أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ‏وصناعة المستقبل















المزيد.....

إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ‏وصناعة المستقبل


نظمي يوسف سلسع
(Nazmi Yousef Salsaa)


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 12:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نحن أمام خيارين‎:‎‏ إما الاستمرار في إدارة الواقع القائم، بكل ما ‏يحمله من ‏انقسام وتآكل وتراجع، وإما الشروع في عملية ‏تاريخية لإعادة بناء حركة ‏التحرر الوطني الفلسطينية‎.‎
لا أحد أكبر من فلسطين، ولا فصيل أكبر من الشعب، ‏ولا قيادة أكبر من ‏القضية‎

في كل مرة نبحث فيها عن مستقبل القضية الفلسطينية، تتجه الأنظار ‏إلى الخارج: ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟ كيف ستتصرف إسرائيل؟ ما ‏موقف أوروبا؟ وماذا يمكن أن يفعل المجتمع الدولي؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ينبغي أن يكون مختلفاً‎:‎
ماذا سيفعل الفلسطينيون بأنفسهم؟
فالقضية الفلسطينية تواجه مرحلة تاريخية شديدة الخطورة، ليس فقط ‏بسبب تصاعد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، واستمرار الاحتلال، ‏ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، وإنما أيضاً بسبب حالة الضعف ‏والانقسام التي تعاني منها الحركة الوطنية الفلسطينية، وتراجع دور ‏مؤسساتها الجامعة، وعجزها عن إنتاج استراتيجية وطنية تتناسب مع طبيعة ‏المرحلة‎.‎
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس أن يتخلى الشعب ‏الفلسطيني عنها؛ فهذا لم يحدث طوال أكثر من سبعة عقود، ولن يحدث. ‏
الخطر الحقيقي هو أن تبقى القضية حاضرة في الوعي والذاكرة، بينما ‏تتراجع قدرتها السياسية والتنظيمية على التأثير وصناعة الأحداث‎.‎
أزمة قضية أم أزمة حركة وطنية؟
يجب أن نفرق بين الأمرين‎.‎
القضية الفلسطينية لم تفقد عدالتها، والشعب الفلسطيني لم يفقد حقوقه، ‏والاحتلال لم يصبح شرعياً لمجرد طول أمده‎.‎
لكن الصيغة التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية وصلت إلى مأزق تاريخي‎.‎
فمنظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت على مدى عقود الإطار ‏الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، تعرضت للتهميش والتآكل، بينما تحولت ‏السلطة الفلسطينية تدريجياً إلى مركز سياسي وإداري يفوق في حضوره ‏المؤسسات الوطنية الجامعة‎.‎
أما الانقسام الفلسطيني، الذي بدأ كخلاف سياسي، فقد تحول مع مرور ‏السنوات إلى واقع سياسي ومؤسسي وجغرافي، أضعف القدرة على صياغة ‏قرار وطني موحد‎.‎
والفصائل الفلسطينية، على اختلاف توجهاتها، تواجه هي الأخرى ‏أسئلة صعبة حول قدرتها على التجديد، واستيعاب الأجيال الجديدة، وتطوير ‏أدواتها السياسية والتنظيمية‎.‎
لهذا فإن استمرار إدارة الوضع الفلسطيني بالطريقة نفسها لن يقود إلى ‏نتيجة مختلفة‎.‎
لا يمكن بناء مستقبل جديد بأدوات سياسية تنتمي إلى الماضي‎.‎
المشروع الوطني بحاجة إلى إعادة بناء، ليس المطلوب التخلي عن المشروع ‏الوطني الفلسطيني، بل العكس تماماً‎.‎
المطلوب هو إنقاذه من الجمود والانقسام، وإعادة صياغته على أساس ‏حقوق الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية، وعلى أساس قراءة واقعية ‏للتحولات التي طرأت على الصراع وعلى النظام الدولي‎.‎
