أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)














المزيد.....

في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)


جعفر المظفر

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 18:48
المحور: سيرة ذاتية
    


في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)
اعتقدنا أن الفرج قادم على يد آمر اللواء الثاني عشر الذي أمر بعودتنا من أعلى الساتر العملاق حيث الإيرانيين على الجانب الآخر, بينما كان القصف دائراً والكر والفر جارياً, تماماً كما في أفلام الحروب.
وحينما أتذكر منظر المقاتلين الشيوخ وشعرهم الأبيض وهم يتزحلقون من أعلى الساترالرملي, أشعر وكأن مُخْرِج رواية الحرب والسلام العراقي لا بد أنه شعر بأن منظر هؤلاء الشيوخ من ذوي الرؤوس البيضاء, وأجسادهم التي لم تعد تقوى على حمْلِ (زمزمية) ماء, هو منظر غريب على المشهد البانورامي, ولا ينتمي للقصة ولا للفكرة, فعمل على حذفهم من المشهد العام لكي لا يظهر وكأنه أتى في غفلةٍ عن مؤلف القصة أو كادر الفلم.
كانت الشاحنتان العسكريتان لم تغادرا أرض المعركة بعد, فطلب الضابط المكلف بنقل تعليمات آمر اللواء من سائقيها أن يتكفلا بنقل أفراد قوة الخمسين إلى لواءٍ آخر, وقبل أن أغادر موضع آمر اللواء ومساعديه الذي كان يدير المعركة على مقربة من خطوط النار, أخبرني بأنه إتصل بالقوة المجاورة التي تحرس فتحة الرادار في ديزفول لكي نكون تحت إمرته, وقد غمرتني هذه المرة (فرحتي) الثانية. كانت الأولى حينما أوهمني آمر قاطعنا بأننا سنذهب إلى المقر الخلفي لآمرية اللواء فإذا بنا نجد أنفسنا في الوسط من المعركة الساخنة, ولو أن آمر اللواء لم يقتنع بالوصف الذي قدمته له عن طبيعة قوة الخمسين, وفهم أنهم أرسلوا له سريةٍ من العجائز بدلاً من سريةٍ للقوات الخاصة, لما أمر بالتخلص منا.
أفهم أن ما دفعه للتخلص منا هو تماماً كما ذكرت : من دون أن يرفع ناظره عن الخارطة التي إستقرت على المنضدة الرملية أحس أن فرقة الخمسين شبحاً لا تنتمي لمشهد الحرب الدائرة خلف ذلك الساتر الرملي للعملاق, بل لعلهم سيتسببون بإرباك خطوط القتال في المعركة الشرسة التي يقودها. ومع فرقة الخمسين شبحاً فإن معنويات جنوده الشباب لا بد وأنها سوف ترتبك, ولقد صار عليه التخلص منهم سريعاً, ليس بسبب مشاعر إنسانية فياضة, ففي تلك الحرب التي كان يتساقط فيها القتلى من الجانبين بالمئات في كل دقيقة, لم يعد هناك مكان للمشاعر الإنسانية ولا لأحاسيس الفياضة. والجندي هنا ليس أكثر من ذلك الرقم المعلق حول رقبته, أما الضباط الذين يديرون المعركة فهم ليسوا أكثر من رسامي خرائط في ساحة تتداخل فيها الخطوط ويكون الفائز فيها من ينجح في اجتياز الخطوط الرملية الملتفة على نفسها وصولاً إلى أرض العدو.
بشكل مفاجئ وقفت إلى جانبي سيارة بدفع رباعي وصاح علي سائقها أن أصعد إلى جانبه كي تتحرك القوة إلى مكانها الجديد. الرجل الذي تصدى لقيادة السيارة أعرفه جيداً, هو (مضر الملا) الذي كان أحد أعضاء قيادة فرقة المنصور في بغداد الذي أسندت لي مهمة ترؤوسها حينما نقلت من مكتب الطلبة والشباب في القيادة القومية.
سرنا خلف الشاحنتين اللتين كان سائقاهما قد تلقيا التعليمات بشأن المكان الذي كان علينا أن نتجحفل مع القوة العسكرية التي تدافع عنه. بعد أن وصلنا إلى هناك أحسست بأن آمر اللواء الثاني عشر الذي أراد التخلص منا لم يفعلها عن طيبة قلب وإنما لتحميل المسؤولية عنا لشخصٍ آخر, وربما كان قد إعتقد أن المعركة في فتحة الرادار لم تكن قد بدأت بعد مما يتيح للضباط هناك فرصة زمنية كافية لتوزيعنا على مواقع الدفاع المكلفة بتعطيل الهجوم الكبير الذي يعده الإيرانيون لتحرير كل من ديزفول والشوش, وهكذا تلاشت الفرحة من وجوهنا بسرعة.
في مقدمة أرض الرادار كان هناك شخص عراقي برتبة مقدم ركن يحتل موقعاً لا يبعد أكثر من نصف كيلومتر عن فتحة الرادار التي كان متوقعاً ان يبدأ منها الهجوم الكبير. أمرني ذلك المقدم أن أوزع القوة على ثلاثة حظائر, واحدة منها تبقى معه في الموقع المتأخر واثنتين يكونا في أمرة العسكريين على الساتر الأمامي الذي يمتد لمسافة في مواجهة الإيرانيين. وضعت (معوقي) قوة الخمسين في الموقع المتأخر وأخذت باقي قوة الاشباح إلى حيث الساتر الذي تتمترس خلفه بضعة دبابات عراقية ربما لا يتجاوز عددها الأربعة مع عدد من الجنود الذين توزعوا بعض مسافات الساتر. كانت وجوة قوة الخمسين شاحبة شحوب الموت, ولم يكن صعباً أن أقرأ على وجوه صحابتي : كنا نتصور أنك أنقذتنا من موتٍ محقق فإذا بك تأتي بنا إلى موتٍ أكيد. ولم يكن في مقدوري الاجابة رغم إنني كنت طيلة الوقت أبحث عن مخرج, وشكراً للفريق الركن عبدالجبار شنشل الذي سينقذنا من هذه الورطة في بادرة سأتحدث عنها في القسم الأخير من هذا الفصل.
نظرت من أعلى الساتر, كان منظر الحشود الإيرانية كثيفاً, وكانت المفارقة أن تلك الحشود لم تكن تأبه للحاجات الأمنية التي يفرضها ظرف حساس كظرف المعركة, فلقد كانت أجهزة المذياع تتغنى بأناشيد وأغاني وكأن تلك الحشود هي في نزهة, وحينما أتى الليل صرخ علي عريف الدبابة التي تربض على بعد عدة مترات عن الساتر أن أطفئ (سيكارتي) لكي لا يستدل عليها الطرف الآخر, في حين أن الطرف الآخر كان قد وضع كل مصابيح آلياته إلى نهاياتها وكانت أغانيه تصل إلينا بنغمة عالية, ولم يكن من الصعوبة وصف المشهدين: على الجانب الإيراني كانت القوات لا شك تتحرك بمعنويات عالية وبحماس الذي يؤمن أن الارض هي أرضه وأن الواجب الديني والوطني يجبره على تحريرها, وكانت جماهيرية الخميني في قمتها, فإذا قال ايها الجندي ألقي بنفسك في الموت فسيليقيها وهو مؤمنٌ أنه ذاهب إلى الجنة لا محالة. على الجانب العراقي صحيح أن صدام حسين كان في قمة توهجه غير أن الدفاع عن أراضي غير عراقية لم يكن بالحماس الذي كان عليه في الجانب الإيراني.



#جعفر_المظفر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ضيافة المدافع .. قوة الخمسين (20)
- في ضيافة المدافع .. ساعي البريد لا يطرق الباب مرتين (19)
- في ضيافة المدافع .. ماذا قال سعدون شاكر لصدام حسين عَن جعفر ...
- هادي العامري يعترف .. قتلنا شهداء تشرين
- بمناسبة رحيل العالِم الأستاذ الدكتور سامي المظفر* وزير التعل ...
- في ضيافة المدافع .. شكرًا لفرشاة الأسنان (17)
- في ضيافة المدافع .. حينما يكون الزحف وسيلة النجاة (16)
- في ضيافة المدافع .. حماقة التطوّع (15)
- في ضيافة المدافع .. المركزية الديمقراطية هي (كضبة) شارب صدام ...
- في ضيافة المدافع .. الجيش الشعبي العراقي في مقابل الباسيج ال ...
- في ضيافة المدافع .. حينما هزَّ صدام شاربه (12)
- كيف خسر ترامب حينما ظن أنه ربح
- إلى أن يدخل الميل في المكحلة
- الفتنة النبيلة
- في ضيافة المدافع .. يا محلى النصر بعون الله (11)
- الزيدي والشرع .. مقارنة على الخفيف
- في ضيافة المدافع ... فتحة الرادار (10)
- صناعة البطل
- في ضيافة المدافع .. ظلم البيئة (9)
- في ضيافة المدافع ..هبة السماء (8)


المزيد.....




- الجيش اللبناني يعلن تفكيك جهاز -تجسس إسرائيلي- جنوبي البلاد ...
- وزارة النقل في صنعاء تكشف تفاصيل حركة الملاحة في باب المندب ...
- هجوم حاد على نتنياهو: يمزق إسرائيل.. فقد صوابه وينشر الأكاذي ...
- عاصفة -نور إيستر- تجتاح شمال شرق الولايات المتحدة
- اختبار جيني جديد يشخص أورام الدماغ في أقل من ساعتين
- 451 ألف وفاة إضافية.. النينيو تهدد العالم بموجة حر قاتلة
- روسيا.. إقبال عربي متزايد على -روزا خوتور- والزوار يبدون رغب ...
- روسيا.. مقتل خمسة أشخاص في حريق بمصنع للألعاب النارية في مقا ...
- رسالة من خامنئي: بحر العرب سيخلو من قوات العدو قريبا.. وأيام ...
- وزير خارجية بريطانيا: ما تفعله إسرائيل في غزة والضفة الغربية ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر المظفر - في ضيافة المدافع .. نحو ميتةٍ ثانية (21)