حسين سليم
(Hussain Saleem)
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 18:48
المحور:
الادب والفن
في قلب غابةٍ سوداء تتنفس برئةٍ من البخار الصدئ، لم تكن الأرض سوى ميناءٍ برونزيٍّ أملس، يتوسطه طرازٌ مهول لساعة حائطٍ عملاقة، امتدّت جدرانها العاجية نحو السّماء لتشكّل سياجًا محكم الإغلاق، أملس إلى الحدّ الذي يقطع أنامل من يحاول تسلقه. كنّا نحيا هناك، داخل ذلك العشّ الزجاجي المغلق، حيث صُمِّمت مدننا وقرانا كتروسٍ صغيرة، تفصل بين المدينة والأخرى مسافةُ ساعةٍ كاملة من المسير على أسطحِ الفولاذ المهشّم.
لم يكن سياجًا عاديًا، بل كان سجنًا وجوديًا لا منافذ له. في كلّ مكان، كانت هناك عقاربُ نحاسية تدور بحركةٍ آلية قاسية، تحسب الساعات والدقائق، وفي زوايا الوقت، أُقيمت دوائرُ صغرى تحوي عقارب متناهية الصغر للثواني، وأخرى للأيام والتواريخ؛ عقارب حادة كالمقصلة، تسير وفق قدرٍ ميكانيكي لا يرحم، تضبط أنفاسنا، وتحتسب خطواتنا، وتتحكم في مصائرنا منذ فجر الخليقة.
كنتُ أقف متسمرًا بين طيات الوقت، أزاحم أجسادًا شاحبة أرهقها الانتظار. حين تتحرك العقارب الكبرى بثقلها المرعب، لم تكن مجرد أدوات لتحديد الزمان، بل كانت سواطير رومانية عملاقة، تهوي بصرامة متناهية لتجزّ رقاب المذنبين والأبرياء على حدٍّ سواء، قطافًا حادًا لأرواحٍ لم تجد في المدى متسعًا للهرب.
وفي أسفل كلّ هذا الهيكل، ثبُت بندولٌ ضخم من الحديد الأسود، ينوس بحركةٍ رتيبة تبث الرعب في الأوصال. كلما انهمر دقّه الثقيل، ارتجّت العظام، وصاح العزيف كصوت كنيسةٍ نائية تعلن الحداد الأبدي على أولئك الذين انزلقت أقدامهم وسقطوا خارج إطار الزمن. أسفل البندول تمامًا، تمتد مقبرةٌ أزلية، لا تهجع ولا تنام، تتقد فيها نيرانٌ حمراء داكنة تتغذى على أجساد الساقطين؛ كلما ابتلعت المقبرةُ غريبًا سقط من حافة العقرب، تصاعد لهبٌ جديد يلون جدران الساعة بلون الدم والرماد.
منذ الخليقة، ونحن مقيمون في هذه المصيدة، ننتقل بين ترسين معطوبين، معرضين لشتى أصناف الفناء: جوعٌ يقتطع من أجسادنا، وافتراسٌ من ظلالٍ تسكن تجاويف الدقائق، وحروبٌ تندلع كلما تقاطعت عقارب الأيام، وطوفانٌ من الزئبق الأسود ينهمر مع كل دورةٍ كاملة للتواريخ، أو حرائقُ تأكل ما تبقى من القرى الموزعة على قرص الوقت. نحن لسنا بشرًا في هذه الغابة، بل نحن الوقود الحيّ الذي يُبقي هذه الساعة تدور إلى الأبد.
فجأةً، وتحديدًا عند منتصف اللّيل المعتم لقرص التواريخ، توقّف البندول. لم يكن توقفًا تدريجيًا، بل كان سكتةً قلبيةً ميكانيكيةً هزّت النسيج الفولاذي لمدننا. العزيف الذي اعتاد أن يصرخ بالحداد صمت دفعة واحدة، والحرائق الداكنة أسفل المقبرة الأزلية هبطت إلى جمرٍ باهتٍ يرتجف. في تلك اللحظة التي توقفت فيها العقارب-السواطير عن القطاف، انشقّ الفراغ في زاوية الدقيقة الثانية والأربعين. لم يخرج من الشق كائنٌ له وجه أو أطراف، بل تسلّلت "المحو"؛ القوة الأكثر شراسةً من الفناء الميكانيكي نفسه.
كانت "المحو" عبارة عن حبرٍ حيوانيٍّ أسود، كثيفٍ ولزج، يبصقه اللا شيء. لم تكن هذه القوة تقتل الأجساد كعقارب الساعة، بل كانت تأكل الوجود القانوني للأشياء. لمست أوّل قطرةٍ منها الترس الخارجي لمدينتنا، فلم يتهشم الترس، بل نُسي. نُسيت المباني المصلوبة عليه، وأُمحيت ذكريات السكان الذين كانوا يقفون فوقه، حتّى إننا -نحن الناجون على الترس المجاور- لم نعد نذكر أننا كان لدينا جيرانٌ بالأمس. أصبحت مساحة الترس مجرد فراغٍ أبيض خالٍ من الفكرة.
تسرّبت "المحو" بين المسام العاجية للجدران. كانت تتحرك بمنطقٍ كابوسي؛ تلتهم التاريخ قهقرى. كلما شربت حبرًا من تاريخ قرية، امحت الآثار الأدبية والجينولوجية لأهلها، فيتلاشى الأطفال أولًا من أرحام أمهاتهم، ثم تتلاشى الأمهات من ذكريات الآباء، حتّى ينتهي الوجود وكأنه لم يُكتب قط.
