أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - من حياة الموصليين وقت الأزمة (4): العودة الى الغياب














المزيد.....

من حياة الموصليين وقت الأزمة (4): العودة الى الغياب


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 00:29
المحور: الادب والفن
    


تجلس أحلام طارق على مصطبة تحاذي حواف شط العرب في البصرة، تتابع الماء والزوارق التي تشق طريقها فيه. تفصلها مئات الكيلومترات عن بيتها في الموصل، وعامان منذ أغلقته خلفها. تستعيد غرفه، والأثاث في مواضعه، وأبناءها الستة يوم كانوا يملأون أرجاءه، قبل أن تتوزع بهم الطرق.
تعود بها الذاكرة إلى حياتها في الموصل؛ إلى البيت والجيران، وإلى أيام هادئة كانت تعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي. ثم تتزاحم الصور فجأة؛ مدينة يضطرب إيقاعها، وقتال يقترب من حيها، وقرار بالخروج مع ابنتها زينب، المحامية. تتذكر تلك العجلة التي اختصرت العمر في حقيبة؛ حوت في داخلها ما خفّ حمله من الأوراق والحاجات، وتركتا وراءهما الجمل بما حمل.
تتوقف ذاكرتها عند ولديها اللذين أصرا على البقاء. يعود السؤال كلما عادت إلى تلك اللحظة: لماذا وافقت؟ تعدّل جلستها، كأنها تدافع عن نفسها أمام أمٍّ أخرى تسكنها: وهل كنت قادرة على منعهما؟ شابان اتخذا قرارهما، والمدينة تضيق بالوقت والخيارات، وهي بين خوف يدفعها إلى الرحيل وقلب يريد أن يبقى معهما.
تنظر إلى الماء أمامها. ربما وافقت على بقائهما لأنها كانت بحاجة إلى أن تصدق أن الغياب لن يطول. أقنعت نفسها بأن أيامًا قليلة ستمر، يهدأ بعدها كل شيء، فتعود إلى البيت وتجد ولديها في انتظارها. كان ذلك اليقين يخفف عنها وطأة الرحيل، ويجعل تركهما خلفها واقعا يمكن احتماله.
مرّ عامان.
ويبدأ النزوح الذي ظنته مؤقتًا في التمدد. تنتقل مع زينب من أربيل إلى البصرة، مسقط رأس زوجها المتوفى. تتغير المدينة والبيت والوجوه من حولها، بينما يبقى قلبها في الموصل، عند ولديها اللذين تركتهما هناك وهي تقنع نفسها بأن الفراق لن يطول.
ثم تأتي الأخبار بما كانت تخشاه. يعتقل داعش الولدين. ينجح الأكبر في الهرب بعد ما لاقاه من تعذيب، ويقوده طريق النجاة بعيدًا حتى يصل إلى السويد. أما الثاني، فينقطع خبره، وتبقى أحلام تبحث عن كلمة تطمئنها؛ تسأل القادمين، وتنتظر اتصالًا، وتتعلق بكل خبر يصل من الموصل، من دون أن تعرف أين هو أو ما حلّ به.
تطمئن إلى الأكبر كلما جاءها صوته من السويد. ينتهي الاتصال، فتعود عيناها إلى الهاتف تنتظران اسمًا آخر لا يظهر على شاشته. يطول الانتظار، ويبقى سؤال واحد يرافقها إلى الليل: أين ولدي؟
وإلى همّ الولدين، تحمل أحلام همّ زينب التي خرجت معها. كانت محامية تمارس عملها وتعرف طريق يومها، فإذا بها في البصرة عاجزة عن العودة إلى مهنتها أو استعادة حياتها السابقة. يلاحقها ما عاشته في الموصل؛ تضطرب في نومها، وتوقظها الكوابيس على صور الهرب والخطر، ثم تمضي نهارها مثقلة بما تركه الليل فيها.
تراقبها أحلام، فتجد ابنتها أمامها، لكنها تبحث فيها عن زينب التي خرجت معها من الموصل، فلم تجدها.
يهتز الهاتف النقال في يد أحلام. رسالة من ولدها في السويد: قوات مكافحة الإرهاب دخلت الموصل.
تقرأها مرة، ثم تعود إليها كأنها تخشى أن تكون قد أساءت فهمها. تنهض عن المصطبة، تخطو خطوات متعجلة، ثم تتوقف. الموصل تُستعاد... بيتها هناك، وولدها المفقود هناك أيضًا.
تسرع إلى الشقة، تفتح الباب وتنادي:
زينب... دخلوا الموصل!
تخرج زينب راكضة، فتعانقها أحلام. تضحكان، ثم تسكتان فجأة. فالخبر الذي يفتح أمامهما طريق العودة، يفتح في اللحظة نفسها بابًا للقلق.
تلملم أحلام حاجياتها على عجل، بالطريقة نفسها التي لملمت بها ما استطاعت يوم خرجت من الموصل. تفتح الحقيبة وتغلقها، وتعيد ترتيب أشياء لا تحتاج إلى ترتيب،. تحملها رغبة واحدة: العودة.
يتصل ولدها من السويد. يطلب منها ألا تتعجل؛ القتال ما يزال شديدًا داخل الأحياء، والمدينة مضطربة، والطريق إلى البيت أبعد من أن يُقاس بالمسافة وحدها.
تعيد الحقيبة إلى مكانها، وتبدأ أيام انتظار من نوع آخر. كان العامان الماضيان ثقيلين لأنها تجهل متى تعود، أما الآن فقد أصبحت العودة أمامها، تراها تقترب مع كل خبر، ثم تتوقف عند اسم حي أو شارع ما يزال فيه القتال.
تستيقظ صباحًا على الأخبار، وتمضي نهارها بينها وبين الهاتف، وتنام على الموصل. وكل يوم يمر يبدو أثقل من سابقه؛ فقد احتملت عامين وهي تعرف أنها بعيدة، وصار احتمال العودة قريبًا، فثقل عليها الانتظار أكثر.
تدخل أحلام الموصل، فتبحث في الطريق عن المدينة التي حملتها في ذاكرتها طوال عامين. تستقبلها أبنية محطمة، وواجهات ممزقة، وشوارع قطعتها الأنقاض. تحاول في اليوم الأول الوصول إلى بيتها، فتردها الطرق المغلقة والخراب المتراكم.
تعود في اليوم التالي. تمشي في الحي مستعينة بما بقي في ذاكرتها من الأزقة والبيوت، حتى تصل إلى المكان. تتوقف. تبحث عن الباب الذي أغلقته خلفها، وعن النوافذ والغرف التي ظلت تراها في البصرة كلما قالت «بيتنا». لا تجد للبيت معلمًا تعرفه.
تلتقط بعض ما تستطيع تمييزه بين الأنقاض، ثم تترك المكان وتجري نحو نقطة عسكرية قريبة.
— ابني بقي هنا... أبحث عنه منذ سنتين. هل لديكم أسماء للمعتقلين أو المفقودين؟
يسألها أحد الجنود عن اسمه، ويدونه، ثم يهز رأسه. لا جواب عنده.
تقف أحلام لحظة، وما أخذته من بقايا البيت في يدها. عادت إلى الموصل، ووصلت إلى بيتها، وانتهت الحرب في حيها، لكن شيئًا واحدًا ظل معلقًا منذ اليوم الذي غادرته:
أين ولدي؟



