أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد ساجت قاطع - كتاب «الثورة والديمقراطية»: عرض ونقد














المزيد.....

كتاب «الثورة والديمقراطية»: عرض ونقد


محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي

(Mohammed Sajit Katia)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 08:50
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


وهنا يصبح من الصعب الاكتفاء بالقول إن المركزية كانت مجرد وسيلة لاتخاذ القرار الحاسم؛ إذ ينبغي السؤال عن الحدود التي كانت تقف عندها سلطة القيادة، وعن قدرة المجتمع على محاسبتها وتغييرها.



سادسًا: ماذا يحدث عندما يكون القرار المصيري خاطئًا؟

هذه النقطة أكثر خطورة. فالكاتب يدافع عن القيادة المركزية بحجة أن بعض القرارات المصيرية تحتاج إلى الحسم. لكن الحسم ليس ضمانة لصحة القرار، يمكن لقيادة مركزية أن تتخذ قرارًا بسرعة، ولكن إذا كان القرار خاطئًا، فإن سرعة تنفيذه قد تزيد حجم الكارثة.

وهنا تظهر قيمة التعددية والنقد والمساءلة: ليس لأنها تضمن دائمًا اتخاذ القرار الصحيح، وإنما لأنها تتيح اختبار القرار قبل تنفيذه، وانتقاد السلطة بعد تنفيذه، وتغيير المسؤولين عنه إذا ثبت فشلهم.

ومن هذه الزاوية، لا تصبح الديمقراطية الليبرالية مجرد «تعددية حزبية» كما يصورها النقد الثوري، بل تصبح نظامًا لتوزيع السلطة ومنع احتكارها، ولتصحيح الأخطاء السياسية بصورة سلمية.



سابعًا: هل الرفاه وحده يكفي لتعريف الديمقراطية؟

من أكثر الحجج أهمية في الكتاب ربط الديمقراطية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرفاه. وهذه المسألة لا ينبغي رفضها؛ فالحرية السياسية وحدها لا تحل جميع مشكلات الإنسان. لكن الخلاف يبدأ عندما تصبح الحقوق الاقتصادية مبررًا لإلغاء الحقوق السياسية. فلا ينبغي أن تكون المعادلة: إما الحرية السياسية، أو الرفاه الاجتماعي.



بل يمكن النظر إليهما باعتبارهما بعدين مختلفين من حقوق الإنسان. فالإنسان الذي يحصل على خدمات جيدة لكنه لا يستطيع انتقاد السلطة أو تغييرها سياسيًا يفتقد جانبًا من حريته. والإنسان الذي يمتلك حرية التصويت لكنه يعيش في ظروف اقتصادية قاسية يعاني بدوره من نقص في شروط الحياة الكريمة.

ولهذا فإن اختزال الديمقراطية في أحد الجانبين يضيّق مفهومها بدل أن يوسعه.



المفارقة العراقية

هنا نصل إلى المفارقة الكبرى. النظرية التي يعرضها الكتاب تنطلق من أن القيادة الثورية المركزية تقود الجماهير نحو الاستقرار والرفاه والاشتراكية. لكن التجربة العراقية انتهت إلى نظام شديد المركزية، واسع الأجهزة الأمنية، محدود المجال أمام المعارضة، ومثقل بتاريخ طويل من القمع والحروب.

وليس المقصود من ذلك القول إن كل ما حدث في العراق كان نتيجة مباشرة لفكرة وردت في هذا الكتاب؛ فهذا سيكون تبسيطًا للتاريخ. لكن التجربة تتيح لنا اختبار سؤال الكتاب الأساسي: هل تستطيع القيادة المركزية، إذا غابت عنها المنافسة والمساءلة الفعالة، أن تضمن لنفسها البقاء على الطريق الذي رسمته لنفسها؟

والواقع أن بقاء النظام لا يعني نجاحه، كما أن سقوطه لا يثبت وحده خطأ كل فكرة نظرية وردت في أدبياته. لكن التجربة تضع أمامنا مشكلة لا يمكن تجاوزها: إذا فشلت القيادة، فمن يملك حق تغييرها؟ وإذا كان الجواب هو: الشعب، فيجب أن توجد آلية تمكن الشعب من ذلك. أما إذا كان تغيير القيادة غير ممكن إلا بانقلاب أو ثورة أو انهيار شامل، فإن النظام يكون قد فقد واحدة من أهم آليات التصحيح السلمي للسلطة.



خاتمة: الديمقراطية ليست وعدًا بالرفاه فقط

بعد عرض أفكار كتاب «الثورة والديمقراطية» ونقدها، يمكن القول إن الخلاف الحقيقي بين النموذج الذي يقدمه الكاتب والنموذج الليبرالي لا يكمن فقط في الاقتصاد أو التعددية الحزبية. إنه خلاف حول مصدر السلطة وحدودها.

