أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين محمود صالح - كيف تُغسل العقول باسم المقاومة والدين والقضية؟















المزيد.....

كيف تُغسل العقول باسم المقاومة والدين والقضية؟


حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 22:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يريدون منك أن تفكر:

أخطر ما تفعله الجماعات المسلحة ليس أنها تحمل السلاح، بل أنها تحاول أن تحمل العقل نفسه.

فالسلاح يمكن أن يقتل إنساناً، أما غسل الوعي فيمكن أن يحوّل إنساناً حراً إلى شخص يدافع عن من يسيطر عليه، ويبرر له أخطاءه، ويهاجم كل من ينتقده، حتى لو كان هذا النقد في مصلحته.

وهنا تكمن المشكلة مع حماس وحزب الله والمشروع الإيراني، ومع جماعات مسلحة أخرى تستخدم الدين أو المقاومة أو المظلومية أو الخوف لتعبئة الناس.

المشكلة ليست في أن تكون لديك قضية.

المشكلة عندما تصبح القضية ملكاً لجماعة.

حماس: لا تسمحوا لهم بتحويل فلسطين إلى بطاقة حصانة

فلسطين قضية، وحماس تنظيم سياسي وعسكري.

الفلسطيني ليس حماس، ومن يحب فلسطين ليس مطالباً بحب حماس، ومن ينتقد حماس لا يصبح خائناً لفلسطين.

لكن الدعاية السياسية تحاول باستمرار كسر هذا التفريق.

تقول لك: إما أن تكون معنا، أو أنك ضد فلسطين.

وهذه واحدة من أكثر الحيل السياسية خبثاً.

لأنها تسرق منك حقك في السؤال.

تسأل: لماذا اتُخذ هذا القرار؟
يقال لك: أنت تشكك بالمقاومة.

تسأل: لماذا يدفع المدنيون الثمن؟
يقال لك: أنت تخدم العدو.

تسأل: هل التنظيم معصوم من الخطأ؟
يقال لك: أنت خائن.

وهكذا تتحول المقاومة من وسيلة سياسية إلى عقيدة مغلقة، ويتحول التنظيم من جهة يفترض أن تخضع للمساءلة إلى جهة تريد أن تحاسب الآخرين ولا تريد أحداً أن يحاسبها.

وهذه ليست حرية.

هذه طاعة.

حزب الله: عندما يصبح الحزب فوق الدولة وفوق السؤال

النقد هنا أكثر وضوحاً.

أي تنظيم يمتلك سلاحاً خارج سلطة الدولة، ويقدم نفسه باعتباره صاحب الحق في تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، يضع نفسه عملياً فوق المواطن الذي يفترض أن يعيش تحت القانون.

والأخطر عندما يتم تغليف هذه السلطة بشعارات دينية وتاريخية وعاطفية تجعل الاعتراض عليها يبدو كأنه اعتراض على الدين أو المقاومة أو الطائفة.

وهنا يتم ارتكاب عملية نفسية خطيرة:

يتم دمج التنظيم بهوية الإنسان.

فيصبح انتقاد الحزب إهانة للطائفة.

وانتقاد القيادة إهانة للمقاومة.

وانتقاد السياسة خيانة للضحايا.

وبهذه الطريقة لا يعود الشخص يدافع عن فكرة لأنه اقتنع بها؛ بل يدافع عنها لأنه يشعر أن هويته الشخصية أصبحت مرتبطة بها.

وهذا هو القفص الحقيقي.

إيران: تصدير النفوذ يبدأ أحياناً من تصدير الرواية

إيران لم تبنِ نفوذها الإقليمي بالسلاح وحده.

هناك أيضاً رواية سياسية تقوم على تقسيم العالم إلى معسكرين: نحن في مواجهة الأعداء.

هذه الرواية مريحة جداً للعقل البسيط.

فإذا كنت تواجه عدواً دائماً، فلا تحتاج إلى تفسير فشلك.

ولا تحتاج إلى الاعتراف بأخطائك.

ولا تحتاج إلى سؤال القيادة عن مسؤوليتها.

كل شيء يمكن تفسيره بالمؤامرة.

الاقتصاد؟ مؤامرة.

الفشل السياسي؟ مؤامرة.

الاحتجاج؟ مؤامرة.

النقد؟ عمالة.

وهكذا يصبح العدو الخارجي شماعة دائمة تعلق عليها السلطة أخطاءها.

