أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الذكاء الاصطناعي: حين تسبق الأدوات معرفة الباحث














المزيد.....

الذكاء الاصطناعي: حين تسبق الأدوات معرفة الباحث


أيمن زهري
كاتب وأكاديمي مصري، خبير السكان ودراسات الهجرة


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 13:59
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم يعد تحليل البيانات يتطلب بالضرورة إتقان برنامج إحصائي أو معرفة كيفية كتابة الأوامر البرمجية المعقدة، حيث أصبح بالإمكان تحميل ملف بيانات إلى إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم طلب تحليل محتوياته، وإنتاج الجداول والرسوم، واختبار العلاقات بين المتغيرات، بل وكتابة تفسير للنتائج. هذه نقلة مهمة تتيح لعدد أكبر من الناس التعامل مع البيانات، وتختصر وقتًا وجهدًا كانا يُستهلكان في إجراءات فنية طويلة، لكنها تطرح سؤالًا لا يجوز تجاوزه: هل تعني القدرة على إجراء التحليل القدرة على فهمه والحكم على صلاحيته؟

تكمن المشكلة في أن سهولة الحصول على النتائج قد تمنح المستخدم ثقة لا تتناسب مع معرفته بمناهج البحث، فالجدول المرتب والرسم الجذاب واللغة الواثقة، لا تضمن صحة الاستنتاج. قد تكون العمليات الحسابية سليمة تمامًا، بينما يكون السؤال البحثي مرتبكًا، أو البيانات المستخدمة في التحليل غير مناسبة، أو أن المقارنة قائمة بين فئات لا يجوز مقارنتها. عندئذ لا يكون الخطأ في الحساب، بل في المنطق الذي سبق الحساب وفي المعنى الذي أُعطي لنتيجته.

من أبرز الأمثلة على ذلك التفرقة بين الارتباط والسببية، على سبيل المثال قد تُظهر البيانات أن الأسر التي تتلقى تحويلات من الخارج تتمتع بمستوى معيشة أفضل من غيرها، لكن هذه النتيجة وحدها لا تكفي للجزم بأن التحويلات هي سبب الفارق كله. ربما كانت هذه الأسر أكثر تعليمًا، أو امتلكت موارد وشبكات اجتماعية ساعدت أفرادها على الهجرة أصلًا. تصبح مهمة الباحث هنا فحص التفسيرات البديلة، والتساؤل عن كيفية اختيار الأسر في العينة محل الدراسة ومقارنة أوضاعها، قبل الانتقال من وصف العلاقة إلى الحديث عن أثر الهجرة أو التحويلات.

هناك بديهيات أخرى قد تبدو بسيطة، لكنها تحدد قيمة البحث بأكمله، مثل من الذين شملتهم البيانات؟ ومن الذين غابوا عنها؟ هل تمثل العينة المجتمع الذي نتحدث عنه، أم أنها تمثل فقط من أمكن الوصول إليهم؟ قد يكون استطلاع إلكتروني يشارك فيه آلاف الأشخاص أقل قدرة على تمثيل السكان من عينة أصغر اختيرت بطريقة علمية. إن زيادة عدد المشاركين لا تعالج تلقائيًا انحياز الاختيار، كما أن تكرار التحليل بأكثر من أسلوب لا يصلح عيبًا أساسيًا في جمع البيانات.

حتى العبارات التي تبدو حاسمة تحتاج إلى معرفة وحدود، فالدلالة الإحصائية لا تعني بالضرورة أن النتيجة مهمة اجتماعيًا أو اقتصاديًا، وغيابها لا يثبت دائمًا غياب العلاقة. قد يكون الفارق ضئيلًا لكنه يظهر دالًا إحصائيًا بسبب كبر حجم العينة، وقد يكون مهمًا من الناحية العملية لكن البيانات المتاحة لا تكفي لتقديره بدقة. لذلك يحتاج الباحث إلى فهم حجم الأثر ودرجة عدم اليقين، بدلًا من التعامل مع نتيجة الاختبار بوصفها حقيقة علمية تمنح الاستنتاج صفة الحقيقة.

تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة في هذه الخطوات واقتراح اختبارات والتنبيه إلى مشكلات ومقارنة تفسيرات، لكنها لا تعفي الباحث من فهم القرارات التي يقبلها أو يرفضها. إن اختيار المتغيرات والتعامل مع القيم المفقودة واستبعاد بعض المشاهدات وتحديد الفئات التي تجري مقارنتها، كلها قرارات قد تغير النتيجة. إن قبول اقتراح الآلة دون فهم مبرراته لا يلغي القرار، بل يجعل الباحث يتبناه دون أن يعرف تبعاته.

