وسام الحسيني
الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 22:45
المحور:
الادب والفن
"...الأم ليست مجرد بدايةٍ بيولوجية للحياة، بل هي المعنى الأول الذي يتشكل في وعينا قبل أن نتعلم اللغة. هي الفكرة التي لا تحتاج إلى برهان، والحقيقة التي لا تمر عبر الشك. في حضورها، يبدو العالم أكثر قابلية للفهم، وكأن الفوضى تجد نظامها الخفي في ظل قلبٍ يعرف كيف يحتوي دون أن يطلب مقابلاً.
الأم لا تعطي فقط، بل تعيد تشكيل فكرة العطاء نفسها. إنها تمنح بلا حساب، وكأنها خارج منطق المقايضة الذي يحكم العلاقات الأخرى. في حبها، لا يوجد "لماذا"، ولا "متى ينتهي"، بل استمرارية تشبه الزمن ذاته؛ لا يُرى لكنه حاضر في كل شيء. ومن هنا، يصبح وجودها معيارًا خفيًا نقيس به صدق المشاعر في بقية العلاقات.
في عمق التجربة الإنسانية، تمثل الأم نقطة الأصل التي يعود إليها الإنسان كلما تاه. ليست عودة جسدية بالضرورة، بل عودة إلى إحساسٍ أولي بالأمان، إلى لحظةٍ كان فيها الوجود بسيطًا وغير مشروط. ولهذا، حين تغيب الأم—بالزمن أو بالمكان—لا يغيب شخص فقط، بل يختل توازن داخلي دقيق، كأن جزءًا من تعريفنا لأنفسنا قد انكسر.
وربما تكمن فلسفة الأمومة في هذا التناقض العجيب: أن تكون أقرب ما يكون إلينا، ومع ذلك تظل عصية على الفهم الكامل. فهي ليست دورًا يُؤدى، بل حالة وجود، حضور صامت يسبق الكلمات ويتجاوزها، ويظل ممتدًا فينا حتى بعد أن نظن أننا كبرنا بما يكفي لنستغني. حضورها، يغدو العالمُ آمناً، وتصبحُ المخاوفُ صغيرةً، فقلبها هو المرفأ الذي لا يغدر، وحضنها هو الوطن الذي لا يضيق. هي التي تُعلّمنا كيف نحبُّ قبل أن ننطق بكلمة، وتُشكل بلمساتها أولى ملامح وعينا، لتظلَّ -على مرّ الأيام- الحقيقةَ الوحيدة التي لا تحتاج إلى دليل، والنور الذي لا يطفئه غياب.
#وسام_الحسيني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