والشخص الذي يصدق أن كل منتقد عميل، وكل معارض خائن، وكل سؤال مؤامرة، يصبح من السهل جداً قيادته.

الجماعة التي تخاف من السؤال تخاف من الحقيقة

اسأل نفسك:

لماذا تخاف بعض الجماعات من السؤال؟

لماذا يصبح السؤال عن القيادة خيانة؟

لماذا يُطلب من الأتباع مشاهدة إعلام الجماعة فقط؟

لماذا يتم تكرار صورة القائد والخطاب والشعار حتى يتحول إلى جزء من الوعي اليومي؟

لماذا يتم تقديم الموت دائماً بصورة بطولية، بينما يتم تجاهل السؤال عن الحياة التي كان يمكن إنقاذها؟

ولماذا يتم تصوير الخصم دائماً كشيطان، بينما يتم تصوير الجماعة دائماً كضحية؟

هذه ليست مصادفات.

الدعاية المتطرفة تعتمد على بناء روايات قادرة على التجنيد والتعبئة، وتستغل وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لتضخيمها؛ وهذا أمر موثق في جهود الأمم المتحدة لمواجهة التطرف العنيف. (un.org)

غسل الدماغ لا يعني أن الإنسان غبي

وهذه نقطة مهمة.

الشخص الذي يقع تحت تأثير الدعاية ليس بالضرورة غبياً.

قد يكون مظلوماً.

قد يكون غاضباً.

قد يكون فقد شخصاً يحبه.

قد يكون فقيراً.

قد يشعر بالإهانة أو العجز.

وقد تأتي الجماعة وتقدم له شيئاً يحتاجه نفسياً: هوية، وانتماء، وعدواً، ومعنى، وإحساساً بالقوة.

ولهذا فإن أخطر الدعاية ليست التي تقول لك: “تعال واقتل.”

بل التي تقول لك:

“نحن الوحيدون الذين يفهمونك.”

ثم:

“نحن الوحيدون الذين يدافعون عنك.”

ثم:

“من يختلف معنا يكرهك.”

ثم:

“من ينتقدنا خائن.”

ثم:

“لا تستمع إلى أحد خارج جماعتنا.”

وفي النهاية يصل الإنسان إلى المرحلة التي لم يعد فيها بحاجة إلى أن تأمره الجماعة.

لقد أصبح يدافع عنها من تلقاء نفسه.

تحويل الضحية إلى أداة

الجماعات المسلحة بارعة في استخدام صور الضحايا والمآسي.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو:

هل نحزن على الضحية لأنها إنسان، أم نستخدمها لتعبئة الناس للحرب؟

هناك فرق هائل بين التعاطف مع طفل قُتل وبين استخدام صورة الطفل لإقناع آلاف الشباب بأن الموت هو الطريق الوحيد للكرامة.

هناك فرق بين مقاومة الظلم وبين تحويل المظلوم إلى وقود سياسي.

وهناك فرق بين الدفاع عن الوطن وبين إقناع المواطن بأن عليه أن يموت من أجل مشروع تنظيم لا يحق له مناقشته.

الإنسان يجب أن يكون غاية القضية، لا وقوداً لها.

أخطر كلمة في قاموس الجماعات المغلقة: “نحن”

عندما تقول جماعة:

“نحن دائماً على حق.”

فاحذر.

عندما تقول:

“قيادتنا لا تخطئ.”

فاحذر.

عندما تقول:

“كل من يعارضنا عميل.”

فاحذر.

عندما تقول:

“لا تستمع إلى الإعلام الآخر.”

فاحذر.

عندما تقول:

“لا تسأل، ثق بنا.”

فاهرب بعقلك.

لأن الجماعة التي تحتاج إلى تعطيل عقلك حتى تحافظ على ولائك لا تبحث عن مواطن حر.

إنها تبحث عن تابع.

لا تجعل المظلومية تسرق منك عقلك

نعم، هناك احتلال وظلم وحروب ودماء وضحايا.

لكن وجود الظلم لا يجعل كل من يرفع شعار مقاومته على حق.

وجود قضية عادلة لا يمنح أي تنظيم شيكاً على بياض.

والمقاومة لا تعني العصمة.

والدين لا يعني طاعة السياسي.

والطائفة ليست حزباً.

والوطن ليس ميليشيا.

والشهيد ليس ملكاً لجماعة.

والضحية ليست ملكاً للدعاية.

