أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - حكايات شعبية من مدينة يثرب (41)














المزيد.....

حكايات شعبية من مدينة يثرب (41)


حسين سليم
(Hussain Saleem)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 19:30
المحور: الادب والفن
    


كيف تتعلم الفساد في سبعة أيام؟


مقدّمة
لم تكن "يثرب" مدينة عادية؛ كانت أول مدينة تعلمت الكتابة قبل أن تتعلم البشرية العدّ، وزرعت النخلة قبل أن يعرف العالم الخبز، وسنّت أول قانون قبل أن تفكر الأمم بالقضاء. ولقد قرأتُ في كتب الأقدمين أن أهلها إذا اختلفوا احتكموا إلى الظلّ، وإذا جاعوا اقتسموا التمرة، وإذا ظُلموا كتبوا شكواهم على لوح من طين.
حيرة بين مسودّتين
كنتُ جالساً، حائراً أمام مشروع مسودّتين:
المسودّة الأولى: "مرض اليمين الطفولي - "البرجوليتاريا"؛ مسودّة ثقيلة، عديدة المصادر. وجدتُ بعد تفكير أنه مرض غريب؛ فالطفل إذا مرض يشفى ويكبر، أما اليمين إذا مرض وهو طفلٌ فيبقى طفلاً طول عمره، لكنه يرتدي ساعة رولكس!
المسودّة الثانية: "كيف تتعلم الفساد في سبعة أيام - بدون معلم". كراسة خفيفة، لا تحتاج إلى مصادر، بل تحتاج أن تفتح الشباك وتُلقي بعينك على الواقع. الفساد عندنا ليس نظرية في الكتب، بل ممارسة يومية تُباع في العلن مثل الطماطم.
حوار مع "أبي مواطن"
دخل عليّ أبو مواطن - بلباسه البسيط وعلاكته التي تضم الخبز والطماطم - وبعد أن بيّنتُ له الأمر، سألني باستغراب:
- ليش تركت المسوّدة الأولى يا عمي؟
- إن كتبتها سيقول عني اليسارُ الشايب: "إني يميني"، وسيقول عني اليمينُ الطفولي: "إني يساري"، وكلاهما يقطع رزقي.
- شلون يقطع رزقك؟
- تذكرني بقصة ذلك الرجل الذي رافقني في الزنزانة؛ "شيخ صاحب" كتب ألف صفحة من مسوّدة كتاب (المقارَن في الأديان) بعد ثماني سنوات من جمع المصادر وست سنوات من الكتابة. عاد ذات يوم سكراناً فوجد أخته تخبز بالتنور، فأعطاها المسوّدة وقوداً للنار، وهو يقول: "يمعودة، هذولة حتى قبري ينبشوه على هذا الكتاب!"
- يعني هسة أنت تتحاشى المشاكل وتكتب الثانية؟
- نعم، لأن الأولى تشخّص المرض، والثانية تعلّمه. ونحن في يثرب مللنا التشخيص!
طويتُ مسودّتي الأولى ووضعتها تحت الكتب ليوم موعود.
فقال أبو مواطن: "اكتب الثانية يا عمي.. الأولى اتركها لطلاب العلوم السياسية يترزقون بها، ولو عاجبتني مفردة "البرجوليتاريا"، بلكت تكتبلنا فد يوم سالفة عنها."
فتحتُ كراسة المسودة وبدأت أقرأ على أبي مواطن برنامجاً عملياً:
إليك هذه الخطوط العامة لمسودّة (الفساد في سبعة أيام) دون الغوص في التفاصيل:
البرنامج العملي لتعلم الفساد في سبعة أيام
اليوم الأول: محو الأمية الوطنية
الدرس: أن تنسى أنك مواطن. من الآن أنت لست مواطناً، أنت "حالة"، "ملف"، "مراجع". الفاسد الناجح يرمي هويته في النهر.
التطبيق: اذهب إلى أي دائرة وتعلّمْ نظرة الموظف إلى المواطن كأنه ذبابة.
الواجب: أن تكتب مئة مرة: "أنا لست مواطناً، أنا فرصة استثمارية."
اليوم الثاني: دوام الحمدلة
الدرس: أن تسرق المليار وتقول: "الحمد لله، فضل من الله ودعاء الوالدة". تغسلها بالحمدلة فتصبح حلالاً زلالاً.
التطبيق: افتح وسائل التواصل، ستجد من يفتتح رصيفاً متهالكاً ويحمد الله. تعلّم أن تربط "الزفت" بالسماء.
عقّب أبو مواطن: "الحرامي الذي يحمد الله، الله يغلس عليه!"
اليوم الثالث: فن الخطابة العوجاء (اگعد اعوج واحجي عدل)
الدرس: كلما سرقتَ أكثر، احكِ عن النزاهة أكثر. ابكِ على الفقير وأنت سارق رغيفه.