الثوابت الوطنية ليست هي المشكلة‎.‎‏ المشكلة هي غياب الاستراتيجية القادرة ‏على حماية هذه الثوابت وتحويلها إلى أهداف سياسية قابلة للتحقيق‎.‎
إن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال والاستعمار ‏الاستيطاني، والقدس، وحق العودة، وحقوق اللاجئين، وحقوق الفلسطينيين ‏في الداخل، ووحدة الشعب الفلسطيني، ليست ملفات منفصلة‎.‎
إنها عناصر مترابطة في مشروع وطني واحد‎.‎
وفلسطين ليست غزة وحدها، وليست الضفة وحدها، وليست القدس وحدها، ‏وليست أراضي عام 1948 وحدها، وليست مخيمات اللاجئين والشتات ‏وحدها‎.‎
فلسطين شعب وأرض وذاكرة وهوية وحقوق، أينما وجد الفلسطينيون‎.‎
من حركة فصائل إلى حركة تحرر وطني
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة‎:‎
هل نحتاج إلى فصيل فلسطيني جديد؟
الإجابة في تقديري: لا‎.‎
لقد عرف التاريخ الفلسطيني عشرات التنظيمات والفصائل، والمشكلة اليوم ‏ليست في نقص الفصائل، وإنما في الحاجة إلى إعادة بناء حركة التحرر ‏الوطني الفلسطينية نفسها‎.‎
حركة تكون الفصائل أحد مكوناتها، لا بديلاً عن الشعب‎.‎
حركة تجمع القوى السياسية والمستقلين، والنقابات والاتحادات، والمرأة ‏والشباب، والمثقفين والأكاديميين، والإعلاميين والفنانين، والمؤسسات ‏المدنية، والجاليات الفلسطينية في العالم‎.‎
نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم التنظيم الذي يقود الشعب إلى مفهوم ‏الشعب الذي يمتلك حركة تحرر وطنية واسعة ومتعددة الأدوات‎.‎
وهذه الحركة لا ينبغي أن تكون نسخة من الماضي، بل حركة حديثة قادرة ‏على العمل في عصر التكنولوجيا والإعلام الرقمي والعولمة، وقادرة على ‏مخاطبة المجتمعات العالمية بلغة الحقوق والحرية والعدالة والقانون الدولي‎.‎
منظمة التحرير: إعادة البناء لا الإلغاء
إن إعادة بناء منظمة التحرير يجب أن تكون في صلب أي مشروع وطني ‏جديد‎.‎
فالمنظمة ليست مجرد مؤسسة من مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، بل ‏الإطار الذي يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني كله‎.‎
لكن لكي تستعيد المنظمة دورها وشرعيتها، فإنها تحتاج إلى تجديد حقيقي‎.‎
وهذا يعني إعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وتوسيع ‏المشاركة السياسية، وإشراك الشباب والمرأة، وإعادة الاعتبار لفلسطينيي ‏الشتات، وتطوير آليات انتخاب مؤسساتها حيثما أمكن‎.‎
فليس من المنطقي أن يطالب الفلسطيني العالم باحترام حقه في التمثيل وتقرير ‏المصير، بينما يبقى جزء كبير من شعبه بعيداً عن المشاركة الفعلية في ‏مؤسساته الوطنية‎.‎
التمثيل ليس امتيازاً تمنحه القيادة للشعب؛ إنه حق للشعب في اختيار من ‏يمثله‎.‎
السلطة ليست بديلاً عن المشروع الوطني
لقد كان قيام السلطة الفلسطينية في سياق تاريخي محدد، وكان يفترض أن ‏تكون أداة انتقالية في مسار وطني أوسع‎.‎
لكن السنوات الطويلة كشفت عن إشكالية العلاقة بين السلطة ومنظمة ‏التحرير، وبين إدارة الحياة اليومية تحت الاحتلال ومهمة التحرر منه‎.‎
السلطة لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظمة التحرير، ولا يمكن أن تتحول ‏إدارة المناطق الفلسطينية إلى بديل عن المشروع الوطني‎.‎
