أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - وسام الحسيني - عودة الى الجامعة ..















المزيد.....

عودة الى الجامعة ..


وسام الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 02:45
المحور: المجتمع المدني
    


### حين عدتُ إلى الجامعة بعد عشرين عاماً... كان المكان يعرفني، لكنّه لم يعد يشبهني

لم أكن أعلم أن للأماكن ذاكرةً تفوق أحياناً ذاكرة البشر، وأن الجدران التي تركناها خلفنا قبل عشرين عاماً قد تحتفظ بأصواتنا أكثر مما احتفظت بها صدور أصدقائنا. عدتُ إلى الجامعة بعد عقدين من الزمن، لا لأطلب علماً جديداً، ولا لأستعيد مقعداً دراسياً، بل لأختبر تلك المسافة الغامضة التي تفصل بين الإنسان الذي كنّاه، والإنسان الذي صرنا إليه.

وقفتُ عند البوابة طويلاً، كأنني أنتظر إذناً من الماضي بالدخول. كانت البوابة هي ذاتها في ذاكرتي، أو هكذا خُيّل إليّ، لكن شيئاً في داخلي كان مختلفاً. الممرات التي كانت تبدو طويلةً في أعيننا صارت أقصر، والأشجار التي كنا نجلس تحت ظلالها بدت وكأنها تحمل أعماراً إضافية، أما القاعات التي شهدت أحلامنا الأولى، فقد بدت هادئةً على نحوٍ يثير الأسئلة أكثر مما يمنح الإجابات.

أدركتُ عندها أن العودة إلى المكان ليست عودةً إليه وحده، بل عودةٌ إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا.

قبل عشرين عاماً، كنا نأتي إلى الجامعة محمّلين بأسئلة المستقبل، نظن أن الحياة تنتظرنا خارج أسوارها، وأن العالم سيمنح كلّ واحدٍ منا مكاناً يليق بأحلامه. كنا نتحدث عن الغد بثقة الذين لم يختبروا بعدُ قدرة الأيام على تبديل الخطط، ولا قدرة الظروف على إعادة ترتيب الأمنيات وفق قوانينها الخاصة.

كان صديقٌ يحلم بمنصبٍ كبير، وآخر يخطط للسفر، وثالثٌ كان يضحك من كل شيء، كأنه اكتشف سرّ الحياة مبكراً. كنا نختلف على الأفكار، ونتجادل في السياسة والفلسفة، ونتنافس على النجاح، ثم نخرج معاً لننسى كل خلافٍ أمام فنجان شاي أو حديثٍ عابر.

لم نكن ندرك أن تلك التفاصيل الصغيرة كانت تصنع أثمن ما في أعمارنا، وأننا حين كنا نستعجل التخرج، كنّا في الحقيقة نستعجل مغادرة واحدة من أجمل مراحل الحياة دون أن نشعر.

واليوم، وأنا أسير في الممرات نفسها، لم أكن أبحث عن القاعات، بل عن الوجوه التي منحتها معناها. كنت أتأمل الأماكن وأتساءل: هنا، أين كان يقف فلان؟ وفي ذلك الركن، كم مرةً ضحكنا حتى نسينا موعد المحاضرة؟ وعلى ذلك المقعد، من الذي كان يتحدث عن مستقبلٍ لم يعرف أنه سيصبح يوماً مجرد ذكرى؟

لقد بقي المكان، وغاب الذين كانوا يمنحونه الحياة.

لكن الغياب ليس دائماً موتاً، وليس كل من غادرنا قد انتهى حضوره. بعض الأصدقاء يعيشون في مدنٍ بعيدة، وبعضهم ابتلعتهم مشاغل الحياة، وبعضهم فرّقتنا عنهم اختلافاتٌ لم تكن تستحق كل تلك المسافة. وهناك أصدقاء لا نعرف عنهم شيئاً منذ سنوات، ومع ذلك، يكفي أن تمرّ بنا ذكرى صغيرة حتى يعودوا إلينا بكامل تفاصيلهم، كأن الزمن لم يفعل شيئاً سوى أن أغلق الباب خلفهم مؤقتاً.

تساءلتُ: هل تغيّر أصدقاؤنا حقاً، أم أننا نحن الذين تغيّرنا حتى لم نعد نعرف كيف نراهم بالعين القديمة؟

ربما لم تعد تجمعنا الظروف التي كانت تجمعنا، وربما لم تعد أحلامنا متشابهة، لكن ثمة شيء يبقى عصيّاً على التغيير؛ تلك النسخة التي عرفها كلّ واحدٍ منا في الآخر قبل أن تعيد الحياة تشكيله. فالصديق القديم لا يعرف فقط من أصبحت، بل يعرف أيضاً من كنتَ قبل أن تتعلم إخفاء خيباتك خلف ابتسامة، وقبل أن تصبح أكثر حذراً في منح ثقتك، وأكثر اقتصاداً في التعبير عن أحلامك.

