أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين محمود صالح - الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ولماذا يظهر التناقض في الهجرة إلى الغرب؟















المزيد.....

الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ولماذا يظهر التناقض في الهجرة إلى الغرب؟


حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 19:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من أكثر الإشكاليات الفكرية تعقيدًا في النقاشات المعاصرة هو الخلط بين الإسلام كدين يحمل منظومة قيم روحية وأخلاقية، وبين الممارسات الأيديولوجية لبعض من ينتسبون إليه ويستخدمونه كأداة للسلطة أو الهوية أو الصراع. هذا الخلط جعل صورة الإسلام في الوعي العام تُختزل أحيانًا في سلوكيات جماعات أو أفراد، بدل أن تُفهم في سياقها التاريخي والفكري الواسع.

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع الدعوي أو الهجوم الأيديولوجي، بل بمحاولة تفكيك كيف يمكن لخطاب ديني أن يتحول إلى أداة تشويه ذاتي حين يُختزل في ممارسات بشرية منحرفة عن مقاصده.



أولًا: حين يتحول الدين من رسالة إلى أيديولوجيا

في الأصل، يقوم الدين على منظومة قيم مثل العدل، الرحمة، المسؤولية الأخلاقية، وإعمار الأرض. لكن حين يدخل الدين في مجال الصراع السياسي أو الهويات المغلقة، يتحول تدريجيًا إلى أيديولوجيا تستخدم النصوص لتبرير مواقف جاهزة بدل أن تكون مصدرًا للتأمل الأخلاقي.

في هذا السياق، ظهرت تيارات يمكن وصفها بـ”المتأسلمة”، لا بمعنى التدين، بل بمعنى تحويل الدين إلى هوية صلبة تُستخدم للإقصاء أو السيطرة أو احتكار الحقيقة.



ثانيًا: احتكار الفهم وإلغاء التعدد

من أبرز ملامح هذا التحول أن بعض الخطابات ادعت امتلاك الفهم الوحيد الصحيح للدين، متجاهلة قرونًا من التعدد الفقهي والاجتهادات المختلفة.

هذا الاحتكار يؤدي إلى:

* تضييق مساحة الاجتهاد.
* اعتبار الاختلاف انحرافًا لا تنوعًا.
* تحويل النقاش الفكري إلى صراع عقائدي.
* إنتاج ثقافة الطاعة بدل النقد.

بينما التاريخ الإسلامي نفسه شهد تنوعًا واسعًا في المدارس الفكرية والفقهية، كان يُنظر إليه تقليديًا كثراء معرفي لا كتهديد.



ثالثًا: اختزال الدين في الشكل وإهمال الجوهر

أحد أخطر التشوهات يتمثل في تحويل التدين إلى مظاهر خارجية: اللباس، الشعائر الشكلية، والرموز الظاهرة، مع تراجع الاهتمام بالقيم الأساسية مثل العدل، الأمانة، ومقاومة الظلم.

هذا الاختزال يجعل الدين يبدو وكأنه هوية بصرية، بينما جوهره الأخلاقي يتراجع في الواقع الاجتماعي. والنتيجة أن الناس قد يرون تناقضًا بين الخطاب والسلوك، ما يؤدي إلى أزمة ثقة في الخطاب الديني نفسه.



رابعًا: توظيف الدين في السياسة وإنتاج صورة مشوهة

حين يُستخدم الدين لتبرير السلطة أو الصراع السياسي، يفقد جزءًا من استقلاله الأخلاقي. فبدل أن يكون معيارًا لنقد الحاكم أو المجتمع، يصبح وسيلة لتبرير الواقع القائم.

كما أن استخدام النصوص لتبرير العنف أو الإقصاء أو قمع المعارضة يجعل الدين في الوعي العام مرتبطًا بهذه الممارسات، حتى لو كانت في الأصل نتاج تأويلات بشرية محددة.



خامسًا: صناعة العدو وإغلاق أفق التفكير

تعتمد بعض الخطابات المتشددة على تقسيم العالم إلى ثنائيات حادة: نحن/هم، مؤمن/كافر، حق/باطل. هذا البناء الذهني يُنتج عقلية صدامية لا ترى العالم مساحة تعايش بل ساحة صراع دائم.