المطلوب هو إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمنظمة والدولة والحركة ‏الوطنية، بحيث تخدم المؤسسات التنفيذية المشروع الوطني، ولا يصبح ‏المشروع الوطني رهينة للقيود التي يفرضها واقع الاحتلال‎.‎
الشتات الفلسطيني: قوة وطنية غير مستثمرة
من أكبر المفارقات أن الشعب الفلسطيني المنتشر في مختلف أنحاء العالم ‏يمثل طاقة وطنية هائلة، لكنه لا يزال إلى حد كبير خارج دوائر القرار ‏الوطني‎.‎
فلسطينيو الشتات ليسوا مجرد لاجئين أو جاليات‎.‎‏ هم أطباء ومحامون ‏وأكاديميون وصحفيون ومهندسون ورجال أعمال وفنانون وناشطون، ولهم ‏حضور مؤثر في المجتمعات التي يعيشون فيها‎.‎
وفي أوروبا بصورة خاصة، تتوفر إمكانات سياسية وثقافية وإعلامية ‏وقانونية كبيرة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للقضية الفلسطينية‎.‎
لكن ذلك يتطلب الانتقال من دور التضامن إلى دور المشاركة الوطنية‎.‎
الفلسطيني في أوروبا لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره متظاهراً في ‏الشارع أو متبرعاً لحملة إغاثة‎.‎
يجب أن يكون شريكاً في صياغة القرار الوطني وتمثيله‎.‎
من التضامن العالمي إلى القوة السياسية
شهدت القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في قطاعات ‏واسعة من الرأي العام العالمي، وخاصة بين الشباب والجامعات والنقابات ‏ومنظمات المجتمع المدني‎.‎
لكن التعاطف وحده لا يكفي‎.‎
التحدي هو تحويل هذا التضامن إلى قوة سياسية وقانونية وإعلامية وثقافية ‏منظمة‎.‎
وهنا تحتاج الحركة الوطنية الفلسطينية إلى استراتيجية دولية جديدة، لا تقوم ‏على انتظار المواقف الدولية، بل على بناء المبادرات والشراكات والتأثير في ‏الرأي العام وصناعة الضغط السياسي‎.‎
أوروبا، على سبيل المثال، ليست مجرد مكان يعيش فيه الفلسطينيون‎.‎
إنها ساحة سياسية مهمة، تضم برلمانات وأحزاباً ونقابات وجامعات وبلديات ‏ومؤسسات ثقافية وقانونية وإعلامية‎.‎
ومن ثم فإن المطلوب ليس فقط أن تتحدث أوروبا عن فلسطين، وإنما أن ‏يمتلك الفلسطينيون الأدوات التي تمكنهم من التأثير في السياسات الأوروبية ‏تجاه فلسطين‎.‎
المقاومة ليست أداة واحدة
إن إعادة بناء حركة التحرر الوطني تعني أيضاً إعادة النظر في مفهوم ‏المقاومة‎.‎
فالمقاومة لا تختزل في شكل واحد، وإنما تشمل أشكالاً متعددة من النضال ‏الشعبي والسياسي والدبلوماسي والقانوني والثقافي والإعلامي والنقابي ‏والأكاديمي والاقتصادي، في إطار مشروع وطني واضح، وبما يتوافق مع ‏القانون الدولي وحماية المدنيين‎.‎
المشكلة ليست في نقص أدوات النضال‎.‎
المشكلة في غياب الاستراتيجية الوطنية التي تنظم هذه الأدوات ضمن رؤية ‏واحدة‎.‎
قد تكون لدينا مئات المبادرات الفلسطينية حول العالم، ولكن إذا بقيت منفصلة ‏عن بعضها، فإن مجموعها سيكون أقل بكثير من إمكاناتها الحقيقية‎.‎
معركة الرواية جزء من معركة التحرر
لقد أدرك المشروع الصهيوني منذ وقت مبكر أن الصراع ليس على الأرض ‏فقط، وإنما على الرواية أيضاً‎.‎
ولهذا فإن الثقافة والإعلام والتعليم والذاكرة ليست ملفات هامشية‎.‎‏ إنها جزء ‏من المعركة الوطنية‎.‎
نحتاج إلى مشروع فلسطيني ثقافي وإعلامي عالمي متعدد اللغات، يستفيد من ‏السينما والأدب والفن والجامعات والإعلام التقليدي والمنصات الرقمية ‏والتكنولوجيا الحديثة‎.‎
علينا أن نخاطب العالم لا باعتبار فلسطين مجرد مأساة إنسانية، بل ‏باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعدالة وتقرير المصير‎.‎
