أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملحمة














المزيد.....

من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملحمة


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 20:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست السياسة في إيران مجرّد إدارةٍ للقوة أو حسابٍ للمصالح، بل هي في أحد وجوهها امتدادٌ لذاكرة إمبراطورية وخيالٍ ثقافي يرى العالم مسرحاً دائماً للصراع بين المجد والانكسار. ومن هنا يصعب فهم الخطاب الإيراني المعاصر، خصوصاً في لحظات الضغط والتراجع والهزيمة من دون الإصغاء إلى ذلك الصوت البعيد الآتي من عمق الثقافة الفارسية" صوت الملحمة".
في الوجدان الفارسي، لم تكن الشاهنامة للفردوسي مجرّد نصّ شعري خالد، بل خزّاناً رمزياً للهوية وصناعة معنى القوة. ففي عالم الفردوسي لا يُقاس البطل بما يملكه من أدوات مادية فقط، بل بقدرته على تحويل الألم إلى كرامة، والخسارة إلى حكاية، والحصار إلى امتحانٍ أخلاقي للتاريخ. وهنا تتجلّى قدرة اللغة على ترميم ما تكسره السياسة، وتحويل الانكسار إلى صورةٍ من صور المجد.
هذا الإرث الملحمي يجد صداه في الخطاب السياسي الإيراني الحديث، حيث تُقدَّم المواجهة مع الولايات المتحدة لا بوصفها صراعاً بين قوتين غير متكافئتين، بل كفصلٍ جديد من فصول الصمود الأسطوري. وحين تكشف الوقائع حدود القدرة، يتدخل الخطاب ليعيد تسمية الأشياء: لا يعد التراجع تنازلاً، بل حكمة؛ ولا تصبح التسوية اضطراراً، بل نصراً؛ ولا تظهر مذكرة التفاهم كوثيقة فرضتها موازين القوة، بل كدليل على ثبات الإرادة وانتصار الرواية.
غير أن الملحمة، حين تنتقل من الشعر إلى السياسة، تفقد براءتها. فهناك لحظة يصبح فيها الخطاب غطاءً على الخراب، وتصبح البطولة لغةً لتعويض العجز لا لتفسير القوة. في تلك اللحظة يظهر التناقض الإيراني واضحاً: زعامات تُقتل، وقادة يُصفَّون، وسلاح يُدمَّر، ومشروع نووي كان يُقدَّم بوصفه ذروة الحلم التاريخي ينتهي إلى حدود مذكرة تفاهم ووقف حرب ومع ذلك، يخرج الخطاب الرسمي ليعلن النصر، لا بوصفه حقيقة مادية بل بوصفه ضرورة نفسية وسياسية لحماية صورة الدولة أمام شعبها وخصومها.
إيران اليوم لا تقاتل خصومها وحدهم، بل تقاتل الهزيمة الكامنة في ذاتها؛ فكلما ضاقت عليها الوقائع، حاولت أن تهرب من الهزيمة إلى بلاغة الانتصار. وحين تحضر الخسائر في القادة والسلاح والمشروع، لم تعد المعركة مع الخارج فقط، بل مع الداخل أيضاً: مع اعترافٍ مؤجل بأن الهزيمة لم تكن طارئة على الميدان، بل كانت متجذّرة في بنية الوهم، وفي خطابٍ يصرّ على تسمية الانكسار صموداً، والتراجع حكمة، والنجاة نصراً.
أما مذكرة التفاهم، التي يمكن أن تُقرأ كخروج من مأزق ثقيل الكلفة، فتُرفع خطابياً إلى مرتبة الفتح الدبلوماسي. وهكذا تصبح الدولة قادرة على تحويل الانكسار إلى مشهد احتفالي، لا لأنها غيّرت الوقائع، بل لأنها أعادت تسميتها.
والأكثر دلالة في هذه المذكرة ليس ما كُتب فيها فقط، بل ما غاب عنها أيضاً. فالشعارات الكبرى التي ملأت الخطاب الإيراني لعقود، من القدس إلى فلسطين، ومن تحرير المستضعفين إلى مواجهة الاستكبار، لم تجد لها مكاناً في ثنايا الوثيقة. وحين تغيب هذه الشعارات عن لحظة التسوية، فإن الغياب نفسه يصبح اعترافاً صامتاً بحدود عجزهم في مواجهة الاخر .