رأيت صديقي "ميزان" يقف أمامي. هجمت عليه شائبة من الحبر الأسود؛ لم يصرخ، ولم يسل دمه على السطح البرونزي الأملس. فقط، بدأت ملامح وجهه تُمسح كما يُمسح خط الرصاص بالممحاة. انمحت عيناه، ثم أنفه، ثم تهاوت حروف اسمه من لساني. حاولت أن أناديه، لكن حبالي الصوتية لم تجد مفهومًا لقصده، كنت أقف أمام لا شيء، أحمل في ذاكرتي فراغًا على شكل رجل. الشر هنا لم يكن يرغب في دمنا ليكون وقودًا للمقبرة كالساعة، بل كان يريد أن يحول القصة بأكملها إلى صفحة بيضاء.
بدأت المقبرة الأزلية نفسها تحت البندول تصرخ؛النيران التي تغذت على أجسادنا لقرون شعرت بالرعب من هذا الكائن الجديد الذي يأكل المادة والعدم معًا. حتّى الساعة -سجّاننا الميكانيكي القاسي- بدأت ترتعد. تداخلت تروسها الصدئة، وحاولت عقاربها النحاسية أن تتصلّب لتقاتل هذا السائل الذي يعيدها إلى مرحلة "قبل التصميم".
وقفتُ على حافة عقرب الثواني المتوقف، أراقب الحبر الأسود وهو يتسلق العاج الأبيض نحو السماء. لم نعد خائفين من الموت، فالموت في هذه الساعة كان يقينًا ميكانيكيًا نألفه... كنّا مرعوبين من أن نكون لم نكن.
ازداد طغيان "المحو" ضراوة عندما أدركت العقول المتبقية أن الحبر الأسود لا يأكل المادة والأحداث فحسب، بل بدأت قطراته تحقن الفراغ بـ "كائنات العدم"؛ مخلوقات سريالية لا تخضع لقوانين التروس أو الفيزياء الفولاذية. خرجت من برق السائل اللزج أطيافٌ على شكل "مقصّات أفقية" بلا مقابض، تشبه ظلالاً ثلاثية الأبعاد ترعى في تجاويف الوقت. لم تكن هذه المقصات تقتل البشر، بل كانت تقصّ "الروابط الوراثية والمكانية". إذا مرت المقالة الهوائية لمقصّ بين أب وابنه، تحوّل الابن فوراً إلى غريب، وانمحت المحبة لتتحول إلى عداء أزلي بلا سبب. وإذا قُصّ الرابط بين الأقدام والسطح البرونزي، أخذ الضحايا يطفون إلى الأعلى بنحوٍ لا نهائي في الفراغ العاجي للسقف، يتضورون جوعاً وهم معلقون بين السماء والساعة، يراقبون مأساتنا بعيونٍ متسعة.
وفي زاوية الدقيقة الثامنة والخمسين، تجسّد "المهندس العاري". كان كائناً هائلاً بلا ملامح، يتكون جسده من ورق صحف قديمة تتغير كلماتها بسرعة مرعبة، وتحمل رؤوسه الثلاثة أقلمة حبرٍ جافة تُسيل القطران. كان ينحني فوق التروس المتوقفة، وبدلاً من إصلاحها، كان يكسر سنان كل ترسٍ بإبهامه العظمي، ثم يلحس الجرح البرونزي بلسانه ليترك مكانه بقعة زجاجية شفافة.
كنّا نرى جيراننا يسيرون فوق تلك البقع الشفافة، فيعتقدون أنهم على قيد الحياة، حتّى يكتشفوا أن أقدامهم تحوّلت إلى ضباب، وأصواتهم أصبحت تُسمع قبل أن يتكلموا بقرنين، أو بعد أن يموتوا بألف سنة؛ لقد بعثر "المهندس العاري" تسلسل أفعالهم، فصار أحدهم يبكي على موته قبل أن يولد، ويأكل عشاءه بعد أن ينتهي جسده من التحلل. حتّى "البندول الأسود"، القوة الغاشمة التي كانت ترعبنا بدقاتها، تعرض للانتهاك. تسلقت "المحو" سلكه الحديدي العظيم، وبدأت تحوّل كتلته الصماء إلى عين بشرية عملاقة وناعسة. أصبحت العين تنوس ببطء، وفي كلّ مرّة ترمش فيها، ينطفئ جزء من الضوء الطبيعي للكون، ويسقط مئات السكان من حافة الساعة، ليس إلى المقبرة ذات النيران الحمراء هذه المرة، بل إلى "حفرة الصمت"؛ مكان لا يوجد فيه حتّى الصرخات، حيث يتساقطون للأبد في فراغٍ لا يملك قاعاً ولا جدراناً.
صرتُ أركض على عقرب الأيام المتشقق، وأنا أرى الفولاذ نفسه يفرّ من هذه الكائنات. التروس كانت تحاول أن تقفز فوق بعضها البعض للهرب، متسببة في سحق قرى كاملة تحت وزنها الآلي. الساعة أصبحت تأكل نفسها من الفزع؛ العقارب الصغرى للثواني انثنت على شكل خطاطيف وشرحت القرص، والمعدن بدأ يفرز عرقاً من الزئبق المسموم ليغرق الممرّات.
في هذه المرحلة من الفوضى، لم يعد الشر مجرد أداة لإبادتنا... بل أصبح يغيّر تعاريف الأشياء. الأمل أصبح يسبّب العمي، والخوف أصلح الأقدام الكسيرة، والعدم صار الجدار الوحيد الذي يمكننا الاستناد عليه كي لا نتلاشى.
#حسين_سليم (هاشتاغ)
Hussain_Saleem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