أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبدالله سلمان - مدنية بغداد بين تآكل الذاكرة وتغيير الهوية















المزيد.....

مدنية بغداد بين تآكل الذاكرة وتغيير الهوية


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 14:19
المحور: المجتمع المدني
    


بغداد ليست مجرد عاصمة سياسية، ولا رقعة جغرافية تتجمع فيها الوزارات ومؤسسات الدولة وملايين السكان. بغداد قبل ذلك كله مدينة لها ذاكرة وشخصية وتاريخ، والمدينة التي تمتلك ذاكرة تمتلك بالضرورة سماتها وهويتها الخاصة ، لا تصنعها الأبنية والجسور والشوارع وحدها، وإنما تصنعها اللغة واللهجة والذوق والسلوك الاجتماعي ونمط العلاقات واحترام المجال العام، وما تراكم عبر الأجيال من قيم وعادات جعلت لبغداد شخصية تختلف بها عن سائر المدن .
فالمدينة لا تصبح مدنية لأنها كبيرة أو مكتظة بالسكان، وإنما لأنها تنتج قيماً حضرية تنظّم علاقة الإنسان بالمكان وبالآخرين: القانون بدلاً من العصابات والمؤسسة بدلاً من العصبية، والمجال العام بدلاً من الاستحواذ الخاص، وقبول الاختلاف بدلاً من فرض الهوية الواحدة والغريبة ، واحترام ذاكرة المكان بدلاً من التعامل معه باعتباره أرضاً بلا تاريخ.
فالخطر الذي تتعرض له العاصمة اليوم لا ينحصر في تراجع الخدمات أو الفوضى العمرانية أو الاختناقات المرورية، بل يمتد إلى شيء أعمق: تراجع مدنية المدينة نفسها وقدرتها على إعادة إنتاج شخصيتها الحضارية. الأصل أن تكون المدنية قوة تدفع المجتمع نحو مزيد من الحضرية والتنظيم والذوق العام، وأن تجعل المدينة أرقى من مجموع البيئات التي تفد إليها. لكن ما يحدث في بغداد اليوم هو انقلاب في هذه المعادلة؛ فبدلاً من أن تقود مدنيتها عملية التحضر، أصبحت هي نفسها تُساق إلى أنماط أكثر تخلفاً في السلوك والفضاء العام، بما يهدد هويتها البغدادية ويضعف قدرتها على إنتاج نموذج حضري جامع.
والمفارقة الاخطر في حياة المدن تبدأ حين لا تعود المدينة قادرة على تمدين من يأتي إليها، بل يبدأ القادمون إليها، ولا سيما أصحاب السلطة والنفوذ، بإعادة تشكيلها وفق ثقافاتهم المحلية وأنماطهم الاجتماعية واذواقهم الخاصة .
ليس كل من يعيش في بغداد بغدادياً بالمعنى المدني، كما أن الولادة في بغداد وحدها لا تكفي لصناعة الانتماء إلى مدنيتها. ابن بغداد الحقيقي هو من يعرف تاريخها، ويحترم ذاكرتها، ويدرك قيمة شوارعها القديمة وأحيائها ولهجتها وثقافتها، ويتعامل معها باعتبارها أمانة حضارية لا مجرد مكان للسكن أو السلطة . وعلى من يتولى إدارة بغداد يجب أن يكون، قبل كل شيء منتميا لها و ابناً لمدنيتها .
بغداد كانت دائماً بودقةً تستوعب القادمين إليها، تدمجهم بثقافتها وتجعلهم جزءاً من نسيجها، لا مجرد مقيمين فوق أرضها. وتبدأ المشكلة حين يتولى شؤونها من يراها مركزاً للسلطة لا مدينةً ذات ذاكرة، فيتعامل مع المعلم التاريخي كعقار، ومع الفضاء القديم كمساحة قابلة لإعادة التشكيل. فخراب المدن لا تصنعه الحروب وحدها؛ يبدأ أيضاً عندما يصبح قرارها بيد من لا يعرف قيمة ما يحكمه.
اللهجة البغدادية ليست مجرد نطق، بل ذاكرة اجتماعية تختزن روح المدينة ومفرداتها وطرائق تواصل أهلها. وتغير اللهجات أمر طبيعي، لكن المقلق أن يتراجع حضور لهجة بغداد داخل فضائها نفسه، بالتوازي مع اتساع أنماط لغوية ومظاهر وافدة أصبحت أكثر حضوراً في الشارع والمؤسسة والمشهد العام.
ان المشكلة في تراجع قدرة بغداد على صهر التنوع داخل مدنية جامعة. فقد كانت تاريخياً تستوعب الوافد وتمنحه شيئاً من لغتها وذوقها وسلوكها الحضري، أما اليوم فتتعرض لفرض أنماط ريفية وعشائرية تعيد تشكيل المجال العام. وهنا يصبح ترييف المدينة تحولاً في بنيتها الثقافية والاجتماعية، لا مجرد تغير في المظهر أو اللهجة.
فالمعضلة هي حينما تنتقل البنى العشائرية والمحلية إلى مؤسسات العاصمة ومجالها العام، فتتقدم العصبية والعلاقات الشخصية على القانون والمواطنة، ويزداد الخطر حين يقترن ذلك بالنفوذ السياسي القادر على إعادة تشكيل بغداد بعيداً عن مدنيتها.
ويمتد الأمر إلى الجانب الديني والاجتماعي؛ فحرية الشعائر مصونة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى استحواذ رمزي على المجال العام أو إعادة صياغة هوية العاصمة. فحق الجماعة في التعبير عن ذاتها لا يساوي حقها في تغيير هوية المدينة.
إذا عجزت السلطة عن صون المجال العام، تحولت بغداد إلى ميدان لتنازع الهويات الفرعية على حساب مدنيتها الجامعة. وقدرتها التاريخية كانت في احتواء الاختلاف من دون فقدان شخصيتها؛ لذلك فالدفاع عن بغداد لا يعني إقصاء أحد، بل منع أي جماعة من إعادة تشكيل العاصمة حسب اهؤائها الخاصة .
حماية مدنية بغداد يجب أن تكون جزءاً من سياسة الدولة الثقافية والحضرية، لا فعلاً موسمياً. وهي لا تقتصر على صيانة الأبنية والأسواق والأحياء القديمة، بل تشمل حفظ اللهجة البغدادية، والفنون، والمقاهي، والفضاءات التي صنعت ذاكرة المدينة، وإعادة حضور تاريخها في التعليم والإعلام.
كما ينبغي أن يكون الوعي بتاريخ بغداد وخصوصيتها معياراً في اختيار من يدير مؤسساتها؛ فإدارة العاصمة ليست إدارة موارد فقط، بل مسؤولية عن إرث حضاري. وهذه القاعدة تنطبق على سائر مراكز المحافظات، فلكل مدينة عراقية شخصيتها وذاكرتها ومدنيتها الخاصة. وحماية هذا التنوع الحضري هي في جوهرها حماية للتنوع العراقي نفسه.