إنه شاهدٌ على تاريخك الذي لا تستطيع كتابته وحدك، لأنه يحمل بعض صفحاته في ذاكرته.

أما الغربة، فقد كانت المفاجأة الأكثر إيلاماً في تلك العودة.

لم أشعر أنني غريبٌ عن الجامعة لأنها تغيّرت، بل لأنني لم أعد ذلك الطالب الذي كان يظن أن كل شيء سيبقى في انتظاره. اكتشفتُ أن الغربة لا تحتاج إلى حدودٍ جغرافية، ولا إلى مطاراتٍ وجوازات سفر؛ فقد يكون المرء غريباً في أكثر الأماكن التصاقاً بروحه، حين يعود إليها فلا يجد نفسه القديمة في انتظاره.

الغربة أن تقف في مكانٍ تعرف تفاصيله، لكنك لا تعرف أين تضع قلبك فيه.

أن تسمع صدى خطواتك في ممرٍّ اعتاد ضجيج الأصدقاء، فتشعر بأن الصمت يذكّرك بأشياء لا تستطيع تسميتها. أن تمرّ بجانب مقعدٍ قديم، فلا ترى خشبه، بل ترى الوجوه التي جلست عليه، والأحاديث التي انتهت دون أن يعلن أحدٌ نهايتها.

لقد فهمتُ أن الزمن لا يسرق منا الأشخاص والأماكن بالضرورة، بل يغيّر علاقتنا بهم. يجعل المكان الذي كان وطناً عابراً محطةً في الذاكرة، ويجعل اللحظة التي لم نلتفت إليها ذات يوم أثمن من سنواتٍ قضيناها في مطاردة المستقبل.

ولعل أقسى ما في النضج أننا لا نفقد الماضي حين نغادره، بل نفقد القدرة على العودة إليه كما كان. نستطيع أن نعود إلى الجامعة، وأن نعبر الممرات، وأن نجلس في المكان ذاته، لكننا لا نستطيع استعادة القلق الجميل الذي سبق الامتحان، ولا الضحكة التي لم تكن تخشى الغد، ولا تلك الطمأنينة الساذجة التي جعلتنا نعتقد أن أصدقاءنا سيبقون قريبين إلى الأبد.

فالحنين ليس رغبةً في استعادة الماضي بقدر ما هو حزنٌ على استحالة استعادته.

بعد عشرين عاماً، لم تعد الجامعة بالنسبة إليّ مؤسسةً تعليميةً فحسب؛ لقد أصبحت كتاباً مفتوحاً عن الإنسان، وعن هشاشة الزمن، وعن العلاقة المعقدة بين الذاكرة والمكان.

علّمتني العودة أن بعض الأماكن لا نغادرها تماماً، حتى حين نغادرها بأجسادنا. نحملها في طريقتنا في التفكير، وفي الكلمات التي نكررها دون أن نعرف مصدرها، وفي المواقف التي نتخذها لأن شخصاً ما علّمنا ذات يوم كيف ننظر إلى الحياة.

وربما لهذا السبب شعرتُ بأنني لم أعد إلى الجامعة لأرى ما تغيّر فيها، بل لأقيس ما تغيّر في داخلي. كنت أبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ لم أطرحه حين كنت طالباً: ماذا فعلت بنا السنوات التي كنّا نظن أننا نملكها؟

لم أجد إجابةً واضحة، لكنني فهمت أن الحياة لا تُقاس فقط بما حققناه بعد التخرج، ولا بالمناصب التي بلغناها، ولا بالأموال التي جمعناها، ولا بالمسافات التي قطعناها بعيداً عن البدايات. هناك أشياء لا تظهر في السير الذاتية، لكنها تشكّل جوهر رحلتنا: صديقٌ وقف معنا حين لم نكن نملك شيئاً، كلمةٌ غيّرت نظرتنا إلى العالم، ضحكةٌ أنقذتنا من يومٍ ثقيل، وذكرى صغيرةٌ لا تزال قادرةً على جعلنا نشعر بأننا أحياء.