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من حياة الموصل وقت الأزمة(3): مذهب في الخفاء
- يوم خرجت المدينة
- ما ينمو في الظل
- ثقافة تحت الإبط
- يوميات سائق تكسي
- حين تتغير الصور
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور


المزيد.....




- عرض فن -الغيشا الياباني- التقليدي داخل محطات مترو موسكو التا ...
- أزمة مهرجان الموسيقى العربية.. انسحاب علي الحجار ومحمد ثروت ...
- 200 عام من حرب فرنسا على الحجاب.. لماذا يقلقها إلى هذا الحد؟ ...
- مهرجان طوكيو يحتفي بمئوية يوسف شاهين ويعرض 8 من أفلامه
- رياضيون شبان في الفنون القتالية يتدربون في مدارس جبلية عريقة ...
- مكسيم غوركي في نيويورك.. من حفاوة الاستقبال إلى طرده من الفن ...
- إنزال الروبوت إلى فرن من الفولاذ المنصهر.. تجربة مستوحاة من ...
- -القرار بيد البشر-.. الجيش الإسرائيلي يرد على فيلم -نازا- وي ...
- عودة تماثيل -أبو الهول- التاريخية إلى الجسر المصري في بطرسبو ...
- اقرأ واملأ جيبك وعقلك!.. سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل 15 دق ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - من حياة الموصليين وقت الأزمة (4): العودة الى الغياب