|
|
في الذكرى 75 لتأسيس الحزب الشيوعي الأردني/حين انتسبت إلى الحزب. محمود شقير/ عضو لجنة مركزية أسبق في الحزب الشيوعي الأردني
محمود شقير
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 16:04
المحور:
الادب والفن
1 كان ذلك في أحد أيام العام 1965، وأجزم أنه كان يومًا فاصلًا في حياتي، وكان عمري آنذاك 24 سنة، والقمع وتقييد الحريات على أشدّه في ذلك الزمان. كنت قبل ذلك اليوم المشهود وطوال سنتين في حوار مستمر مع الرفيق محمد البطراوي، الذي تعرّفت إليه في مقر مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، المجلة التي نشرتْ العديد من قصصي، تلك القصص التي لفتت انتباه أبي خالد البطراوي بسبب دفاعي فيها عن العمال والفلاحين الفقراء وعن النساء. وبرغم هذا الدفاع العفوي عن الكادحين لم أكن على وفاق مع الشيوعيين. كانت الدعايات المغرضة تتطاول على الحزب الذي كان له نشاط ملموس في القدس في خمسينيات القرن العشرين، وكنت آنذاك طالبًا في المدرسة الرشيدية الثانوية، وكان النشاط الحزبي فيها في فترة الانفراج النسبي واضحًا للعيان. كان بين المعلمين أعضاء في حزب البعث وفي حزب التحرير الإسلامي وفي الحزب الشيوعي الأردني. وكان للدكتور يعقوب زيادين ونعيم الأشهب وطارق العسلي وداود ترجمان وعدد آخر من الشيوعيين نشاط بارز في القدس وفي المخيمات المجاورة لها. وحين ترشّح د. زيادين لانتخابات البرلمان الأردني عام 1956 أذكر أن جدّي لأمّي عاد ذات يوم من المدينة وقال إنه استمع لحديث الدكتور زيادين مرشح الشيوعيين فأعجبه حديثه وسوف ينتخبه، وهذا ما كان: فاز د. زيادين في تلك الانتخابات بأعلى الأصوات فيما بعد، وبعد انقلاب عام 1957على الحكومة الوطنية التي شكّلها سليمان النابلسي سادت في البلاد حالة من القمع وتقييد الحريات العامة، وكنت أرى زميلي في المدرسة الطالب الشيوعي فاروق السلفيتي يأتي لتقديم الامتحانات من المعتقل ومعه شرطي يحرسه والكلبشات في يديه، وكان الشيوعيون وباقي القوى الوطنية قد تعرّضوا لحملة اعتقالات واسعة. 2 وكنت قد تخرجت في المدرسة عام 1959 وعُيِّنتُ مدرّسًا في إحدى قرى رام الله، وكان الفلاحون في القرية ما زالوا يتحدّثون بإعجاب عن المرشح الشيوعي لانتخابات البرلمان فائق وراد الذي فاز في الانتخابات عام 1956 وكانوا يشعرون بالأسف ويتعاطفون معه لأنه معتقل في سجن الجفر. أما الدكتور يعقوب زيادين فلم تطله حملة الاعتقالات لأنه اختفى ولم تعثر عليه قوى الأمن، إلا بعد وقت حين ألقى أحد المخبرين القبض عليه في رام الله. في تلك الفترة من أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين تصاعدت الدعاية المعادية للشيوعية وللحزب، وقد وزّعت وزارة التربية و التعليم الأردنية على المدارس كُتيَّبًا مسمومًا ألّفه شخص اسمه عبد الحفيظ محمد عنوانه: "هذه هي الشيوعية في الوطن العربي". كان غلاف الكتيب يقطر دمًا يسيل من تحت كلمات العنوان، وفي داخل الكتيب دعاية مقذعة ضد الحزب الشيوعي الأردني، وذكرٌ لأسماء بعض قادته وكوادره، ونبذة عن التنظيم السرّي الهرمي للحزب. 3 في تلك الفترة تمّ الترويج كذلك لكلمات ماركس التي انتزعت من سياقها وهي "الدين أفيون الشعوب" وهي التي روّجتها في الدرجة الأولى المخابرات المركزية الأميركية على اعتبار أنها سيكون لها وقع مؤثر في نفوس الشعوب التي تدين الغالبية العظمى من أفرادها بدين الإسلام في البلدان العربية وفي إيران وباكستان وأفغانستان وغيرها. وقبل أن أنتسب للحزب تأثّرت إلى حدٍّ ما بالدعايات المضادة للشيوعية وللحزب الشيوعي الأردني. ناقشت طويلًا مع محمد البطراوي موقف الحزب من إسرائيل، واقتنعت بأن تمسُّك الحزب بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية صحيحة في الظروف الملموسة التي كانت سائدة في البلدان العربية وفي الموقف من القضية. ثم توقّفنا عند مقولة ماركس: "الدين أفيون الشعوب"، وكانت هذه الجملة التي اقتطعت من سياقها تعني أن القوى الطبقية المستغِلِّة المهيمنة تستخدم الدين لكي تخدّر اهتمام الطبقات الكادحة بمصالحها الدنيوية، وتصرفها عن النضال الطبقي لدحر الاستغلال في انتظار الجنة الموعودة ونعيمها؛ وهذا يعني أن النقد هنا ليس للدين وإنما لمن يستخدمون الدين لحماية مصالحهم. 