وعندما هممتُ بالمغادرة، التفتُّ إلى المكان مرةً أخيرة. لم ألوّح لأحد، ولم تكن هناك وجوهٌ أعرفها كي أودّعها. اكتفيتُ بالنظر إلى الممرات، كأنني أعتذر لها عن غيابٍ طال أكثر مما ينبغي، أو أشكرها لأنها احتفظت لي بشيءٍ لم أكن أعلم أنني تركته خلفي.

خرجتُ من البوابة، لكنني لم أكن الشخص نفسه الذي دخلها قبل دقائق.

أدركتُ أن العودة الحقيقية ليست أن نستعيد الأماكن التي أحببناها، بل أن نتصالح مع المسافة التي صنعتها الحياة بيننا وبينها. وأن الأصدقاء، مهما ابتعدوا، ليسوا مجرد أسماءٍ في سجلّ الماضي، بل أجزاءٌ من ذواتنا تركوها معنا حين افترقنا.

أما الجامعة، فقد بقيت هناك، تستقبل وجوهاً جديدةً، وتمنح أحلاماً جديدةً فرصة البداية، غير عابئةٍ بمن غادروا ولا بمن عادوا. وهذا، في حد ذاته، درسٌ فلسفيّ عميق: الأماكن لا تتوقف عند غيابنا، والحياة لا تنتظر عودتنا، لكن ذاكرتنا تظلّ قادرةً على إعادة فتح الأبواب التي أغلقها الزمن.

عدتُ إلى الجامعة بعد عشرين عاماً، فاكتشفتُ أنني لم أكن أبحث عن شبابي، ولا عن أصدقائي، ولا حتى عن الأيام التي مضت.

كنت أبحث عن ذلك الإنسان الذي كنتُه ذات يوم، قبل أن تعلّمه الحياة كيف يكبر.

وحين غادرتُ، أدركتُ أخيراً أنني وجدته؛ لم أجده في القاعات، ولا في الممرات، ولا تحت ظلال الأشجار، بل وجدته في تلك الغصّة الهادئة التي رافقتني إلى الخارج.

فبعض الأماكن لا تعيد إلينا من كنّا، لكنها تذكّرنا بأن ذلك الإنسان ما زال يعيش في مكانٍ عميقٍ داخلنا، ينتظر لحظةً واحدةً كي يطلّ من جديد.

وهكذا، لم تكن عودتي إلى الجامعة عودةً إلى الماضي، بل كانت لقاءً متأخراً مع نفسي، وشهادةً صامتةً بأن العمر يمضي، لكن بعض الأماكن والأصدقاء يظلون يسكنون فينا، حتى حين يصبح الوصول إليهم مستحيلاً إلا عبر الذاكرة.



#وسام_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كبر أبي ...
- أحترِم ألألم!
- لستِ حبيبتي بعد عقدين من الزمن
- أبغض الحلال !!
- اسطورة الصداقة
- شرفٌ لي أن لا تراني..
- عاشق متأخر
- امي جنة..
- حينما يغتصب العقل !!
- كُرّة عينكم !!
- عفيه بلد مابيه شريف !!
- إجعلوها ثورةً على هبل !!
- اعلوا هبل ..اسقطوا هبل !!
- معلش احنه بنتبهدل ..!!
- عرقنة الصومال
- لُطّفَاَ ..السِفَارَةْ في اَلّعِمَارَة !!
- طغاة نوعية فاخرة..صنع في العراق!!
- ثقافة المجاملات ..إلى أين!!
- أحبكِ أبداً
- قنبلة العمامة المسيسة .. إختراع لتدمير العقول!!


المزيد.....




- -وول ستريت جورنال-: إدارة ترامب ترى أوربان مرشحا مناسبا لمنص ...
- ثمانية شهداء في غزة وحصار مشدد وموجة اعتقالات في الخليل
- تنفيذية التحرير تتصدى لخطة الأونروا خفض الوظائف وتطلب 70 ملي ...
- سويلم يلتقي مساعد وزير الخارجية الإماراتي لبحث تعزيز التعاون ...
- غزة.. نقص المساعدات ومخاوف المجاعة
- قاليباف يربط ترشيح دبلوماسية إماراتية لمنصب الأمين العام للأ ...
- سويلم يلتقي الرئيس المشارك للحوار التفاعلي الثالث من الجانب ...
- وزير التخطيط يبحث مع مفوضية اللاجئين توسيع التدخلات الإنساني ...
- اعتقالات وإغلاق معابر في الضفة قبل انتخابات إسرائيل.. وترامب ...
- اعتقالات واسعة في فرنسا وإسبانيا خلال الاحتجاجات


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - وسام الحسيني - عودة الى الجامعة ..