أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - يوم خرجت المدينة














المزيد.....

يوم خرجت المدينة


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 23:16
المحور: الادب والفن
    


تجلس ريما صباح العاشر من حزيران 2014 في مكتبها بجامعة الموصل، تتأمل الطلبة المنحنين على أوراق امتحاناتهم النهائية في القاعات القريبة. وفي الممرات يمضي يوم جامعي مألوف في مثل هذا الوقت من السنة. تنتظر انتهاء الدوام، وتفكر بابنتيها، وبأعمال البيت التي تركتها معلّقة بانتظار عودتها.
تصل الأخبار متقطعة؛ إطلاق نار في الجانب الأيمن، طرق أُغلقت، وحديث عن حظر للتجوال. يصغي الموظفون بعضهم إلى بعض. كل واحد منهم يحمل خبرًا يختلف عن غيره. ثم يأتي صوت القذائف من بعيد، فتتبدل ملامح الوجوه، وتتحول الأسئلة من موعد انتهاء الامتحان إلى الطريق الأكثر أمانًا للوصول إلى البيت. ومن نافذة مكتبها تتأمل المدينة التي بدأت تتغير خارج أسوار الجامعة، ثم تعود بنظرها إلى قاعات الامتحان؛ مقاعد أُخليت على عجل، وأوراق امتحانية بقيت مبعثرة فوق الطاولات.
يقترب صوت انفجار، فتضطرب الممرات. يخرج موظفون من مكاتبهم. تلتقط حقيبتها، وتسرع مع الآخرين نحو بوابة الجامعة. تكتشف أن القلق سبقها إلى الشارع؛ سيارات تتدافع، وأبواق تتداخل، ووجوه تلتفت نحو الأصوات القادمة من بعيد. تبحث بين السيارات عن وسيلة تعيدها إلى ابنتيها قبل أن يصبح الطريق إلى البيت أصعب. تجد واحدة يقودها رجل مسن، فتجلس إلى جواره. يمسك المقود بكلتا يديه، وعيناه تتنقلان بين الطريق والمرايا. يحاول أن يجمع من المشاهد المتفرقة صورة لما يحدث. يأتي إطلاق النار من بعيد ثم يقترب، وتخف الحركة عند بعض التقاطعات، فيما تمر سيارات مسرعة في الاتجاه المعاكس.
تصل إلى البيت، فتجد ابنتيها في الانتظار. تتعلق الصغيرة بها، وتبادرها الأخرى بأسئلة عما تسمعه في الخارج. تضمّهما، وتحاول منح صوتها هدوءًا تفتقده في داخلها. ثم يهتز البيت على وقع قذيفة تسقط قريبًا. تفزع الطفلتان وتلتصقان بها. تطوقهما بذراعيها، وتنظر إلى زوجها. ما كانت تسمعه في الجامعة من بعيد، صار الآن يهز الجدران.
يُطرَقُ الباب بوقع مرتجف. تسرع إليه، فتجد شقيقها الشرطي واقفًا بملابس مدنية، كأنها ليست له. تُدخله مسرعة، وتغرقه بسيل من الأسئلة.
- تركنا المركز... غادر الآمر، فتفرق المنتسبون.
يتوقف قليلا ويكمل:
- شاهدت في طريقي قادة وآمرين يتركون مواقعهم، ورجال أمن يخلعون بزاتهم ويتفرقون.
يتحدث وهو ما يزال يلتفت نحو الباب، كأن الطريق الذي جاء منه تبعه إلى البيت.
تنظر إليه بدهشة. قبل ساعات كان واحدًا من رجالٍ تعلّق المدينة على بقائهم شيء من أمانها، وها هو يقف أمامها يبحث، مثلها عن مكان آمن.
يمر الليل ثقيلًا. أصوات متقطعة تأتي من بعيد، وأخبار تتنقل بين الهواتف والبيوت، أسرع من قدرة أحد على التحقق منها. تنام الطفلتان نوما متقطعا، وتبقى ريما وزوجها يتابعان ما يصل إليهما، بينما يجلس الشقيق حاملًا من الصمت ما يكفي عن حال المدينة.
تتضح الصورة أكثر مع الصباح. عائلات تستعد للمغادرة، وأخرى سبقتها إلى الطريق. جنود تركوا مواقعهم، وضباط خلعوا رتبهم وغادروا. مشهد تختلط فيه العوائل الهاربة برجال أمن تخلّوا عن زيهم، وكأن الجميع يبحث عن الطريق نفسه إلى النجاة.
تقف ريما عند الباب تراقب المارة. امرأة تجر طفلًا بيد وتحمل حقيبة بالأخرى، ورجل يحشو ما استطاع في صندوق سيارته. يتفاديان ناقلة أشخاص مدرعة تكاد تبتلع الطريق. يصعب عليها، في تلك اللحظة، أن تعرف من كان يحمي مَن؛ فالمدينة وأهلها وحماتها جميعًا يمضون في اتجاه واحد: بعيدًا عن الخطر.
يتراجع تردد.
تجمع بعض ملابس ابنتيها، وما خفّ حمله من حاجات. تنظر حولها؛ أثاث وصور وأشياء السنين، ستبقى حيث هي. تقف عند الباب لحظة، ثم تغلقه خلفها، من دون أن تعرف متى ستعود لتفتحه. وعلى الطريق إلى أربيل، تتداخل السيارات بالسائرين مشيًا، ويضيق المجال بأعداد المغادرين. مركبات تتقدم ببطء، وأخرى تحاول أن تجد منفذًا بين الزحام، فيما يمتد الطابور الى الأمام، كأن الموصل قد انسكبت على الطريق.
عند المساء تصل السيارة المستأجرة إلى آخر نقطة تفتيش في حزام أربيل. طابور طويل، وتدقيق في الهويات والوجوه والأسماء، خشية التسلل بين القادمين. يطول الانتظار، ويهبط الليل، تنظر إلى الطريق خلفها. للمرة الأولى منذ غادرت بيتها، يخطر لها أنها ربما كانت ستشعر بأمان أكثر لو بقيت فيه.
تمضي بقية الليل تبحث مع زوجها وطفلتيها عن مكان يؤويهم. أبواب الفنادق مزدحمة بالقادمين، والغرف امتلأت قبل وصولهم. ينتقلون من مكان إلى آخر، يثقل التعب خطواتهم، وتتوالى أسئلة الطفلتين. يطلع الصباح وهم ما يزالون بلا مكان. وعند الظهر يُنقلون إلى مخيم للنازحين، يدخلونه بحقيبتهم الصغيرة. وهناك تبدأ حكاية أخرى؛ تعدّ فيها ريما الأيام التي تفصلها عن العودة إلى بيت أغلقت بابه، وإلى مدينة لا تعرف ما حلّ بها.



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما ينمو في الظل
- ثقافة تحت الإبط
- يوميات سائق تكسي
- حين تتغير الصور
- إزنك... بين صمت البحيرة وذاكرة الحجر
- بين ظل الشجرة وهيبة الضريح
- قرأ المشهد مبكرًا
- إنكايا... ستة قرون من الظل
- وكر الشياطين
- سلطة الرمز في الوعي الجمعي العراقي
- العرض الثاني
- الحياء الوطني... الوجع الذاي غاب
- حين دلنا القصر على العراق
- على عتبة قصر نيناس
- بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
- عبير، النخلة التي أزعجت اليمين المتطرف
- موسم الشاحنات
- فصل عشائري مزور
- المرشح الغائب
- غسيل الذنوب على متن طائرة خاصة


المزيد.....




- بين -المواطن كين- والملياردير -ماسك-.. حين أغضبت السينما أصح ...
- -تعليم بمليون دولار لا يكفي-… رحلة طبيب أمريكي من حيرة الرعا ...
- بزخم أكاديمي من 5 قارات.. إسطنبول تُفتش عن -الحلول القرآنية- ...
- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...
- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - يوم خرجت المدينة