا على الحركة
- هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاج ...
- زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب
- في اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر: حين تتحول هشاشة الإ ...
- الفلحوسرسج: حين تسبق اللغة الشعبية العلوم الاجتماعية
- المعلوم من الثقافة المصرية بالضرورة
- هل أخطأنا بالفعل في ترجمة السوشيال ميديا؟


المزيد.....




- -العودة إلى الأرض-.. هؤلاء الأشخاص تركوا حياة المدينة للعيش ...
- اكتشاف دوائر حجرية غامضة في جبال الأنديز على ارتفاع 3000 متر ...
- بزشكيان: طهران لن تتهرب من الحوار مع واشنطن
- إيطاليا.. قواعد جديدة للمدارس تشمل النقاب والطلاب الأجانب
- بريطانيا تفرض عقوبات جديدة تضم 31 بندا على روسيا
- ترامب: الزيدي أصبح رئيسا لوزراء العراق بفضل دعمي
- الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال عنصر في المنظومة الصاروخية للجه ...
- هيغسيث يعلن -تطهير- قيادات الجيش: لا سمينين ولا متحولين ولا ...
- مقاطعة خاركوف.. لقطات لمعارك تحرير بلدة نيستيرنويه
- الولايات المتحدة.. -انقراض الديناصورات- مجددا نتيجة لعاصفة ق ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الأنامالية والوطن والمجتمع