أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهيار الشرق الأوسط















المزيد.....

احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهيار الشرق الأوسط


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 20:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ان التحليلات السياسية الكبرى تعاني الان من معضلة تعمد غياب الأسباب الاصيلة للحرب القائمة لانها تذهب الى اختيار الأسباب التي يسهل تلقفها واستبعاد جذر المشكلة لتجنب ما يترتب على ذلك الاعتراف بها وتقديم حساب تاريخي وأخلاقي واستراتيجي. ولهذا نقراء في معظم الكتابات عن الشرق الأوسط بأحاديث الطائفية والتطرف والتدخلات الإقليمية وفشل الدولة الوطنية فيما يظل الحدث الأشد مركزية والأكثر تأسيسًا لما جرى لاحقًا مطويًا على نحو يثير الريبة وهو احتلال العراق عام 2003.
ذلك أن كثيرًا من المحللين يقرأون كوارث المنطقة من نهاياتها لا من بداياتها ومن نتائجها لا من لحظة تشكلها الأولى. فيتوقفون طويلًا عند الميليشيات والانقسام الأهلي وصعود التنظيمات المتطرفة و التدخلات الخارجية، لكنهم يمرون مرورًا باهتًا على اللحظة التي أطلقت هذه السلسلة كلها من عقالها. والحقيقة أن احتلال العراق لم يكن مجرد حرب ضمن حروب ولا مجرد تغيير نظام سياسي في دولة عربية كبرى بل كان الصدمة المؤسسة التي تبدلت معها بنية النظام الإقليمي وخرجت بعدها المنطقة من طور الاختلال المزمن إلى طور التفكك المفتوح.
ليس المقصود بذلك اختزال التاريخ في لحظة واحدة ولا ردّ كل ما جرى إلى سبب وحيد. غير أن بعض الوقائع تتجاوز تاثيرها المباشر وتصبح بما أحدثته من كسر في التوازنات نقطة انعطاف يتغير عندها كل شيء. ان احتلال العراق كان من هذا النوع النادر من الأحداث الذي لم يضرب دولة بعينها وحسب بل أعاد تشكيل المجال الإقليمي من حولها وحرّر تناقضات كانت محسوبة وفتح أبوابًا كان الإقليم على هشاشته لا يزال قادرًا على إبقائها موصدة.
صحيح ان الشرق الأوسط قبل عام 2003 لم يكن مستقرًا لكنه لم يكن قد دخل بعد طور الانهيار الشامل كان يتحرك ضمن بنية دولة ما تزال قائمة وضمن موازين ردع تكبح الانفجار الكامل وضمن مفهوم للسيادة مهما تعرض للتآكل والتكلس لم يكن قد انهار نهائيًا. وحين وقع الغزو الأمريكي للعراق لم يُسقط نظامًا فقط بل ضرب واحدة من أهم ركائز التوازن العربي والإقليمي وجرّد المنطقة من أحد أعمدتها الثقيلة ثم ترك آثار ذلك تتوالد على امتداد السنوات.
كان العراق بحكم موقعه وموارده وتكوينه الديموغرافي ووظيفته الاستراتيجية أكثر من دولة وطنية ذات شأن داخلي، كان مفصلًا جيوسياسيًا بين الخليج والمشرق وبين العمق العربي والتركي والإيراني وبين التوازنات الأمنية والنفطية والعسكرية في المنطقة ولهذا فإن تدميره لم يكن حدثًا عراقيًا خالصًا. وان ما وقع فيه لم يبقَ محصورًا ضمن حدوده بل خرج من بغداد إلى الشرق الأوسط كله ثم استقر في وعي المنطقة بوصفه لحظة فقدان كبرى فقدان الدولة وفقدان الردع الاقليمي وفقدان الثقة بأن الكيانات المركزية ما تزال عصية على الكسر.
وإذا كان الغزو في حد ذاته كارثة فإن ما تلاه كان أشد فتكًا وأوسع أثرًا. فالمصيبة لم تكن في إسقاط السلطة وحدها بل في تفكيك الدولة، حلّ الجيش، إضعاف المؤسسات، وإعادة تركيب الحياة السياسية على أسس طائفية وعرقية لا وطنية. وحين تُكسَر الدولة في قلب الشرق الاوسط فإن الفوضى لا تبقى محلية لأن الفراغ الناتج عنها لا تملؤه المؤسسات بل العصبيات ولا القانون بل السلاح ولا الإجماعات الوطنية بل الطائفية والتبعية للاجنبي.
منذ احتلال العراق لم تعد الميليشيات والتنظيمات المتطرفة مجرد ظواهر طارئة في المشهد الإقليمي بل أصبحت من النتائج البنيوية لانهيار الدولة. فحين انكسر الاحتكار الشرعي للعنف برز السلاح خارج المؤسسات بوصفه أداة سلطة ووسيلة تأثير لا مجرد انحراف أمني عابر. وفي ظل الفراغ الذي خلّفه الاحتلال تشكلت بيئة مثالية لصعود الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة معًا، باعتبارها نتاج مباشر لخراب الدولة وتفكك المجتمع. وما شهدته المنطقة لاحقًا لم يكن سوى امتداد لذلك النموذج الذي بدأ في العراق ثم تجاوز حدوده.
غير أن الأثر الأعمق لاحتلال العراق لم يكن فقط في إنتاج الفوضى الداخلية بل في تغيير قواعد الصراع الإقليمي نفسها. فقد انتقل الشرق الأوسط بعد 2003 من منطق الصراع بين الدول إلى منطق الصراع داخل الدول وعبرها. لم تعد المواجهة محصورة بين جيوش ونظم سياسية بل باتت تدور في المدن والأحياء والحدود الرخوة والولاءات الممزقة. وصار الوضع الوطني نفسه ميدانًا مفتوحًا للتنافس الإقليمي والدولي بحيث تداخلت الحرب الأهلية مع الحرب بالوكالة واختلط المحلي بالإقليمي على نحو غير مسبوق. وهذه نقلة كبرى قلّما تحظى بما تستحقه من الانتباه عند قراءة تحولات المنطقة.
