توفيق التونجي
الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 18:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الأخلاق مصطلح نسبي في ثقافات الشعوب لان ما يعتبر مقبولا اخلاقيا في ثقافة وبيئة معينة قد يكون محرما في ثقافة اخري. يرتبط الأخلاق دوما بالأديان مع اختلاف حدود قبول "الأفعال " بين حرية الفعل وتحريمه قطعيا بأمر الهي. لا ريب ان الملبس مسالة ثقافية وبيئية العري في شعوب كثيرة مقبولة لكلا الجنسين ولكنها تعتبر في مجتمعات اخرى ممنوعة وتقيدها القوانين. كذا لأمور اخرى كثيرة ترتبط بالنظرة الأخلاقية والدينية. اعتبر جميع الديانات الإبراهيمية ان الوصايا العشرة الإلهية مقبولة في كل مكان وزمان ولم يخالف دين سماوي تلك الوصايا في حين حدد الدين الإسلامي المحرمات. ارتباط الدين بالأخلاق نوقش كثيرا من قبل فلاسفة الغرب امثال كانت واخرون. الدين يحدد ما هو أخلاقي وغير أخلاقي من وجه نظر خاص بالمجتمع والبيئة مقبول لنا مثلا في مجتمع إسلامي تعدد الزوجات وتحريمها من قبل القانون في مجتمعات اخرى.
اليوم نلتقي بالأكاديمي العراقي نبيل البازي كي يحدثنا عن التطور التاريخي لمفهوم الاخلاق في المجتمعات البشرية.
الأخلاق يرتبط بلقاء الثقافات فلقاء الإغريق بالثقافة الرافدينية خلق ثقافة جديدة وكذلك لقاء العرب بالثقافة السليمة في العراق ولدت ثقافة دار الحكمة واخوان الصف والادب والفن هذا التضاد كيف تراه في السياق التاريخي ؟
- تميزت الحضارات بانها تمتلك 15عنصرا ، 7منها عناصر مادية و7منها ثقافية والعنصر الاخير هو الاخلاق ومدى تأثير الأخلاق عليها تطورت وأعطت للبشرية تراث انساني اوانتكست وتركت اثار سلبية على المجتمعات لاحقاً. ويمكن النظر إلى فكرتك بانها لقاء ثقافات وبوصفها واحدة من أهم الآليات التي تتكوّن بها الأخلاق والثقافات تاريخياً: التفاعل بين الثقافات، وليس انعزال كل ثقافة عن الأخرى. لكن هناك نقطة مهمة: لقاء الثقافات لا ينتج دائماً ثقافة جديدة بصورة مباشرة أو سلمية؛ أحيانًا ينتج صراعاً، وأحياناً اقتباساً، وأحياناً إعادة تفسير، وفي أفضل حالاته ينتج تركيباً ثقافياً جديداً. منظومة الأخلاق ليست نظاماً مغلقاً وانما تتشكل من التجربة الاجتماعية، ومن حاجة الإنسان إلى تنظيم علاقته بالآخر. ولذلك عندما تلتقي جماعتان مختلفتان في اللغة والدين والعادات والتصورات، وما حصل بين الحضارة الرافدينية واليونان ليس مجرد "تأثير" بل انتقال وإعادة تركيب في حالة بلاد الرافدين واليونان، من الأفضل أن نكون دقيقين تاريخياً. لم يحدث أن أخذ اليونانيون "الثقافة الرافدينية" كاملة وصنعوا منها ثقافتهم، وإنما كانت هناك شبكات طويلة من الاتصال بين الشرق الأدنى والعالم اليوناني، خصوصاً في العصور الفارسية والهلنستية. انتقلت أفكار ومعارف في الفلك والرياضيات والطب والأساطير والكتابة وغيرها، ثم أعاد اليونانيون صياغة بعض هذه المعارف ضمن لغتهم وفلسفتهم ونظمهم الفكرية. الثقافة لا تنتقل كما هي؛ إنها تدخل إلى ثقافة أخرى فتُعاد صياغتها. وهذا شبيه بما يحدث في الأخلاق أيضاً. وإذا كنت تقصد بـ "السليمية" الثقافة السريانية، فهنا توجد ظاهرة تاريخية بالغة الأهمية. في العصر العباسي، وخصوصاً في بغداد، حدث تفاعل بين الثقافة العربية الإسلامية وبين تراث يوناني وسرياني ورافديني وفارسي وهندي. وكان للمترجمين والعلماء السريان دور مهم في نقل عدد كبير من المؤلفات اليونانية إلى العربية، كما ساهم علماء من خلفيات ثقافية ودينية متعددة في الحياة العلمية والفكرية.
