أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين محمود صالح - حين يُساء تفسير الدين: كيف تحولت بعض النصوص إلى مبرر للعنف؟














المزيد.....

حين يُساء تفسير الدين: كيف تحولت بعض النصوص إلى مبرر للعنف؟


حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 23:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أخطر المشكلات التي واجهها الإسلام عبر تاريخه ليست فقط مشكلة وجود نصوص تتحدث عن الحرب، بل مشكلة الطريقة التي يمكن أن تُفسَّر بها هذه النصوص خارج سياقها. فعندما يأخذ شخص آية تتحدث عن حرب تاريخية، ثم يحولها إلى قاعدة عامة لقتل كل من يختلف معه، فإنه لا يمارس قراءة للنص فحسب، بل يصنع منه أداة أيديولوجية للعنف.

المشكلة هنا ليست في وجود نصوص عن القتال؛ فالقرآن يتحدث صراحة عن الحروب والقتال. المشكلة في السؤال التالي: هل كل أمر بالقتال كان أمرًا مفتوحًا لكل زمان ومكان ولكل شخص؟

اقتطاع النص من سياقه

من أشهر الأمثلة الآية:

«فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم»
(التوبة: 5).

يستطيع شخص أن يقرأ هذه الجملة وحدها ويستنتج منها أن الإسلام يأمر المسلمين بقتل المشركين أينما وجدوا. لكن هذا الاستنتاج يتجاهل السياق الذي وردت فيه الآية؛ فهي جزء من مقطع يتحدث عن صراع وعهود وحرب مع جماعات معينة.

والأهم أن الآية التالية مباشرة تقول:

«وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه»
(التوبة: 6).

وهذا يوضح أن التعامل مع النص لا يمكن أن يقوم على اختيار جملة واحدة وترك بقية النص.

لذلك فإن استخدام الآية باعتبارها أمرًا دائمًا بقتل جميع غير المسلمين يمثل تفسيرًا انتقائيًا يحتاج إلى تبرير، وليس نتيجة تلقائية للنص.

من «القتال» إلى «قتل كل مخالف»

الخطأ الأكبر يحدث عندما يُمحى الفرق بين المحارب وغير المحارب.

هناك آية واضحة تقول:

«وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا»
(البقرة: 190).

حتى مع اختلاف المفسرين في تفاصيل معنى الآية وحدودها، فإن وجود عبارة «الذين يقاتلونكم» و«ولا تعتدوا» يجعل من الصعب تحويلها ببساطة إلى رخصة لقتل المدنيين أو الأشخاص الذين لم يشاركوا في الحرب.

وعندما تقوم جماعة مسلحة بقتل شخص لأنه ينتمي إلى دين معين، أو لأنه يعيش في منطقة معينة، ثم تستشهد بآيات القتال، فهي تقوم بخطوة تفسيرية إضافية: تحويل نصوص مرتبطة بالحرب إلى مبدأ دائم لاستهداف الناس بسبب هويتهم.

وهنا يمكن توجيه النقد بوضوح إلى هذا النوع من التفسير.

المشكلة ليست في النص وحده، بل في القارئ أيضًا

النص الديني لا يتحدث وحده؛ هناك دائمًا شخص يفسره.

وهذا يعني أن شخصين قد يقرآن النص نفسه ويصلان إلى نتائج مختلفة. أحدهما قد يرى أن الآيات تتحدث عن ظروف تاريخية محددة، بينما يرى الآخر أنها أوامر دائمة.

لذلك فإن عبارة «الإسلام يقول» قد تكون أحيانًا مضللة؛ لأن السؤال الأهم هو:

أي تفسير للإسلام؟ ومن الذي يفسر النص؟ وبأي منهج؟

فالتاريخ الإسلامي نفسه شهد اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء والمذاهب في مسائل الحرب والسلام والتعامل مع غير المسلمين.

عندما يصبح التفسير أكثر عنفًا من النص

يمكن أن يتحول التفسير الديني إلى مشكلة عندما يبدأ المفسر بإضافة أمور لا يقولها النص صراحة.

مثلًا:

النص يتحدث عن القتال → المفسر يحوله إلى كراهية → ثم إلى إباحة قتل غير المسلمين → ثم إلى اعتبار المدنيين أعداء → ثم إلى اعتبار قتلهم عبادة.

هذه ليست مجرد قراءة للنص؛ إنها سلسلة من الاستنتاجات تحتاج كل واحدة منها إلى دليل مستقل.

وهنا تكمن إحدى أخطر صور التطرف: أن يصبح قتل الإنسان دليلًا على الإيمان بدل أن يكون جريمة تحتاج إلى تبرير.

هل يتحمل الإسلام مسؤولية سوء تفسيره؟

هذا سؤال أكثر تعقيدًا.