4 وأجزم أن قراءاتي المتعدّدة أسهمت في تبديد الأوهام التي رافقتني لبعض الوقت بفعل الدعايات المضادة، ومن جراء حجب المعلومات الصحيحة حول الشيوعية وبرنامج الحزب الشيوعي الأردني. من جهة، انتسبتُ إلى جامعة دمشق في ستينيات القرن العشرين لدراسة الفلسفة والاجتماع. وآنذاك تفتَّح ذهني على مدراس فلسفية عدّة من بينها اجتهادات الفلاسفة المسلمين ومن أبرزهم ابن رشد، الذي كان يحترم العقل ويستند إلى أحكامه في النظر إلى الأمور، وهو الذي تركت فلسفته العقلانية أثرها على عدد من الفلاسفة الأوروبيين الذين أُطلق عليهم اسم الرشديين. ومن بين هذه المدارس الفلسفة الماركسية التي عرضها منهاج الدراسة في الجامعة بشكل محايد مع توجيه ملاحظات وانتقادات في آخر العرض الوارد في المنهاج. وكان الأكثر تأثيرًا على مشاعري وعلى عقلي رواية "الأم" لمكسيم غوركي، ورواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، ورواية "العقب الحديدية" لجاك لندن، وكتابات الشيخ الأزهري المتفتّح الذهن خالد محمد خالد: "هذا أو الطوفان"، "مواطنون لا رعايا" وغيرهما، الأمر الذي خفّف من تعصّبي الديني وجعلني أقلَّ تزمُّتًا في موقفي من الأفكار التي تتعارض مع قناعاتي الفكرية والدينية. ثم جاءت مؤلفات المفكر المصري الاشتراكي سلامة موسى، وروايات نجيب محفوظ، وقصص يوسف إدريس، وكتاب "في الثقافة المصرية" للمؤلفين الماركسيين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، وكتاب "علم الجمال" للماركسي الفرنسي هنري لوفيفر، وكثير من نتاجات الأدب الإنساني القادمة إلينا من بلدان عربية وأجنبية. 5 وحين اطمأن الرفيق محمد البطراوي إلى أنني أصبحت قريبًا من الحزب اقترح عليّ أن أقرأ جريدة الحزب السرّية وكان اسمها "التقدم". استلمتها منه وكان يعتريني بعض الخشية والحذر، فالمخبرون يتمشّون في شوارع رام الله باستمرار، ولا يضير الواحد منهم أن يفتّش أيّ مواطن إذا اشتبه في أمره. وكنت انتقلتُ من مدرسة القرية التي عملت فيها أربع سنوات إلى المدرسة الهاشمية الثانوية في مدينة البيرة الملاصقة لأختها مدينة رام الله مدرّسًا للغة العربية والتاريخ. وفي الأثناء داومتُ على قراءة الجريدة، وكانت من صفحتين بحجم ورقة فولسكاب أو أكبر قليلًا بحيث يسهل طيّها وإخفاؤها. وذات يوم قدّمت طلب انتساب للحزب، وبعد أسبوعين جاءني الجواب بالقبول، وكان يتعيّن عليّ أن أذهب إلى كافتيريا الأريزونا في آخر الشارع الرئيس في رام الله، وسيأتي رفيق على عينيه نظّارة طبية وفي يده اليمنى صحيفة مطويّة، ذهبت إلى المقهى وانتظرت وكنت منفعلًا بعض الشيء، لأن تلك كانت لحظات لها قيمتها في ظل ظروف لا تسمح بأيّ نشاط سياسي، وكنت مُصمّمًا على مواصلة الطريق حتى النهاية مهما كانت التضحيات، تُحفّزني على ذلك تضحياتُ رفاقٍ صرتُ أعرفُ أسماءهم من على البعد، وأعرفُ عن صمودهم الشجاع في الزنازين وضدّ عسف الجلادين. جاء الرفيق الذي كنت أنتظره، ولم أكن أعرفه إلا من الإشارات المتّفق عليها، سلّم عليّ وأعلن اسمه الحزبي، ورددت عليه ذاكرًا اسمي الحزبي: ربحي. شربنا القهوة، وتحدّث الرفيق حول أهمية الانضباط الحزبي والحفاظ على سرّيّة التنظيم، وحول أهمية كسب رفاق جدد للحزب، وبعد ساعة أنهينا الاجتماع. غادر الرفيق المكان قبلي وغادرته بعده، ومشيت في الشارع الرئيس وأنا ممتلىء بمشاعر جيّاشة من الحماسة والاندفاع. 6 وكنت أخصّص بعض الوقت من حصص التاريخ واللغة العربية للتحدّث مع طلابي في السياسة والأدب، وأذكر أنني شجّعتهم على تأسيس مكتبات صفّيّة تشتمل على كتب أدبية وفكرية، وكان من نتيجة ذلك انتساب عدد من طلابي للحزب، وقد ساعدني في ذلك وجود طلاب منتسبين للحزب من قبل. وكنّا أنا وذلك الرفيق قبل أن ننهي اجتماعنا الأوّل اتفق معي الرفيق على عقد اجتماعنا الثاني بعد أسبوع، على أن ينتظرني عند الساعة الخامسة مساء بالقرب من سينما الجميل في رام الله. غادرت البيت الكائن في أحد أحياء رام الله، وكنت حذرًا من تعقّب أحد المخبرين لي. وحين شاهدني الرفيق قادمًا في اتجاهه استدار وتبعته مُبقيًا على مسافةٍ ما بيني وبينه. سرنا في الشارع المحاذي لسينما الجميل مسافة مئة متر ثم انعطف الرفيق نحو اليمين وانعطفتُ في الطريق ذاتها وسرنا فيها مسافة مئة متر أخرى، وكان بيت