لقد كانت فلسطين والقدس في الخطاب الإيراني عنواناً للشرعية الثورية ورمزاً أخلاقياً تتكئ عليه الدولة في صراعها مع خصومها. لكن حين حضرت ساعة المذكرة، تراجع الرمز وبقيت مصلحة النظام. اختفت القدس من النص، وغابت فلسطين عن شروط التفاهم ولم يبقَ من اللغة الكبرى إلا ما يصلح للاستهلاك الداخلي بعد انتهاء المعركة.
ولعلّ أخطر ما كشفته المذكرة أنّ الخطاب لم يكن مرآةً للقوة، بل ستاراً على هشاشتها. فحين سقطت الشعارات من متن الوثيقة، ظهر أن كثيراً من الشعارات الكبرى كان يُستخدم لحماية النظام أكثر مما كان يُستخدم للدفاع عن القضايا التي يرفعها.
وهنا تتضح الهزيمة في معناها الأعمق: ليست الهزيمة فقط في تدمير السلاح أو اغتيال القادة أو نهاية المشروع النووي، بل في سقوط الشعارات عند أول اختبارٍ وجودي. فالخطاب الذي كان يتحدث باسم الأمة انتهى إلى التفاوض باسم بقائه، والدولة التي رفعت راية القدس وجدت نفسها أمام وثيقة لا تحمل من القدس شيئاً.
في النهاية، لا تنتصر الدول بما تقوله عن نفسها، بل بما يبقى لها بعد سكون الضجيج. وما بقي لإيران لم يكن نصراً، بل رواية عن نصر. لم تهزم أميركا في ميزان القوة، بل حاولت هزيمتها في شاشة الإعلام. لم تنتصر الشعارات بل اختفت حين حضرت الوثيقة. ولم تحفظ الدولة مشروعها كما أرادت، بل خرجت منه مثقلة بالشروط والندوب.
الهزيمة هنا ليست شتيمة سياسية، بل وصفٌ لواقعٍ لا تستطيع البلاغة أن تمحوه. فقد تستطيع اللغة أن ترفع الركام إلى مرتبة الملحمة، لكنها لا تعيد بناء ما تهدّم. وتستطيع الدعاية أن تصنع بطلاً من التعب، لكنها لا تطعم الجائع، ولا تعيد القائد القتيل، ولا ترمم السلاح المدمر
وهكذا تبدو إيران في هذا المشهد منتصرةً في خطابها، مهزومةً في واقعها؛ كسبت حكايةً ترويها لجمهورها، وخسرت معركةً تشهد عليها الوقائع. وتنتهي الملحمة الحديثة لا بانتصار رستم، بل ببيانٍ سياسي يحاول أن يجعل الهزيمة قابلة للتصديق بوصفها نصراً.
ليست قوة الدولة في ضجيج خطابها، بل في قدرتها على الصمود أمام امتحان الواقع. فان مراحل تنفيذ مذكرة التفاهم ستكشف أن إيران، مهما استعارت من الشاهنامة روح الفردوسي وصوت الملحمة، لم تكن إلا نمراً من ورق صنعته الدعاية وبدّدته عاصفة الحقيقة.



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطاب نعيم قاسم: قراءة في مؤشرات المرحلة المقبلة
- هل السياسة بلا أخلاق؟ تفكيك وهم الواقعية المطلقة في العلاقات ...
- الحرب مع إيران: صراع استراتيجيات لا ملفات قوة
- خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استر ...
- احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهي ...
- كتاب جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة
- تباين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تجاه مستقبل إيران
- كان العراق مباحًا… فكيف صار الدفاع عن إيران أولوية؟
- الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سياد ...
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...
- وهم التفاؤل السياسي يصنع آمل زائف
- حين يحتقر الأبناء مجد الآباء، تيهٌ في دوامة الضياع
- السيادة المفقودة في العراق: اتفاقية خور عبد الله التميمي أنم ...
- تفاقية خور عبد الله التميمي المزعومة في ضوء اتفاقية فيينا وا ...
- العقيدة التفاوضية الإيرانية بين فقه الخميني والمصلحة السياسي ...
- أزمة الكادر السياسي في العراق مقاربة نقدية في ضوء فكر ديمترو ...
- طفولية المعارضة العراقية


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملحمة