أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - حرية الإيمان وحماية الهوية الوطنية














المزيد.....

حرية الإيمان وحماية الهوية الوطنية


عبدالله سلمان
كاتب وباحث

(Abdallah Salman)


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 14:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن حرية الإيمان حق إنساني أصيل فلا يكون الإيمان صادقًا إذا فُرض بالقوة والتدليس ولا يمكن ان تكتسب العقيدة قيمتها من الإكراه أو التقليد الأعمى المتخلف بل من قناعة الإنسان ووعيه. لذلك لا يجوز أن نفتش في ضمائر الناس أو نحاسبهم على ما يعتقدون ما دامت تلك المعتقدات لا تتحول إلى أذى أو عدوان أو تهديد للمجتمع او الاضرار بهويته الوطنية.
لكن حرية الاعتقاد لا تعني الفوضى ولا تبيح إدخال ممارسات غريبة وطقوس سيخية ومجوسية وبوذية إلى المناسبات الدينية والاجتماعية في العراق بما يسيء إلى هويته وشخصيته التاريخية. وهنا يمكننا القول (من حق الإنسان أن يؤمن بما يشاء، حتى لو آمن بحجر، لكن ليس من حقه أن يرمي هذا الحجر على الآخرين)، أو يجعله وسيلة لإيذاء المجتمع وتمزيق هويته الوطنية. فالاعتقاد الخاص حق أما تحويله إلى أداة استفزاز أو تشويه للمجتمع فهذه ليست حرية بل اعتداء على معنى الحرية ذاتها .
إن الدفاع عن الهوية العراقية ليس رفضًا للآخر ولا كراهية للثقافات المختلفة ولا انتماءا مذهبيا بل هو دفاع عن ذاكرة وطن وشخصية شعب. فالعراق ليس أرضًا بلا تاريخ ولا مساحة فارغة يمكن أن تُملأ بأي طقوس أو تقاليد وافدة من مواقع التخلف ، بل وطن عميق الجذور تشكلت شخصيته عبر حضارات وادي الرافدين، وامتداده العربي والإسلامي، وتنوعه الأصيل وعاداته الاجتماعية التي صنعت الإنسان العراقي عبر قرون طويلة.
وهنا تتجلى لنا أهمية رؤية ابن خلدون *1 في فهمه العميق لطبيعة المجتمع والدولة، إذ لم يرَ الدولة مجرد سلطة تحكم الناس بل عمرانًا لا يقوم إلا على رابطة جامعة تمنح الجماعة تماسكها ومعناها. فالمجتمع في نظره، لا يبقى حيًا بمجرد وجود الأفراد بل بوجود شعور مشترك يربطهم بتاريخ واحد ومصير واحد.
ان الهوية الوطنية ليست شعارا سياسيًا عابرا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء المجتمع. فهي الذاكرة التي تحفظ وعيه والرابطة التي تمنع تفككه والمعنى الذي يجعل أفراده يشعرون بأنهم ينتمون إلى وطن لا إلى مساحة جغرافية فقط. فإذا ضعفت هذه الهوية بالخرافات والجهل ، أصبح المجتمع قابلًا للاغتراب من روحه وأكثر استعدادًا لقبول كل ما يهدد ذاكرته ووحدته واستقراره.
إن الخطر لا يأتي دائمًا من الصراعات العنيفة ، بل ياتي من ابعاد المجتمع عن هويته، ومن جعل أبنائه عاجزين عن تعريف أنفسهم إلا بما يستورده من خرافات دخيله على حدوده وثقافته واعرافه . وتزداد خطورة ذلك حين ينتشر الجهل ويضعف الوعي فيصبح البعض أكثر قابلية لتقبّل ممارسات غريبة بوصفها تدينًا أو طقوس عبادة من غير تمييز بين ما يثري الهوية وما يشوهها. فالجهل لا يهدد التعليم وحده بل يهدد الذاكرة الوطنية أيضًا وهذا ما يستند اليه أصحاب الغايات المظلمة .
إن الجهل الممنهج المتبع اليوم في العراق لا ينتج فراغًا معرفيًا فحسب، بل يصنع قابلية اجتماعية لقبول ما يجري اليوم من طقوس دخيلة وممارسات منافية للقيم العراقية الدينية والاجتماعية ،ما يجعل معركة الهوية معركة وعي قبل أن تكون معركة شعارات ، معركة ضد المؤامرة .
وفي المقابل، يضع جون ستيوارت مِل *2 في كتابه عن الحرية مفهوم جاد، وهي ( أن حرية الفرد تُحترم ما دامت لا تسبب ضررًا للآخرين). وهذا المبدأ يساعدنا على التمييز بين حرية الضمير المشروعة وبين الفعل المؤذي والتالف للهوية الوطنية. فالإنسان حر في اعتقاده لكن هذه الحرية تتوقف حين تتحول إلى ضرر اجتماعي أو تشويه للهوية أو اعتداء على السلم المجتمعي .
إن صيانة الهوية العراقية لا تعني الانغلاق أو رفض الآخر، بل تعني امتلاك وعي نقدي يميز بين التفاعل الحضاري النافع والاستلاب الثقافي الذي يمحو الخصوصية. فالعراق يستطيع أن ينفتح على العالم في مجالات العلم والإدارة والقانون والتكنولوجيا، وأن يستفيد من تجارب الأمم في بناء الدولة والإنسان، لكنه ليس مطالبًا بأن يستورد طقوسًا أو ممارسات لا تنبع من تاريخه ولا تعبّر عن وجدانه الاجتماعي. فالانفتاح الحقيقي يضيف إلى شخصية الوطن ويقوّيها، أما التقليد الأعمى المتخلف فيحوّل المجتمع إلى تابع فاقد لذاكرته وروحه.
ان الصراع في العراق اليوم ليس من اجل الخدمات وطبيعة النظام السياسي فحسب بل معركة وعي وهوية. فمنذ الاحتلال تعرّض العراق لاختراقات سياسية وثقافية عميقة، ساهمت في إنهاء الدولة وانتشار الجهل واضعاف الوعي الوطني. وهذا الواقع لا يخدم إلا من يريد عراقًا ضعيفًا، مشتتًا غارقًا في ظلام العقول عاجزًا عن النهوض والدفاع عن شخصيته التاريخية.
فإن حماية الهوية العراقية ضرورة وطنية وأخلاقية، لا ترفًا فكريًا ولا تعصبًا ضد الآخرين. فالعراق لا ينهض باستيراد طقوس غريبة منافية لقيمه الدينية والاجتماعية والأخلاقية ، ولا بافراغ مناسباته من معناها، بل بالعلم والوعي وصيانة الذاكرة وبناء الإنسان. فالحرية مسؤولية والإيمان الصادق طمأنينة لا أذى، والانفتاح لا يكون قوة إلا حين يحفظ روح الوطن وهويته .
آمن بما تشاء، لكن لا تؤذِ بما تؤمن به ولا تهدم بيتك تحت سقف احياء المناسبات. فالحرية الحقيقية مسؤولية وللعراق حق أن يبقى عراقًا أصيلًا وحرًا بلا فوضى.
-----
1. ابن خلدون: مؤرخ وفيلسوف اجتماعي عربي، تناول في كتابه المقدمة نشوء الدول وسقوطها، وبيّن أهمية الرابطة الاجتماعية أو العصبية في حفظ تماسك المجتمع والعمران.
2. جون ستيوارت مِل: فيلسوف سياسي إنجليزي، أكد في كتابه عن الحرية أن حرية الفرد تُحترم ما دامت لا تسبب ضررًا للآخرين، وهو ما يُعرف بـ"مبدأ الضرر"



#عبدالله_سلمان (هاشتاغ)       Abdallah_Salman#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الشاهنامة إلى مذكرة التفاهم: الهزيمة حين تُروى بوصفها ملح ...
- خطاب نعيم قاسم: قراءة في مؤشرات المرحلة المقبلة
- هل السياسة بلا أخلاق؟ تفكيك وهم الواقعية المطلقة في العلاقات ...
- الحرب مع إيران: صراع استراتيجيات لا ملفات قوة
- خطاب ترامب وسياسة أميركا في الشرق الأوسط ، قوة بلا رؤية استر ...
- احتلال العراق 2003: السبب الذي يتجنبه المحللون في تفسير انهي ...
- كتاب جدلية العلاقة بين الاخلاق والسياسة
- تباين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تجاه مستقبل إيران
- كان العراق مباحًا… فكيف صار الدفاع عن إيران أولوية؟
- الانتقائية الاستراتيجية الأمريكية: أزمة غرينلاند وتحدّي سياد ...
- ليكن عام 2026: القراءة أساس الكفاءة السياسية والفكرية
- الحوار الوطني خطوة لتحرير العراق واستعادة سيادته
- حكومة الكويت وسياسة استراتيجية الازمة
- الحكم اللامركزي في دولة تمر بمرحلة انتقالية: فرصة للإصلاح أم ...
- وهم التفاؤل السياسي يصنع آمل زائف
- حين يحتقر الأبناء مجد الآباء، تيهٌ في دوامة الضياع
- السيادة المفقودة في العراق: اتفاقية خور عبد الله التميمي أنم ...
- تفاقية خور عبد الله التميمي المزعومة في ضوء اتفاقية فيينا وا ...
- العقيدة التفاوضية الإيرانية بين فقه الخميني والمصلحة السياسي ...
- أزمة الكادر السياسي في العراق مقاربة نقدية في ضوء فكر ديمترو ...


المزيد.....




- فيديو يوثّق لحظة انهيار مبنى خلال زلزال مدمّر في فنزويلا.. ش ...
- فيديو من داخل طائرة يوثّق لحظة هبوطها اضطرارياً في ألاسكا
- إيران ترد على نائب ترامب بتخصيص أموالها المفرج عنها لشراء مح ...
- وزير خارجية أمريكا: إسرائيل ولبنان يقتربان جدًّا من التوصل ل ...
- فضيحة خيخون: -تآمر- ألماني نمساوي لإقصاء الجزائر، و-عنصرية- ...
- الحرس الثوري يحذر السفن من ممر عمان في هرمز وروبيو يرفض رسوم ...
- تعاريف وإجراءات.. كل ما تحتاج معرفته عن -رهاب الإسلام- في أو ...
- تصريحات عنصرية -مستفزة- من شباب ألمان.. كيف يراها مهاجرون في ...
- إيران تحيي ذكرى عاشوراء في أجواء تخيم عليها تداعيات الحرب
- فنزويلا تشيد ببرقية بوتين وإعلان روسيا استعدادها لمساعدتها ف ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله سلمان - حرية الإيمان وحماية الهوية الوطنية