الرفيق هناك. بعد دقائق جاء رفيق آخر، وأثناء ذلك لاحظت أن الرفيق شطب اسمه عن المجلات المكدّسة على الطاولة، وكان ذلك درسًا بليغًا لي في الانضباط وفي السرّيّة، لكنني في اجتماع ثالث لمحتُ اسم الرفيق على الصفحة الداخلية لكتاب، يبدو أنه نسي شطبه وعرفته: عبد الحليم شتات، وكان موظفًا في بريد رام الله. ولم يُطل الرفيق عبد الحليم البقاء طويلًا في رام الله، إذ أرسله الحزب في بعثة إلى تشيكوسلوفاكيا لدراسة الطب، وقد تخرج في إحدى الجامعات هناك ومارس مهنة الطب في مواقع شتى ظل أثناءها وإلى النهاية محافظًا على انتمائه الحزبي إلى أن حضرته الوفاة. 7 حين نُقلتُ عام 1966من المدرسة الهاشمية للتدريس في مدرسة الملك غازي الثانوية في بلدة بدُّو الواقعة شمال غربي القدس، انتقلت علاقتي الحزبية إلى القدس. ذهبت إلى مكتبة في المدينة، وكان فيها موظف قلت له: أنا ربحي. رحّب بي وامتدت العلاقة الحزبية الفردية مع هذا الرفيق من دون أن أعرف اسمه إلا بالصدفة من جيران المكتبة، وحين وقعت هزيمة حزيران 1967 جاء هذا الرفيق واسمه سليمان الحنا مع رفيق آخر إلى بيتي لقيادة خلية حزبية هي الأولى في جبل المكبر. كان هذان الرفيقان من ضمن المئات من رفاق الحزب الشيوعي الأردني الذين أمضوا في سجن الجفر وما قبله ثماني سنوات، ثم أفرج عنهم عام 1965، الأول؛ سليمان الحنا عمل بعد الإفراج عنه في مكتبة، وواصل منها نشاطه الحزبي السرّي، والثاني طلب منه الحزب بعد الإفراج عنه بأشهر معدودات أن يختفي في بيت سرّي لمواصلة نشاطه الحزبي منه، وذلك بسبب توتر الأوضاع في البلاد وشن حملة اعتقالات واسعة طالت من جديد الشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم من المناضلين. ظلّ هذا الرفيق مختفيًا إلى أن وقعت هزيمة حزيران 1967، وذات صباح جاء ومعه مسؤولي الحزبي إلى بيتي في جبل المكبر، وآنذاك عرفت اسمه استنادًا إلى بعض وقائع تمّ ذكرها: إنه سليمان النجّاب. عقدنا الاجتماع بحضور أربعة رفاق من جبل المكبر، وفي نهاية الاجتماع الذي قاده الرفيقان القياديّان سليمان وسليمان انتُخبتُ سكرتيرًا للخلية التي ظلّت تتكاثر حتى أصبح للحزب حضورٌ ملموسٌ في الجبل.
#محمود_شقير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير77
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير76
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير75
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير74
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير73
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير72
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير71
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير70
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير69
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير68
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير67
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير66
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير65
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير64
-
محمود شقير/ من دفتر اليوميات63
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير62
-
من دفتر اليوميات/محمود شقير61
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير60
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير59
-
من دفتر اليوميات/ محمود شقير58
المزيد.....
-
تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل
...
-
كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
-
خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد
...
-
استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام
...
-
تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد
...
-
-صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر
...
-
-سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و
...
-
نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ
...
-
تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع
...
-
الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|