الشباب ليسوا جمهوراً... بل قيادة المستقبل
لا يمكن أن نتحدث عن حركة تحرر جديدة بعقلية القيادة القديمة‎.‎
جيل الشباب الفلسطيني اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر قدرة على استخدام ‏التكنولوجيا، وأكثر حضوراً في الجامعات والمجتمعات المدنية‎.‎
وإذا أردنا الحفاظ على استمرارية المشروع الوطني، فلا بد من فتح الطريق ‏أمام هذا الجيل ليكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار‎.‎
المطلوب ليس إقصاء القيادات التاريخية، بل نقل الخبرة منها إلى الأجيال ‏الجديدة‎.‎
نحتاج إلى تجديد لا يلغي الخبرة، وخبرة لا تمنع التجديد‏‎.‎
عشر أولويات لإعادة بناء الحركة الوطنية
إذا كان الحديث عن حركة تحرر وطنية جديدة جدياً وليس مجرد شعار، فإن ‏هناك مجموعة من الأولويات التي تستحق أن تتحول إلى برنامج عمل‎:‎
‏1.‏ إطلاق حوار وطني شامل يعيد تعريف المشروع الوطني وينهي ‏الانقسام على أساس سياسي ومؤسسي واضح‎.‎
‏2.‏ إعادة بناء منظمة التحرير وتجديد مؤسساتها وشرعيتها الديمقراطية‎.‎
‏3.‏ إجراء انتخابات وطنية حيثما تسمح الظروف، باعتبارها مدخلاً لتجديد ‏الشرعية وليس مجرد منافسة فصائلية‎.‎
‏4.‏ إعادة تعريف العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بحيث ‏تكون السلطة جزءاً من المشروع الوطني وليست بديلاً عنه‎.‎
‏5.‏ إشراك فلسطينيي الشتات في القرار والتمثيل الوطني بصورة حقيقية‎.‎
‏6.‏ إدماج الشباب والمرأة في مواقع القيادة وصناعة السياسات‎.‎
‏7.‏ بناء استراتيجية نضال متعددة الأدوات تجمع السياسي والشعبي ‏والقانوني والدبلوماسي والثقافي والإعلامي‎.‎
‏8.‏ إنشاء شبكة فلسطينية عالمية تربط المؤسسات والجاليات والكفاءات ‏والطاقات الفلسطينية‎.‎
‏9.‏ تطوير استراتيجية إعلامية وثقافية دولية قادرة على مواجهة الرواية ‏الإسرائيلية ومخاطبة الأجيال الجديدة‎.‎
‏10.‏ إنشاء مراكز بحث واستراتيجية فلسطينية مستقلة تقدم الدراسات ‏والبدائل وتساعد على صناعة القرار بعيداً عن ردود الفعل الآنية‎.‎
من رد الفعل إلى المبادرة
ربما تكون إحدى أهم مشكلات العمل الوطني الفلسطيني أننا أصبحنا، في ‏كثير من الأحيان، نعيش بمنطق رد الفعل‎.‎
احتلال يحدث فنستنكر‎.‎
استيطان يتوسع فنحتج‎.‎
عدوان يقع فنصدر بياناً‎.‎
قرار دولي يصدر فنعلق عليه‎.‎
لكن حركة التحرر الوطني الحقيقية يجب أن تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة‎.‎
من انتظار الأحداث إلى صناعة الأحداث‎.‎
ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الصراع‎.‎
ومن الاعتماد على المبادرات الخارجية إلى إنتاج المبادرة الفلسطينية‎.‎
ومن التعامل مع الفلسطينيين كجمهور إلى التعامل معهم باعتبارهم مصدر ‏القوة الأساسي للمشروع الوطني‎.‎
هل نملك شجاعة التغيير؟
يبقى السؤال الأصعب‎:‎
هل نحن مستعدون فعلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟
فالإصلاح الحقيقي ليس مجرد تغيير بعض الوجوه أو إصدار بيانات جديدة‎.‎
الإصلاح الحقيقي يعني إعادة توزيع المسؤولية، وفتح المؤسسات أمام أجيال ‏جديدة، وقبول التعددية، وإقرار المساءلة، وإنهاء احتكار القرار، وإعطاء ‏الشتات حقه في التمثيل، والاعتراف بأن القضية أكبر من أي فصيل وأكبر ‏من أي قيادة‎.‎