النموذج الذي يعرضه الكاتب ينطلق من أن السلطة تستطيع أن تكون ديمقراطية إذا كانت تعمل لمصلحة الجماهير، حتى مع وجود قيادة مركزية وقيود على التعددية والحريات السياسية.

أما التصور الآخر فيضع مسألة مختلفة في قلب الديمقراطية: هل يستطيع الشعب أن يمنح السلطة شرعيتها، وأن يسحبها منها عندما تفشل؟

وهنا تكمن المسافة بين: «القيادة من أجل الشعب» و«الحكم من قبل الشعب».

قد تقول القيادة إنها تعرف مصلحة الناس، وقد تكون مقتنعة بذلك فعلًا، وقد تحقق بعض النجاحات؛ لكن الديمقراطية لا يمكن أن تعتمد فقط على حسن نية الحاكم أو صحة تصوراته. لأن السؤال الحاسم يظهر عندما يخطئ: من يستطيع أن يقول له: أخطأت؟ وعندما يفشل: من يستطيع أن يقول له: انتهت مهمتك؟ وعندما يصبح وجوده نفسه عقبة أمام المجتمع: من يملك حق استبداله؟



هذه ليست أسئلة هامشية في الديمقراطية، بل ربما هي جوهرها. ولهذا فإن التجربة العراقية تجعل قراءة «الثورة والديمقراطية» اليوم أكثر إثارة مما كانت عليه لحظة صدوره؛ فالكتاب كان يحاول أن يبرهن أن القيادة المركزية والديمقراطية الشعبية يمكن أن تجتمعا، بينما يمنحنا التاريخ العراقي فرصة اختبار ذلك الادعاء على أرض الواقع.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل كان النظام ثوريًا أم ليبراليًا؟ بل السؤال الأكثر جوهرية: «هل كان الإنسان، في ظل ذلك النظام، يمتلك القدرة على أن يقول للسلطة: أنتِ وُجدتِ من أجلي، وإذا لم تعودي تحققين غاياتك، فأنا أملك الحق في تغييرك؟»

فالدولة، أيًا كان اسمها وشعارها وأيديولوجيتها، تظل في النهاية وسيلة لخدمة الإنسان، لا وصيًا دائمًا عليه.



#محمد_ساجت_السليطي (هاشتاغ)       Mohammed_Sajit_Katia#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفاعل مع السياسة في العراق: حين يصبح اللامعقول موقفًا عامً ...
- دور الأحزاب السياسية في تعزيز الانقسام المجتمعي (تفكيك صناعة ...
- مرتزقة الأحزاب... والسعار الاجتماعي في العراق
- حين لا يكون الخطاب الوطني مُربحاً
- السياسة والوعي في العراق: مصنع خرافات يعمل بلا كهرباء
- قابل إنته تفتهم أكثر من القاضي..!!؟
- العراق بين أزمة الوعي وفساد السلطة
- من تشرين العظيمة إلى نيبال
- العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
- بين سلطة الله وسلطة الحاكم
- لماذا نحتاج إلى نقد الدين السياسي؟
- بين لاهوت التحرير ولاهوت الطاعة
- الدين السياسي عدو الإصلاح
- الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا قمع
- كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
- من الدين لله إلى الدين للسلطة
- الدين بين الرسالة والأداة
- بين التحالف والخيانة... فرقٌ كبير
- آثار ظاهرة وعّاظ السلاطين على الدين والمجتمع
- الوجه النفسي لظاهرة وعّاظ السلاطين: الحاجة إلى الحماية بدل ا ...


المزيد.....




- مصر وتركيا تبحثان الأوضاع في ليبيا وسط اختلاف المواقف بشأن م ...
- القناة 14 العبرية: مقتل جندي إسرائيلي مصاب في هجوم الخليل ال ...
- الكرملين: مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ستعقد مطلع نوفمبر
- داء المرتفعات يقصي صانع المحتوى -أبو فلة- من إكمال تسلق جبل ...
- الدفاع الروسية: استعادة 270 أسيرا مقابل 270 أوكرانيّا (فيديو ...
- باريس.. مقتل شخص وإصابة أربعة بإطلاق عشوائي للنار
- هل تحلّ روسيا العقدة الإيرانية؟
- ترامب يدعم نتنياهو، أَمْ يقضي على فرصه الانتخابية!
- ليس بالديزل وحده، روسيا تُسعف الولايات المتحدة!
- حاملات الطائرات الأمريكية أمام إيران تنذر بحرب كبرى


المزيد.....

- قراءة في العقل والثورة-3 / نايف سلوم
- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد ساجت قاطع - كتاب «الثورة والديمقراطية»: عرض ونقد