التطبيق: اذهب للمقهى، اطلب شاياً، واحكِ بصوت عالٍ عن "المؤامرة على تجربتنا" و"استهداف مكوناتنا". تعلّم الخطابة؛ تذم الفساد وتمدح النزاهة والقضاء.
عقّب أبو مواطن: "مثل الديك، كلما صاح أكثر باض أقل!"
اليوم الرابع: أسس لك خيمة
الدرس: لا تسرق وحدك فيسمونك حرامياً. أسس حزباً، منظمة، تكية، أو رابطة. السرقة الجماعية اسمها "مشروع".
التطبيق: اجمع ثلاثة من جماعتك؛ مستشاراً، ومحللاً، وناشطاً، وافتحوا واجهة باسم "يثرب تجمعنا".
الواجب: إصدار أول بيان استنكار ضد الفساد!
عقّب أبو مواطن: "لازم تسوي لك شبكة، حتى من تبوك، تگول: مو آني، الجماعة."
اليوم الخامس: رياضة القفز المالي
الدرس: الأموال مثل الماء، إذا بقيت في مكان واحد تفسد. يجب أن تقفز؛ اليوم هنا، غداً في دبي، وبعده في تركيا. لا تقل هربتُها، بل قل "استثمرتُها".
عقّب أبو مواطن: "الفلوس مثل المي، إذا انحبس يخيس."
اليوم السادس: سوق الضمائر
الدرس: اذهب إلى سوق المتنبي، ليس لتشتري كتاباً، بل لتشتري ذمماً. هناك ضمائر مستعملة ونظيفة، محلية ومستوردة. اشترِ اثنين واجعلهما يتقاتلان أمام الناس بينما تعبر أنت بهدوء.
التطبيق: اجعل أحدهما يدافع عنك في القنوات، والآخر يكتب فيك قصيدة مديح.
اليوم السابع: يوم الحصاد (العمرة)
الدرس: ترتاح، فقد صرت فاسداً رسمياً! يظهر اسمك في قوائم العقوبات، وفي التلفزيون يسمونك "رجل أعمال معروف" و"مصدر مطلع". تذهب للحج وتعود مغفور الذنب بدشداشة بيضاء تحاضر في الزهد.
خاتمة
سكت أبو مواطن طويلاً، ثم حمل علاكته التي فيها خبز وطماطم وقال:
"عمي.. كل البرامج النظرية التي تعلمتها في حياتي، من محو الأمية، والديمقراطية، والخصخصة.. كلها حبر على ورق. إلا برنامجك هذا، حفظته بصماً؛ لأنه الوحيد الذي يُطبّق كلّ يوم في الشارع. عملي موش نظري."
ثم أضاف وهو يخرج من الباب:
"بس نسيت اليوم الثامن يا سيد!"
قلتُ: "شنو هو؟"
قال أبو مواطن: "اليوم الثامن: كيف تتخلص ممّا تعلمته في سبعة أيام.. وهذا لا أنت تعرفه، ولا أنا!"
ضحكتُ، وكتبتُ في المسودة إهداءً أخيراً:
"إلى أبي مواطن.. الذي لم يصب لا بمرض اليمين - "البرجوليتاريا"، ولا بمرض اليسار، بل بمرض الانتظار. وإلى أهل يثرب.. الذين علموا العالم كيف يكتب، ثم نسوا كيف يكتبون شكوى..."



#حسين_سليم (هاشتاغ)       Hussain_Saleem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين أكل الحبرُ الذاكرة/ قصة قصيرة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (40)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (39)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (38)
- قفشات يومية (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (37)
- كتاب وقصة (3)
- قفشات يومية
- كتاب وقصة (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (36)
- شذرات (1)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 35
- كتاب وقصة (1)
- فزعة مؤمنين
- بغداد مدينة سرياليّة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 31
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 30
- زهرة اللوتس واحدة تكفي 1
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 29
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 28


المزيد.....




- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - حكايات شعبية من مدينة يثرب (41)