أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سيادة الحلفاء بالقوة














المزيد.....

الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سيادة الحلفاء بالقوة


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في لحظة دولية تتزايد فيها التوترات الجيوسياسية وتتعاظم فيها أهمية المواقع الاستراتيجية تبرز أزمة غرينلاند كأكثر من مجرد ملف سياسي عابر فهي ليست خلافًا دبلوماسيًا تقليديًا بين الولايات المتحدة والدنمارك بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقات داخل المنظومة الغربية ولمدى التزام القوى الكبرى بقواعد السيادة والتحالف.
إن الحديث عن فرض اتفاقات أمنية تتجاوز العاصمة الدنماركية أو التلويح باستخدام أدوات الضغط القسري تحت ذريعة الأمن القومي يضع العالم أمام مشهد مقلق، حليف تاريخي يجد نفسه في مواجهة منطق القوة الصادر من أقرب شركائه. وهنا لا تعود الأزمة مرتبطة بغرينلاند وحدها بل تمتد لتطال مصداقية الناتو نفسه ومعنى التحالف في زمن تتقدّم فيه المصالح على المبادئ.
تمثّل غرينلاند اليوم نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة الأمن العالمي نظرًا لموقعها في القطب الشمالي وما يتيحه من سيطرة على طرق بحرية جديدة وثروات طبيعية هائلة. ومع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في هذه المنطقة باتت الجزيرة تتحول من إقليم يتمتع بالحكم الذاتي إلى ورقة ضغط في لعبة النفوذ الدولي.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاهتمام الأمريكي بغرينلاند فهذا أمر مفهوم في سياق الصراع العالمي بل في الأسلوب الذي يُطرح به هذا الاهتمام، تجاوز الدولة الأم والحديث عن ترتيبات أمنية أو سيادية تُفرض من الأعلى بما يشبه التعامل مع أراضٍ بلا مرجعية سيادية.
ان العلاقات الدولية الحديثة تقوم على مبدأ واضح، لا أمن مستدام بلا احترام للسيادة. لكن ما تطرحه الأزمة الحالية يعكس منطقًا مختلفًا يقوم على أن الضرورات الأمنية للقوة الكبرى تبرّر تجاوز سيادة الحلفاء.
هذا المنطق يحمل تناقضًا جوهريًا فالولايات المتحدة التي تدعي الدفاع عن القانون الدولي في مواجهة خصومها تبدو مستعدة لتعليق هذه القواعد حين تتعارض مع أولوياتها الاستراتيجية. وهنا تتجلى الانتقائية الاستراتيجية في أوضح صورها، احترام السيادة عندما تخدم الخطاب السياسي وتجاوزها عندما تعيق المصالح.
تضع هذه التطورات الناتو أمام لحظة حرجة. فالحلف الذي تأسس على مبدأ الدفاع المشترك يجد نفسه اليوم أمام سابقة غير مألوفة، دولة عضو تُواجَه بضغط سياسي وأمني من دولة عضو أخرى.
هذا الواقع يبعث برسالة مقلقة إلى بقية أعضاء الحلف مفادها أن ميزان القوة قد يتقدّم على منطق الشراكة. وإذا كانت الدنمارك بتاريخها الطويل في التحالف مع واشنطن ليست بمنأى عن هذا الضغط فإن دولًا أخرى ستبدأ بإعادة تقييم موقعها داخل المنظومة الأطلسية ليس من زاوية الحماية فقط بل من زاوية الكلفة السياسية للانتماء.
تتمثل أولى هذه الانعكاسات في تآكل الثقة بين الحلفاء وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي تحالف عسكري. فالقوة العسكرية بلا ثقة سياسية تتحول إلى عبء بدل أن تكون ضمانة.
كما تهدد الأزمة بإحداث انقسام داخلي بين دول ترى في الناتو شراكة قائمة على القانون ودول أخرى تتعامل معه كأداة تخدم مصالح القيادة الأقوى. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الانقسام إلى شلل في آليات اتخاذ القرار خاصة في القضايا المصيرية التي تتطلب إجماعًا.
الأخطر من ذلك أن الأزمة تخلق سابقة دولية تسمح بتبرير سياسات مشابهة في مناطق أخرى من العالم ما يضعف الأساس الأخلاقي والسياسي الذي يستند إليه الغرب في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد.
ان أزمة غرينلاند تكشف التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام الغربي اليوم لا يكمن فقط في خصومه التقليديين بل في قدرته على التوفيق بين القوة والمبدأ، بين المصلحة والسيادة. فالتحالفات لا تُقاس بميزان السلاح وحده بل بميزان الثقة والاحترام المتبادل.
وإذا استمر منطق الانتقائية الاستراتيجية في توجيه السلوك الأمريكي فإن الناتو قد يجد نفسه أمام مفارقة خطيرة تحالفا عسكريًا، ضعيف سياسيًا قادر على ردع الخصوم لكنه عاجز عن طمأنة أعضائه.
ان ازمة غرينلاند ليست هي القضية الأساسية بل مستقبل فكرة التحالف نفسها، هل تبقى شراكة بين دول ذات سيادة متساوية أم تتحول إلى منظومة تُدار بمنطق القوة حيث يُطلب من الحلفاء الامتثال أكثر مما يُطلب منهم المشاركة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير أزمة غرينلاند بل شكل النظام الدولي في السنوات القادمة.
اما على صعيد الحرب الأوكرانية تشكل أزمة غرينلاند خطرًا مباشرًا على الموقف الغربي منها، لأن أي تصدّع في وحدة الناتو ينعكس فورًا على قدرة الحلف في مواجهة روسيا. فالدعم الغربي لأوكرانيا يقوم أساسًا على تماسك الجبهة الأطلسية سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا وأي خلاف عميق بين الولايات المتحدة وحليف أوروبي مركزي كالدنمارك سيضعف الرسالة التي يوجّهها الناتو إلى موسكو.
وفي هذا السياق تكتسب تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميتة فريدريكسن دلالة بالغة حين حذّرت من أن استحواذ ترامب على غرينلاند "سينهي كل شيء"، في إشارة واضحة إلى أن المسألة لا تتعلق بجزيرة بل بمستقبل الناتو والتحالفات الاستراتيجية بأكملها فإذا باتت الدول الحليفة تخشى من سياسات الإكراه داخل المعسكر نفسه فإن وحدة الموقف في دعم أوكرانيا ستتآكل وستجد روسيا في ذلك فرصة استراتيجية لإعادة رسم ميزان القوة في أوروبا.
يسعى ترامب وفق هذا المنطق إلى إعادة تعريف القوة الأمريكية لا كقيادة عالمية مسؤولة بل كقوة توسعية تفرض نفوذها بمنطق الإمبراطورية لا الشراكة. وهذا التحوّل إن ترسّخ لا يبشّر بعالم أكثر أمنًا بل بمستقبل مظلم تُدار فيه العلاقات الدولية بالقوة لا بالقانون بما يهدد استقرار النظام العالمي ووجوده. وما اشبه هذا الحال بما مر به العالم من ظروف مماثلة قبيل الحرب العالمية الثانية .