الخطر الأكبر ليس أن يملكوا سلاحاً

الخطر الأكبر أن يصلوا إلى مرحلة يصبح فيها الشخص الذي يحمل السلاح مقتنعاً أن السؤال جريمة.

عندها لا يعود السلاح وحده هو المشكلة.

المشكلة أن العقل أصبح سلاحاً بيد غير صاحبه.

ولهذا يجب أن نتعلم أن نقول:

أؤيد فلسطين، ولا أؤيد كل ما تفعله حماس.

أرفض الاحتلال، ولا أحتاج إلى أن أؤيد إيران.

أتعاطف مع اللبنانيين، ولا أحتاج إلى تقديس حزب الله.

أرفض قتل المدنيين، أياً كانت هوية من قتلهم.

وأرفض أن يستخدم أي تنظيم الدين أو الوطن أو المظلومية لإلغاء حقي في التفكير.

لن أستبدل احتلال الأرض باحتلال العقل.

لأن تحرير الإنسان لا يبدأ عندما يحمل بندقية.

بل يبدأ عندما يستطيع أن يقول:

لا أوافقك.

دون خوف.

ودون أن يُتهم بالخيانة.

ودون أن يتنازل عن عقله لأي قائد أو حزب أو جماعة أو دولة.

فالإنسان الذي يفكر بحرية أصعب بكثير من الإنسان الذي تم غسل وعيه.

ولهذا تحديداً يجب أن نحمي عقولنا من كل من يريد امتلاكها.



#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)       Husein_Mahmoud_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عفوٌ عام… إلا إذا كنت خصماً لحزب الله
- جوزاف عون والمفاوضات تحت النار: قرار سياسي على حساب الدم
- عندما تصبح التماسيح جزءًا من صورة السجن: أسئلة إنسانية حول ح ...
- حين تصبح المشنقة لغة الدولة: ماذا تكشف موجة الإعدامات في إير ...
- إيران وميليشياتها… مشروع نفوذ أم وصفة لتدمير الشرق الأوسط؟
- المسيحيون تحت النار: أين ضمير العالم؟
- ماذا لو تدخل أحمد الشرع عسكريًا في لبنان؟ قراءة في السيناريو ...
- عندما تصبح العدالة امتيازًا للرجل: المحاكم الشرعية في لبنان ...
- غرينلاند ليست الهدف… بل الدليل على أن العالم يدخل مرحلة “الإ ...
- عندما يُباع الميزان
- سيقنعونك بالجنة… لكنهم قد يحجبون عنك جوهر الله
- حين تصبح الهوية الفلسطينية سببًا للإذلال
- جنوب لبنان بين الدمار والهواجس: هل يتحول القصف إلى مشروع سيا ...
- الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ...
- لا تجعلوا المخيم وقودًا لحروب الآخرين… أنقذوا مستقبل أبنائكم
- الدين ليس انتقائية
- لبنان بين الاتفاق مع إسرائيل واحتمال التفكك الداخلي: قراءة ت ...
- من الزنزانة إلى الحرية المكسورة: شهادتي عن التعذيب وتركيب ال ...
- الأمن العام اللبناني: مؤسسة دولة أم رهينة النفوذ السياسي
- إيران ومشروع الفوضى في الشرق الأوسط


المزيد.....




- سوريا تعيد افتتاح سفارتها في ليبيا بعد 14 عاما من الإغلاق
- -مالكه بداخله-.. مستوطنون إسرائيليون يستولون على منزل بعد اق ...
- مصر.. صاحب مقترح -مقايضة الديون- يتراجع عن إدراج قناة السويس ...
- الأطراف السياسية المتنافسة في ليبيا تتفق على خارطة طريق لإجر ...
- اتصالات وزيارات سرية إلى تل أبيب.. تقرير يكشف أوجه التعاون ب ...
- دحلان يطرح معادلة فلسطينية جديدة: شراكة بين الفصائل وتعددية ...
- الجزائر ترسل مقاتلات -سوخوي-30- لدعم الجيش النيجري بعد محاول ...
- توغلات جديدة للقوات الإسرائيلية في الجنوب السوري للمرة الثان ...
- ميرتس: الإنفاق الدفاعي أولى من الإعانات الأسرية
- تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل صفقة ضخمة -لن تسعد تركيا برؤيتها- ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين محمود صالح - كيف تُغسل العقول باسم المقاومة والدين والقضية؟