المنظومة الأخلاقية مرتبطة بالدين ويتفق معظم الأديان السماوية على مبدأ " الوصايا العشر" وهي منظومة أخلاقية رغم وجود تلك الأفكار في قوانين حمورابي كيف ترى انعكاسات تلك الأفكار على المجتمعات الشرقية في العصر الحديث؟
-نعم، وهذه النقطة يمكن أن تكون مدخلاً قوياً جداً للحديث عن استمرار المنظومات الأخلاقية القديمة داخل المجتمعات الشرقية الحديثة. لكن تاريخياً ينبغي التفريق بين ثلاثة أشياء: القانون، والأخلاق، والدين. فوجود أفكار متشابهة في شريعة حمورابي والوصايا العشر لا يعني بالضرورة أن إحداهما نُقلت حرفياً إلى الأخرى، بل يدل على أن بعض القواعد الأخلاقية الأساسية ظهرت في مجتمعات مختلفة لأنها تعالج مشكلات إنسانية مشتركة. في شريعة حمورابي، نجد مبادئ تتعلق بالملكية، والسرقة، والشهادة، والزواج، والعقوبات، وحماية بعض الفئات الاجتماعية. وفي الوصايا العشر نجد مجموعة من المبادئ الدينية والأخلاقية، مثل تحريم القتل والسرقة وشهادة الزور والزنا. إذن هناك منطقة مشتركة بين القانون والأخلاق والدين. اما القانون يقول: ما الذي يجب أن تفعله أو لا تفعله داخل المجتمع، وما العقوبة عند المخالفة. اما الأخلاق تقول: لماذا ينبغي أن أفعل ذلك؟ وما الخير والعدل والواجب؟ الدين يقول، في المنظومات الدينية:
إن هذه القواعد مرتبطة بإرادة إلهية أو بعلاقة الإنسان بالمقدس.وهذه المستويات تداخلت تاريخياً بدرجة كبيرة. وما انعكاس ذلك على المجتمعات الشرقية الحديثة؟ أريد القول إن المجتمعات الشرقية الحديثة لم تبدأ من الصفر. فهي تحمل طبقات متراكمة من: العادات القديمة ، القوانين القديمة ،الأديان ، الفقه والتقاليد ، الدولة الحديثة ، القانون المدني الحديث. ولهذا نجد أن الإنسان في المجتمعات الشرقية قد يعيش في الوقت نفسه داخل عدة منظومات أخلاقية. منها : منظومة دينية،منظومة عائلية ،عشائرية،منظومة اجتماعية تقليدية،منظومة قانونية للدولة،منظومة حقوق الإنسان الحديثة.ومنظومة شخصية تتشكل من التعليم والتجربة والثقافة. وأحيانًا تتفق هذه المنظومات، وأحيانًا تتعارض. هذا بشكل مختصر.
حضارات بلاد مابين النهرين قدمت تصورات حول المنظومة الأخلاقية والعادات البشرية وصلت أثارها الى يومنا هذا مبدأ العنف والعنف الشديد في التعامل مع الراي المخالف .
