أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسام الحسيني - لستِ حبيبتي بعد عقدين من الزمن














المزيد.....

لستِ حبيبتي بعد عقدين من الزمن


وسام الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 09:27
المحور: الادب والفن
    


في أعماق القلب، كانت تقيم نبوءة لم يلتهمها الصدأ بعد؛ نبوءة تقول إنّ امرأة شفافة كندى الفجر ما تزال تمشي نحوي عبر دهاليز القدر. كنت أؤمن أنّ الحبّ، مهما تلطّخ بأوحال البشر، يبقى قادراً على أن يهب الروح نافذةً نحو النجاة. لذلك قرّرت أن أغادر مقابر الماضي، حين يجفّ آخر بئر للحزن في داخلي، وأترك خلفي إرثاً من المراثي وقصائد تنوح كأبوابٍ صدئة في سوقٍ يُباع فيه الحبّ بالكذب، وتُشترى فيه الأرواح بالخيانة.

في ذلك السوق، لم يكن العاشق هو المنتصر، بل البائع؛ ذاك الذي أتقن فنّ تبديل الأقنعة حتى صار الكذب عنده حرفة، والخيانة نوعاً من الذكاء الاجتماعي. رأيته جالساً تحت رايات الوهم، يقرأ تعاويذ نصره في حروب القلوب، مستدعياً عفاريت الرغبة من خرائب الأزمنة القديمة، كأنّه وريثٌ مرتبكٌ بين عصا موسى وعصا سليمان؛ لا يفرّق بين المعجزة والخدعة، ولا بين النور والسحر. وحين نخرت الأرضة عصا الحكمة، سقطت الممالك الداخلية، وصار عرش سبأ يُسرق في وضح النهار، لا بأيدي الجنّ، بل بأيدي الذين يرتدون أقنعة الحبّ.

وأنا، كنت أقف في محطة العمر الأخيرة، أراقب قطارات الانتظار وهي تمرّ دون موعد. كان الزمن هناك يشبه ساعةً عمياء؛ كلّ إنسان يركض خلف توقيته الخاص، وأنا أحتضن موعدي كمن يحتضن جمرةً أخيرة في ليلة ثلج. سألت الريح: متى تأتي؟ فلم يجبني سوى الصدى. حتى جاءت الحبيبة أخيراً، كتحقّقٍ متأخر لنبوءة القلب. استقبلتها بتحية العاشق الذي أنهكته المنافي، لكنّها لم تكن كما رسمها الخيال؛ كانت كذبةً ترتدي ملامح امرأة.

جاءت خاوية من الصدق، كقصيدةٍ جميلة فقدت روحها. نسيت أنّ قلب المتنبئ بحبّها كان ينتظر الحقيقة لا الزينة، والنقاء لا الأداء المسرحي. عندها أدركت أنّ الصدق أصبح عملةً نادرة في أسواق العاطفة، وأنّ كثيرين لا يقرأون الحبّ إلا بوصفه مهارةً للتمويه، لا حالةً للانكشاف.

يا دعاة الحبّ، ما أشدّ فاقتكم إلى الحقيقة! إنّكم تحفظون من الشعر موسيقاه، وتجهلون رسالته. تتقاذفون القصائد كما تتقاذف القبائل رماحها، وتستعيرون من البلاغة ما يجمّل الأكاذيب، حتى غدت حججكم في الخداع أفصح من حجج الصادقين في البراءة. تتحدّثون عن الحبّ كما يتحدّث الأعمى عن الضوء؛ تصفون دفأه دون أن تروه، وتُتقنون تمثيله أكثر من معايشته.

ما أعجب الإنسان حين يتكلّف الكذب، مع أنّ الصدق أبسط من الماء، وأخفّ من النسيم، ولا يحتاج إلى مسرح ولا أقنعة. لكنّ النفوس التي اعتادت الظلال تخاف الشمس، لأنّ الضوء يفضح التشققات القديمة في جدرانها.

لقد أعلنت اليوم نبوءة قلبي، لا لأنّها انتصرت، بل لأنّها سقطت شهيدة الصدق. نمت تلك النبوءة على يقينٍ طاهر، لكنّها ماتت حين لامستها أيدي الزيف. وهكذا، في زمن اللانقاء، صار الكاذب فارساً، والمنافق بطلاً، والممثل سيّد المشهد. يعتلون صهوة أوهامهم كما يعتلي مهرّجٌ بغلًا هزيلاً، ثم يطالبون العالم بالتصفيق لبطولاتهم الورقية.

افخروا إذن بما أنتم عليه؛ فهذا قدركم الذي لن تتجاوزوه. أمّا أنا، ففي داخلي عزاءٌ أخير: أنّني لم أصبح نسخةً منكم. لم أبع قلبي في أسواق المساومة، ولم أستبدل الصدق بقناعٍ مذهّب. يكفيني أنّ سريرتي ما تزال قادرة على النظر في مرآتها دون خوف.

إنّها دنيا المهازل؛ عالمٌ يتراشق فيه الناس بعطور الكلمات فيما أرواحهم تتعفّن بصمت. وما خفي في هذا الزمن، ليس أعظم… بل أخسّ.



#وسام_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبغض الحلال !!
- اسطورة الصداقة
- شرفٌ لي أن لا تراني..
- عاشق متأخر
- امي جنة..
- حينما يغتصب العقل !!
- كُرّة عينكم !!
- عفيه بلد مابيه شريف !!
- إجعلوها ثورةً على هبل !!
- اعلوا هبل ..اسقطوا هبل !!
- معلش احنه بنتبهدل ..!!
- عرقنة الصومال
- لُطّفَاَ ..السِفَارَةْ في اَلّعِمَارَة !!
- طغاة نوعية فاخرة..صنع في العراق!!
- ثقافة المجاملات ..إلى أين!!
- أحبكِ أبداً
- قنبلة العمامة المسيسة .. إختراع لتدمير العقول!!
- لَستِ حَبيبتي ..حَبّيبتي لا تَكّذبّ..!!


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وسام الحسيني - لستِ حبيبتي بعد عقدين من الزمن