من جهة، لا يصح تحميل دين كامل مسؤولية كل جريمة ارتكبها شخص باسمه. فكما لا نحكم على كل أتباع دين من خلال أكثر أتباعه تطرفًا، لا يمكن اعتبار كل تفسير متطرف ممثلًا وحيدًا للدين.

لكن من جهة أخرى، وجود نصوص يمكن استخدامها لتبرير العنف يفرض مسؤولية فكرية حقيقية على المؤسسات الدينية والمفسرين. فمن غير الكافي أن نقول إن المتطرفين «أساؤوا الفهم»؛ بل ينبغي شرح لماذا كان تفسيرهم خاطئًا، وما القواعد التي تمنع تحويل نصوص الحرب إلى أوامر عامة في العصر الحديث.

الخلاصة

المشكلة الأساسية ليست أن الإسلام لا يحتوي على نصوص عن الحرب؛ فهو يحتوي عليها بوضوح. وليست المشكلة أيضًا أن التاريخ الإسلامي خالٍ من العنف؛ فهو ليس كذلك.

المشكلة الحقيقية تظهر عندما يُنتزع النص من سياقه، ويُعمَّم على جميع الأزمنة والأشخاص، ثم يُستخدم لإعطاء شرعية دينية لقتل من لا علاقة له بالحرب.

ومن هنا يمكن توجيه نقد جاد للتفسير المتطرف: ليس لأنه يستخدم الدين فحسب، بل لأنه يختار بعض النصوص، ويتجاهل نصوصًا أخرى، ويفصل الآيات عن سياقها، ثم يحول أحكامًا مرتبطة بظروف معينة إلى أوامر مطلقة.

وبذلك يصبح السؤال الأهم ليس فقط: «ماذا يقول النص؟»، وإنما أيضًا:

«كيف فُسِّر النص، ومن أعطى نفسه الحق في تحويل تفسيره إلى مبرر لقتل إنسان آخر؟»



#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)       Husein_Mahmoud_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العبودية الفكرية: القيد الذي لا تراه العين
- فلسطينون لبنان ما مصيرهم!؟
- كيف تُغسل العقول باسم المقاومة والدين والقضية؟
- عفوٌ عام… إلا إذا كنت خصماً لحزب الله
- جوزاف عون والمفاوضات تحت النار: قرار سياسي على حساب الدم
- عندما تصبح التماسيح جزءًا من صورة السجن: أسئلة إنسانية حول ح ...
- حين تصبح المشنقة لغة الدولة: ماذا تكشف موجة الإعدامات في إير ...
- إيران وميليشياتها… مشروع نفوذ أم وصفة لتدمير الشرق الأوسط؟
- المسيحيون تحت النار: أين ضمير العالم؟
- ماذا لو تدخل أحمد الشرع عسكريًا في لبنان؟ قراءة في السيناريو ...
- عندما تصبح العدالة امتيازًا للرجل: المحاكم الشرعية في لبنان ...
- غرينلاند ليست الهدف… بل الدليل على أن العالم يدخل مرحلة “الإ ...
- عندما يُباع الميزان
- سيقنعونك بالجنة… لكنهم قد يحجبون عنك جوهر الله
- حين تصبح الهوية الفلسطينية سببًا للإذلال
- جنوب لبنان بين الدمار والهواجس: هل يتحول القصف إلى مشروع سيا ...
- الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ...
- لا تجعلوا المخيم وقودًا لحروب الآخرين… أنقذوا مستقبل أبنائكم
- الدين ليس انتقائية
- لبنان بين الاتفاق مع إسرائيل واحتمال التفكك الداخلي: قراءة ت ...


المزيد.....




- الأعياد اليهودية.. سلاح الاحتلال لفرض السيطرة الزمنية والمكا ...
- -ليحاسب الله إسرائيل-.. كلمة محمود خليل في فعالية يهودية تغض ...
- 8 دول إسلامية تدعو إسرائيل لتنفيذ التزاماتها بغزة ووقف الاست ...
- نتنياهو الملاحق بجرائم حرب يتوعد ممداني ويتهمه بـ«التحريض ضد ...
- الأرجنتين توجه اتهامات إلى 7 إيرانيين ولبناني في قضية تفجير ...
- نيويورك.. يهود يحيون ذكرى فلسطينيين قتلوا في غزة بمناسبة -يو ...
- وزراء خارجية 8 دول إسلامية يدعون لتنفيذ المرحلة الأولى من ال ...
- سفير إسرائيل في ألمانيا: الحياة اليهودية في برلين في خطر
- مالي: عشرة أيام دامية وسط البلاد بعد هجمات لجماعة نصرة الإسل ...
- الأرجنتين تتهم سبعة إيرانيين ولبنانيا في تفجير استهدف مركزا ...


المزيد.....

- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسين محمود صالح - حين يُساء تفسير الدين: كيف تحولت بعض النصوص إلى مبرر للعنف؟