وهنا يجب أن يكون المبدأ واضحاً‎:‎
لا أحد أكبر من فلسطين، ولا فصيل أكبر من الشعب، ولا قيادة أكبر من ‏القضية‎.‎
نحو عقد وطني فلسطيني جديد
ربما نحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته عقداً وطنياً فلسطينياً جديداً‎.‎
عقداً يعيد تحديد العلاقة بين الشعب ومؤسساته، وبين الداخل والشتات، وبين ‏الفصائل والمجتمع، وبين المقاومة والسياسة، وبين السلطة ومنظمة التحرير‎.‎
عقداً يقوم على المشاركة والديمقراطية والمساءلة، ويحافظ على الحقوق ‏الوطنية، ويعيد بناء أدوات النضال وفق احتياجات المرحلة الجديدة‎.‎
فالمطلوب ليس أن نبدأ من الصفر‎.‎
لدينا تاريخ طويل من النضال، وتجارب غنية، وقيادات وكفاءات، ‏ومؤسسات، وطاقات بشرية هائلة‎.‎
لكن المطلوب أن نستخلص من التجربة ما يفيد، ونتجاوز ما أثبت فشله، ‏ونبني ما تحتاجه المرحلة المقبلة‎.‎
الخاتمة: فلسطين تحتاج إلى مستقبل يصنعه الفلسطينيون
إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى إنقاذ من شعبها‎.‎
الشعب الفلسطيني هو الذي حافظ عليها طوال عقود من النكبة والاحتلال ‏والتهجير والانقسام‎.‎
ما تحتاجه القضية هو إعادة بناء القوة السياسية والتنظيمية التي تحملها إلى ‏المستقبل‎.‎
نحن أمام خيارين‎:‎‏ إما الاستمرار في إدارة الواقع القائم، بكل ما يحمله من ‏انقسام وتآكل وتراجع، وإما الشروع في عملية تاريخية لإعادة بناء حركة ‏التحرر الوطني الفلسطينية‎.‎
الخيار الثاني أكثر صعوبة، لكنه أكثر ضرورة‎.‎
فإنقاذ القضية لا يعني التراجع عن الثوابت، بل بناء القوة اللازمة لحمايتها‎.‎
ولا يعني التخلي عن الماضي، بل التعلم منه‎.‎
ولا يعني إلغاء الفصائل، بل وضعها في إطار وطني جامع‎.‎
ولا يعني تجاوز منظمة التحرير، بل إعادة بنائها وتجديدها‎.‎
ولا يعني انتظار العالم، بل مخاطبته والتأثير فيه‎.‎
ولا يعني البحث عن حلول مؤقتة لإدارة الاحتلال، بل بناء استراتيجية طويلة ‏الأمد للتحرر‎.‎
فلسطين ليست قضية الماضي فقط‎.‎
إنها قضية الحاضر والمستقبل‎.‎
وإذا كان الشعب الفلسطيني قد استطاع أن يحافظ على هويته وقضيته ‏وحقه طوال أكثر من سبعة عقود، فإن التحدي أمام الحركة الوطنية اليوم هو ‏أن ترتقي إلى مستوى هذا الشعب‎.‎
لقد حان الوقت للانتقال‎:‎
من الانقسام إلى الوحدة،‎
ومن الفصائلية إلى الشراكة،‎
ومن التمثيل المحدود إلى التمثيل الوطني الشامل،‎
ومن رد الفعل إلى المبادرة،‎
ومن إدارة الأزمة إلى بناء الاستراتيجية،‎
ومن انتظار المستقبل إلى صناعته‎.‎
إننا لا نحتاج إلى حركة وطنية فلسطينية جديدة لأنها تتخلى عن تاريخ ‏الحركة الوطنية، بل لأن استمرار هذا التاريخ يتطلب تجديد أدواته‎.‎
وهنا تكمن المهمة التاريخية‎:‎
إعادة بناء حركة تحرر وطني فلسطيني حديثة، ديمقراطية، جامعة ‏وعابرة للحدود، تستعيد وحدة الشعب، وتعيد الاعتبار لمنظمة التحرير، ‏وتستنهض طاقات الداخل والشتات، وتحول التضامن العالمي إلى قوة ‏سياسية، وتضع المشروع الوطني الفلسطيني على طريق جديد نحو الحرية ‏وتقرير المصير‎.‎
فالمستقبل لا ينتظر الفلسطينيين‎...‎
وعليهم أن يكونوا شركاء في صناعته، لا مجرد شهود على أحداثه‎.‎



#نظمي_يوسف_سلسع (هاشتاغ)       Nazmi_Yousef_Salsaa#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو حركة تحرر وطني فلسطيني جديدة ومشروع وطني جامع رؤى وأفكار ...