ومن هنا لا تعود مسؤولية ما جرى محصورة في الولايات المتحدة وحدها رغم أنها تتحمل المسؤولية المباشرة والأكبر بوصفها القوة التي قادت الحرب وفرضت منطق ما بعد الاحتلال. لكن الكارثة العراقية في معناها الإقليمي لم تكن صناعة طرف واحد فلقد تداخلت فيها إرادات متعارضة ومتقاطعة التقت بدرجات مختلفة عند لحظة إحتلال العراق و استثمار في نتائجه.
ان الولايات المتحدة وقد جاءت إلى بغداد بوهم إعادة هندسة الشرق الأوسط لم تكتفِ بإزالة نظام سياسي بل فتحت الباب بعنف القوة وغرور الكابوي أمام أكبر عملية تدمير لدولة مركزية في الإقليم الحديث. أما إيران فقد رأت في سقوط العراق فرصة استراتيجية نادرة لإعادة التموضع في المجال العربي مستفيدة من غياب قوة كانت تمثل تاريخيًا وجيوسياسيًا أحد أهم موانع تمددها. ولم يكن هذا مجرد انتهاز لفراغ مفاجئ بل تحول لاحقًا إلى بنية نفوذ راسخة ساهمت في إعادة تشكيل العراق والمنطقة معًا.
أما إسرائيل فقد كانت من كبار المستفيدين من تحطيم دولة عربية محورية كانت تشكل مهما تبدلت الظروف عنصرًا مهمًا في معادلات الردع الإقليمي ، فإخراج العراق من ميزان القوة لم يكن حدثًا عابرًا في البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية بل مكسبًا بالغ الأهمية في شرق أوسط تتقدم فيه مصلحة التفكيك على مصلحة التوازن ويصبح فيه انشغال الدول العربية بداخلها أفضل ضمانة لعجزها عن إنتاج أي وزن إقليمي مستقل.
ودول الخليج بدورها لا يمكن إعفاؤها من سوء التقدير التاريخي الذي صاحب تلك اللحظة و لازالت أسيرة ذلك فقد رأت هذه الدول في إسقاط العراق إزاحةً لخصم قديم أو تخفيفًا لعبء استراتيجي لكنها لم تدرك أن سقوط الدول الكبرى لا يفضي إلى الطمأنينة بل إلى فراغات مسلحة وأطماع متشابكة وأخطار أكثر سيولة وأشد استعصاء على الاحتواء. وما بدا لبعضها آنذاك خلاصًا من تهديد معلوم انقلب لاحقًا إلى انفتاح على تهديدات أكثر تشظيًا وغموضًا وامتدادًا.
لكن يبقى السؤال الأكثر اهمية لماذا يتجنب كثير من المحللين وضع احتلال العراق في قلب تفسيرهم لما آلت إليه المنطقة؟ لأن هذا الاعتراف ينسف الراحة الفكرية التي توفرها التفسيرات الجزئية. فمن الأسهل القول إن الطائفية هي السبب بدل الاعتراف بأنها فُعّلت سياسيًا على أنقاض الدولة العراقية. ومن الأسهل الحديث عن الإرهاب بوصفه شرًا معلقًا في الهواء بدل ربطه بالفراغ والعنف والإذلال الذي أنتجه الاحتلال. ومن الأسهل تحميل التدخلات الإقليمية المسؤولية وكأنها نشأت في الفراغ بدل الاعتراف بأن العراق كان الباب الذي فُتح، ثم عجز الجميع عن إغلاقه.
إن استبعاد احتلال العراق من تحليل انهيار الشرق الأوسط ليس مجرد نقص في القراءة بل هو إخفاء للحظة الأصل. أي محاولة لجعل النتائج تبدو كأنها بلا جذر سياسي واضح وكأن الفوضى هبطت على المنطقة دفعة واحدة بلا حدث مؤسس ولا قرار تاريخي ولا مسؤوليات قابلة للتسمية. والحقيقة على قسوتها أكثر وضوحًا من ذلك كله ان الشرق الأوسط الحديث بدآت صورته المنهارة يوم جرى تحطيم العراق دولةً ومؤسساتٍ وتوازنًا ثم تُركت المنطقة لتعيش داخل الظل الطويل لذلك الانهيار.
ان حروب المنطقة اليوم تبدو في ظاهرها صراعات متقابلة بين قوى متنازعة ومتضررة في آن واحد فإن المفارقة الأعمق أن هذه القوى كان قد أسهمت بصورة مباشرة في إلحاق الأذى بالعراق و احتلاله وما تلاها. فالولايات المتحدة قادت عملية التدمير وإيران استثمرت في الفراغ الذي أعقبها وساهمت بجهد كبير في الاحتلال وإسرائيل استفادت استراتيجيًا من إسقاط دولة عربية مركزية فيما أخطأت قوى إقليمية أخرى وخصوصًا في الخليج حين تعاملت مع إضعاف العراق بوصفه فرصة أو عبئًا يمكن احتماله. بذلك، لم تكن الأطراف التي تتواجه اليوم بريئة من الكارثة الأصلية بل كانت جزءًا أساسا من البيئة التي سمحت بتحطيم العراق وإخراجه من معادلة التوازن. ومن هنا فإن ما تعيشه هذه القوى اليوم من استنزاف وقلق وتكلفة استراتيجية ليس منفصلًا عن تلك اللحظة بل هو في جانب منه ارتداد متأخر للأذى الذي أُلحق بالعراق. وجميع هذه الدول تدفع اليوم ثمن احتلال العراق .
وما يتجنبه كثير من المحللين ليس حدثًا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل أصل الحكاية نفسها، أن انهيار الشرق الأوسط بدأ من بغداد.