بغداد ليست مركز الدولة فقط، بل إحدى صورها الحضارية. فإذا تراجعت مدنيتها أمام تنازع الهويات الجزئية، أصبحت أزمة العاصمة انعكاساً لأزمة أعمق في صورة الدولة. فالمدينة الكبرى لا تلغي التنوع، بل تصوغه داخل إطار حضري جامع، وحين تعجز عن ذلك يتحول التنوع من مصدر ثراء إلى عامل في تآكل هويتها.
ان بغداد أقدم من الحكومات التي تعاقبت عليها، وأبقى من الأحزاب التي تنازعت السلطة فيها، وأوسع من المسؤولين الذين مرّوا بمؤسساتها ثم غادروها. فهي ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، بل حصيلة تاريخ طويل تراكمت فيه الذاكرة والعمران والثقافة واللغة وأنماط العيش، حتى تشكّلت لها شخصية لا يجوز اختزالها في إدارة أو ولاية أو دورة انتخابية.
فعلى من يتولى شأناً من شؤون بغداد ان يدرك انه لا يدير مساحة بلا ذاكرة، بل فضاءً حضارياً يسبقه ويتجاوز منصبه. لذلك لا تمنحه السلطة حق إعادة تشكيل المدينة وفق مزاجه أو خلفيته، بل تفرض عليه حماية تاريخها واحترام مدنيتها.
والدفاع عن مدنية بغداد لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعاً عن "البغداديين" في مواجهة أبناء المحافظات، لأن هذا يختزل القضية ويشوّه معناها. المسألة ليست صراعاً بين سكان، بل دفاع عن حق المدينة نفسها في الاستمرار بوصفها كياناً تاريخياً وثقافياً له شخصيته الخاصة. بغداد كانت دائماً مدينة استقبال واندماج، وفتحت أبوابها لأبناء العراق من مختلف مناطقه، لكنها فعلت ذلك من موقع المدينة الواثقة بثقافتها، لا من موقع المدينة التي تتخلى عن ذاتها كي تستوعب الآخرين.
بغداد ملك جميع العراقيين، لكنها ليست مدينة بلا هوية. فهي ذاكرة وطنية ومدنية وكنز حضاري يعكس هوية العراق ، أوسع من الحزب والعشيرة والطائفة، ولا يجوز أن يعيد النفوذ السياسي تشكيلها على صورة بيئة عابرة. فالمعالم تُرمَّم والشوارع تُعاد، أما إذا تآكلت ذاكرة بغداد ومدنيتها، فقد تبقى عاصمة على الخريطة، لكنها تفقد روحها الخلاقة وبريقها.