- فلسطينيو أوروبا أمام انتخابات المجلس الوطني: ‏لمن تكون الشرع ...
- في الثمانين... وما زال في القلب طفلٌ يحلم
- سبتة ومليلية بين التاريخ والقانون والهجرة والجغرافيا السياسي ...
- سبتة وغزة... عندما ترتد أزمات الجنوب إلى أبواب أوروبا الهجرة ...
- سبته ليست أزمة حدود ... لا أزمة نظام عالمي
- عندما تصبح التجارة أداة للابتزاز السياسي: ماذا ‏تعني تهديدات ...
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- مناهضة تسييس معاداة السامية... ‏دفاعًا عن الحقيقة والعدالة
- الانتخابات الفلسطينية... معركة على الشرعية ‏الوطنية لا سباق ...
- البيت العربي في مدريد... عندما يصبح الحوار ضحية ‏للاستقطاب ا ...
- أزمة حركة فتح ومأزق النظام السياسي الفلسطيني: هل يولد ‏المشر ...
- الفلسطينيون في أراضي 48: معركة البقاء الوطني في ‏زمن الإقصاء
- انتخابات الأندلس 2026: صعود اليسار يعيد التوازن ‏إلى المشهد ...
- الخليج في مرآة الحرب: هل انكشف الوهم أم حان وقت القرار؟
- إسبانيا في مواجهة التحولات الدولية: من مشروع ‏برشلونة إلى قي ...
- بعد مرور 45 عامًا… الحكومة الإسبانية ترفع السرية عن ‏وثائق ا ...
- إسبانيا: خمسة عقود على الديمقراطية ‏
- بعد وقف إطلاق النار في غزة: مسؤوليات جديدة ‏أمام الجاليات ال ...
- مؤتمر نيويورك لحل الدولتين… بين مسار المقاومة ‏وواقع الانقسا ...


المزيد.....




- الأمريكيون أكثر قلقاً من تطور الذكاء الاصطناعي.. ماذا يكشف ا ...
- خارجية سوريا توضح موقفها من سياسة إيران: نتاج 14 عاماً من ال ...
- إيران تقدم شكوى إلى -إيكاو- بسبب قيود أمريكية على قطاع الطير ...
- الجيش الإيراني يكشف عن دول تستضيف -قواعد للعدو- وتطلب عدم اس ...
- التربية اللبنانية: أكثر من 70 مؤسسة تعليمية ما زالت مراكز إي ...
- الجيش اللبناني يفكك جهازا زرعه الجيش الإسرائيلي في الجنوب (ص ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديدتين شمال وشرق أوكرانيا ...
- الاستخبارات الروسية تكشف كواليس السيطرة الأجنبية على -معارضة ...
- من هم -أتباع فلاسوف الجدد- الذين تستخدمهم الاستخبارات الغربي ...
- النائب حلمي جاويش يطالب بتحويل «الإيجار المنتهي بالتملك» إلى ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نظمي يوسف سلسع - إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ‏وصناعة المستقبل