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة
- تباين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تجاه مستقبل إيران
- كان العراق مباحًا… فكيف صار الدفاع عن إيران أولوية؟
- الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سياد ...
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...
- وهم التفاؤل السياسي يصنع آمل زائف
- حين يحتقر الأبناء مجد الآباء، تيهٌ في دوامة الضياع
- السيادة المفقودة في العراق: اتفاقية خور عبد الله التميمي أنم ...
- تفاقية خور عبد الله التميمي المزعومة في ضوء اتفاقية فيينا وا ...
- العقيدة التفاوضية الإيرانية بين فقه الخميني والمصلحة السياسي ...
- أزمة الكادر السياسي في العراق مقاربة نقدية في ضوء فكر ديمترو ...
- طفولية المعارضة العراقية
- بريطانيا. راعية النظام الطائفي في العراق ومخططها لتدجين المع ...
- بريطانيا.. راعية النظام الطائفي في العراق وأساليبها في تدجين ...
- الزمن الجميل: بين السردية التاريخية والتعايش المجتمعي
- قرأة في القانون والفقه الدستوري
- تعريف كتاب الديمقراطية في العراق بين النظرية والتطبيق


المزيد.....




- ألسنة اللهب تلتهم مبنى محكمة تاريخية في جورجيا
- واقعة تعود لعام 1972.. إدانة بيل كوسبي باعتداء جنسي وتعويض ي ...
- تفاصيل -مكالمة سرّية- بين ويتكوف وعراقجي.. ومصدر إيراني يكشف ...
- -ليس مجتبى خامنئي-.. مع أي شخصية إيرانية غامضة تتحادث مع واش ...
- حرب إيران قد تؤدي إلى موجة غلاء عالمية
- -وأنت كيف حالك؟-: تسجيل تفاصيل الحرب في لبنان بالرسم والكلما ...
- كيف تحوَّل العراق إلى -مركز ثقل- لإيران في الحرب؟
- -ناسا- تخطط لإنفاق 20 مليار دولار لبناء قاعدة على سطح القمر ...
- فولكسفاغن تحول أحد مصانعها من السيارات لأنظمة القبة الحديدية ...
- أميركا تصعد عسكريا في إيران وتفتح باب التفاوض


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهيار الشرق الأوسط