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البلقنة في خطاب روبيو: حين يصبح السلاح خطراً على أصحابه
- العامري وسقوط سردية الطرف الثالث يتطلب تحقيق دولي
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين قوة الردع واختبار الميدان
- زيارة الزيدي الى واشنطن : بين ضغوط ترامب وحماية منظومة الإطا ...
- حملة مكافحة الفساد الجارية إعادة نقوذ وتوازنات سياسية
- حرية الإيمان وحماية الهوية الوطنية
- من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملح ...
- خطاب نعيم قاسم: قراءة في مؤشرات المرحلة المقبلة
- هل السياسة بلا أخلاق؟ تفكيك وهم الواقعية المطلقة في العلاقات ...
- الحرب مع إيران: صراع استراتيجيات لا ملفات قوة
- خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استر ...
- احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهي ...
- كتاب جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة
- تباين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تجاه مستقبل إيران
- كان العراق مباحًا… فكيف صار الدفاع عن إيران أولوية؟
- الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سياد ...
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...


المزيد.....




- طرد عضوين من وفد إيران المشارك في اجتماعات الأمم المتحدة بعد ...
- اعتقال جندي أمريكي في اليابان للاشتباه بارتكابه جريمة قتل
- استقالة مسؤول السجون في ولاية تينيسي بعد فشل إعدام كريستا با ...
- عشرات الآلاف يتظاهرون في شوارع مدريد مطالبين بإجراءات بشأن ا ...
- فشل إعدام بجرعتين قاتلتين يُطيح برئيس سجون ولاية تينيسي الأم ...
- آلاف الألمان يتظاهرون في برلين وشتوتغارت ضد إعادة التسلح وال ...
- عام على اتفاق غزة: خروقات إسرائيلية مستمرة وحصار يفاقم معانا ...
- سؤال حول -فلاي دبي- واتهام بالعنصرية يفجران مؤتمر مباراة أير ...
- الولايات المتحدة.. رئيس نظام السجون في تينيسي بصدد الاستقالة ...
- مئات يتظاهرون في باريس ضد دعم أوكرانيا ويطالبون بخروج فرنسا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - عبدالله سلمان - مدنية بغداد بين تآكل الذاكرة وتغيير الهوية