ما مدى وعي الطبقة السياسية بهذا الإرث السياسي؟
-نعم، وهذه النقطة يمكن أن تكون امتداداً طبيعياً جداً عندما نتحدث عن الأخلاق والوعي الجمعي، لكنني سأفصل بين أمرين حتى لا نقع في اختزال تاريخي:
العنف في حضارات بلاد الرافدين القديمة من جهة، والعنف السياسي في العراق الحديث من جهة أخرى. لا توجد، في رأيي، قاعدة تاريخية تسمح بالقول إن العنف السياسي العراقي المعاصر هو ببساطة «إرث سومري أو بابلي». هذا سيكون تبسيطاً شديدا.ً لكن يمكن البحث عن أنماط ثقافية وسياسية طويلة الأمد، مثل تقديس السلطة، مركزية الحاكم، ربط الاستقرار بالطاعة، وتحويل الاختلاف إلى تهديد، ثم دراسة كيف أعادت الأنظمة الحديثة إنتاج بعضها بأشكال جديدة. هنا أعتقد أن السؤال الأهم ليس: هل السياسي العراقي يعرف تاريخ بلاد الرافدين؟
قد يكون السياسي العراقي يعرف سومر وبابل وآشور، ويستشهد بحمورابي وجلجامش، ويحتفل بتراث العراق القديم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أدرك البنية السياسية والأخلاقية التي يمكن أن نتعلم منها. فالوعي الحقيقي بالتاريخ ليس أن نعرف أسماء الملوك والحروب، وإنما أن نسأل: ماذا فعلت السلطة بالإنسان؟ وكيف تعامل المجتمع مع المختلف؟ وكيف تحولت الطاعة إلى فضيلة، والاختلاف إلى تهديد؟ العنف ليس ظاهرة عراقية ولا رافدينية وحدها. كل الحضارات القديمة عرفت الحرب والعقاب والعنف السياسي. عندما ننظر إلى العراق في القرن العشرين، نجد عوامل أقرب زمنيًا وأكثر مباشرة في تفسير الثقافة السياسية المعاصرة:
الانقلابات، الأنظمة السلطوية، الحروب، القمع، عسكرة المجتمع، ثم انهيار الدولة والحرب الطائفية بعد 2003. دراسات عن العراق الحديث تشير إلى أن عقوداً من السلطوية أضعفت المؤسسات المستقلة والثقافة المدنية، وأن نظام صدام حسين خصوصاً قضى على مساحات التعبير والتنظيم المستقل وربط الولاء السياسي بالحماية والمحسوبية. وبعد 2003 ظهرت مشكلة أخرى: تحول الاختلاف السياسي إلى تنافس هوياتي وطائفي، مع مؤسسات لم تكن قادرة دائماً على تحويل الصراع إلى منافسة سياسية سلمية.
اما "إذا اختلف معي فهو ضدي" هذه ليست أيديولوجيا محددة، وإنما طريقة في رؤية الاختلاف.وحين تصبح هذه الطريقة شائعة، يتحول الخصم السياسي من شخص لديه رأي آخر إلى شخص يُنظر إليه باعتباره خطراً على الجماعة وبالذات على العقيدة. لذلك أعتقد أن جوهر المشكلة أخلاقي قبل أن يكون سياسيا ًوالديمقراطية ليست فقط انتخابات وصناديق اقتراع فالديمقراطية تحتاج إلى أخلاق سياسية منها قبول الآخر،الاعتراف بحق الخصم في الاختلاف،عدم احتكار الحقيقة،عدم استخدام الدولة للانتقام من الخصوم،الفصل بين الشخص ورأيه ،رفض تحويل الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية.،قبول التداول السلمي للسلطة.
كلمة اخيرة ... نشهد اليوم تطوراً غير مسبوق للعلم يترافق مع انهيار دراماتيكي للثقافة. وللمرّة الأولى في تاريخ الإنسانية، تستخدم الإمكانيات التكنولوجية لتدمير قيمة الإنسان وما اكده ميشيل هنري في كتابه " الهمجية زمنُ علمٍ بلا ثقافة" و يؤكد "انفجار علمي مقابل خراب الإنسان". علينا العمل سوية في استثمار الوعي الجمعي للحفاظ على البشرية وتطورها.
ختاما نشكر الأستاذ نبيل البازي على إجاباته وتنوير القارئ بالمعلومات القيمة متمنين له الموقفية والنجاح.
السويد
2026
#توفيق_التونجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