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...
- وهم التفاؤل السياسي يصنع آمل زائف
- حين يحتقر الأبناء مجد الآباء، تيهٌ في دوامة الضياع
- السيادة المفقودة في العراق: اتفاقية خور عبد الله التميمي أنم ...
- تفاقية خور عبد الله التميمي المزعومة في ضوء اتفاقية فيينا وا ...
- العقيدة التفاوضية الإيرانية بين فقه الخميني والمصلحة السياسي ...
- أزمة الكادر السياسي في العراق مقاربة نقدية في ضوء فكر ديمترو ...
- طفولية المعارضة العراقية
- بريطانيا. راعية النظام الطائفي في العراق ومخططها لتدجين المع ...
- بريطانيا.. راعية النظام الطائفي في العراق وأساليبها في تدجين ...
- الزمن الجميل: بين السردية التاريخية والتعايش المجتمعي
- قرأة في القانون والفقه الدستوري
- تعريف كتاب الديمقراطية في العراق بين النظرية والتطبيق
- الانتخابات الامريكية ووسائل ادارة النفوذ في العالم
- من احتلال بغداد الى دمــار غزة
- السطو الاعظم
- المقترح الامريكي لانهاء العدوان على غزة لماذا الان ؟


المزيد.....




- مع تصاعد الاحتجاجات.. هل غيرت منصة -إكس- علم إيران إلى نسخته ...
- هكذا تغيرت خريطة السيطرة على الأرض في اليمن
- مسؤولون أميركيون سابقون: غزو غرينلاند سيكون حماقة إستراتيجية ...
- ترامب: سنتولى أمر غرينلاند -باللين أو بالشدة-
- كوريا الشمالية: سول انتهكت مجالنا الجوي بطائرة مسيّرة
- ترامب: الرئيس الكولومبي سيزور البيت الأبيض الشهر المقبل
- -ترامب السعيد-.. رئيس أمريكا يفسر ارتداء دبوس يحمل صورته خلا ...
- جماجم وعظام وأقدام محنطة.. رجل من بنسلفانيا يواجه تهمًا بسرق ...
- المغرب يتأهل إلى نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية
- كأس الأمم الأفريقية 2025 : المغرب يتأهل الى نصف النهائي بعد ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سيادة الحلفاء بالقوة