لهذا تبدو الحاجة إلى تعليم مناهج البحث وبديهيات التفكير العلمي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى وكلما أصبحت أدوات التحليل أسهل. نحتاج إلى تعليم الباحثين كيف يسألون عن مصدر الرقم وكيف يتأكدون من طريقة جمع البيانات وما الذي تسمح البيانات المتاحة باستنتاجه وما الذي يظل خارج قدرتها على الإثبات. هذه معرفة يحتاجها الباحث، كما يحتاجها الصحفي وصانع القرار والقارئ العادي الذي يواجه كل يوم سيلًا من الأرقام والادعاءات.

لم تعد المهارة الأساسية أن نعرف أي زر نضغط عليه لإنتاج جدول، بل أن نعرف لماذا نحتاج إلى هذا الجدول وما الذي يمكن أن يقوله فعلًا. إن مسؤولية الاستنتاج تظل على عاتق من يقدمه للناس، مهما كانت الأداة التي استعان بها، وكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج الإجابات، ازدادت حاجتنا إلى باحث يعرف كيف يطرح السؤال ويفحص الإجابة، ويقول عند الضرورة: هذه البيانات لا تكفي للحكم على الظاهرة محل الدراسة.

إن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي تتوقف على معرفة من يستخدمه، فالباحث المتمكن يستطيع أن يحوّل سهولة التحليل إلى فرصة لتعميق الفهم، أما من يفتقر إلى أبجديات البحث فقد يحوّلها، دون قصد، إلى وسيلة لإنتاج الخطأ وتداوله بثقة. لذلك ينبغي أن يصاحب إتاحة هذه الأدوات اهتمام مماثل ببناء القدرة على استخدامها ونقد نتائجها. فسهولة الوصول إلى إجابة لا تعني أننا أصبحنا أقرب إلى الحقيقة.



#أيمن_زهري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديموغرافيا الحرف: من يرث مهارات المصريين؟
- نافي بيلاي: السلام يحتاج لعدالة
- لماذا ينجب الفقراء أكثر؟ الحسابات الاقتصادية للإنجاب
- الأنامالية والوطن والمجتمع
- القاهرة التي اتسعت أكثر من قدرتنا على الحركة
- هل تختفي أوروبا التي نعرفها؟ بين الانكماش الديموغرافي والحاج ...
- زيارة لأسيوط … الجامعة والمدينة والذاكرة
- إعادة الاعتبار لتراث حسين فوزي، السندباد المصري
- الأجيال بين هوس التصنيف وسيولة الهوية
- خريطة العالم تتغير: أفريقيا تستعيد حجمها الحقيقي
- هل أصبح البشر أكثر من حاجة الاقتصاد؟
- عودة العشوائيات
- من تجارة الرقيق إلى الاتجار بالبشر: حين يتحول الإنسان إلى سل ...
- جاموسة محمد رمضان
- حادث الدواويس ... مَن الذي يعيش في عالمٍ موازي؟
- الذكاء الاصطناعي: هل يلغي الوظائف؟
- مصر وإيجيبت: اللغة والفرز الاجتماعي!
- طفرة التحويلات إلى مصر: أموال جديدة أم عودة إلى القنوات الرس ...
- الصلاة خارج المسجد… هل تغيرت علاقتنا بالمكان؟
- فلاحات كفر عمرو دياب


المزيد.....




- أزمة فرنسا تبدو مألوفة.. هل أمريكا التالية؟
- فيديو منسوب لـ-جنود وطائرات نقل قبل إرسال قوات مصرية إلى الس ...
- -مثير للشفقة-.. انتقادات لاذعة في الشارع الفرنسي تسلط الضوء ...
- البيت الأبيض يعلن إلغاء أكثر من 300 ألف تأشيرة أمريكية للأجا ...
- لافروف: اختطاف مادورو وزوجته مغامرة غربية غير مسبوقة
- مصر.. محكمة الإرهاب تبرئ سيد مشاغب قائد جمهور الزمالك
- -جيروزاليم بوست-: واشنطن تقترب -بدرجة كبيرة- من شن ضربة على ...
- توم باراك يوضح خطورة نشاط إسرائيل العسكري في سوريا ويلمح لتد ...
- خريطة طريق روسية عمانية لتعزيز العلاقات
- أنقرة تبدأ مسار التصديق على حلف مكة


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أيمن زهري - الذكاء الاصطناعي: حين تسبق الأدوات معرفة الباحث