ومع الوقت، يتحول الاختلاف إلى تهديد، ويصبح الحوار مستبدلًا بالتخوين أو الإقصاء، ما يعمّق الانغلاق الفكري.



سادسًا: الهجرة إلى الغرب والتناقض الظاهري

من أكثر النقاط التي تثير الجدل أن بعض الأفراد أو الخطابات التي تنتقد المجتمعات الغربية بشدة بوصفها “منحرفة” أو “غير أخلاقية”، تسعى في الوقت نفسه إلى الهجرة إليها والاستفادة من أنظمتها.

هذا لا يتعلق بالهجرة نفسها، فهي حق إنساني مشروع ودافعها غالبًا اقتصادي أو تعليمي أو أمني، بل يتعلق بالتناقض في الخطاب: كيف يمكن رفض منظومة قيم في الخطاب العلني، ثم الاعتماد عليها في الواقع المعيشي؟

الواقع أن المجتمعات الغربية تقوم على مبادئ مثل:

* سيادة القانون.
* المساواة أمام المؤسسات.
* حرية المعتقد.
* ضمان الحقوق المدنية.

وهذه المبادئ نفسها هي التي تجعلها بيئة جاذبة للهجرة. لكن بعض الخطابات الأيديولوجية لا تتعامل مع هذه القيم بوصفها أساس النظام، بل كـ”أدوات يمكن استخدامها دون الالتزام بها”.

هنا يظهر التناقض: الاستفادة من النظام دون قبول منطلقاته، أو المطالبة بالحقوق كاملة مع رفض المبادئ التي تضمنها.

ومع ذلك، من الضروري التمييز بين هذا النمط من الخطاب وبين ملايين المسلمين في الغرب الذين يندمجون في مجتمعاتهم، يحترمون قوانينها، ويحتفظون بهويتهم الدينية دون صدام مع القيم العامة. التعميم في هذه القضية يخلق صورة غير دقيقة ويزيد الاستقطاب بدل الفهم.



سابعًا: المعرفة بين القبول والرفض الانتقائي

عرفت الحضارة الإسلامية فترات ازدهار علمي وفلسفي كبير، لكن بعض التيارات المتشددة في العصر الحديث تبنت موقفًا انتقائيًا من المعرفة: قبول ما يخدم التصور المسبق، ورفض ما يفتح باب النقد أو إعادة النظر.

هذا الموقف يؤدي إلى تعطيل الاجتهاد، وإضعاف القدرة على التعامل مع التحولات الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.



ثامنًا: أثر العنف في تشكيل الصورة العامة

ظهور جماعات استخدمت العنف باسم الدين أسهم بشكل كبير في تشكيل صورة سلبية في الوعي العالمي عن الإسلام. ورغم أن هذه الجماعات لا تمثل الإسلام كدين، فإن استخدامها للرمزية الدينية يجعل الفصل بينها وبين الدين في الوعي العام أكثر صعوبة.

ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين:

* النصوص الدينية.
* التأويلات الأيديولوجية.
* الممارسات السياسية والعسكرية.



خاتمة: بين الدين والتأويل

إن الإشكال الأساسي لا يكمن في الدين ذاته، بل في كيفية تحويله إلى أيديولوجيا مغلقة أو أداة سياسية أو هوية صراعية. وفي المقابل، فإن اختزال المشكلة في “الدين” نفسه يؤدي إلى ظلم فكري آخر لا يقل خطورة.

الفهم الدقيق يتطلب التمييز بين الإسلام كنص وقيم، وبين التدين كفعل بشري متعدد، وبين الاستخدام السياسي للدين كظاهرة تاريخية واجتماعية.

وفي النهاية، لا يمكن بناء نقاش جاد حول هذه القضايا دون الابتعاد عن التعميم، والاقتراب من التحليل الهادئ الذي يميز بين الفكرة وتطبيقها، وبين المبدأ وسلوك من يدّعي تمثيله.



#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)       Husein_Mahmoud_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تجعلوا المخيم وقودًا لحروب الآخرين… أنقذوا مستقبل أبنائكم
- الدين ليس انتقائية
- لبنان بين الاتفاق مع إسرائيل واحتمال التفكك الداخلي: قراءة ت ...
- من الزنزانة إلى الحرية المكسورة: شهادتي عن التعذيب وتركيب ال ...
- الأمن العام اللبناني: مؤسسة دولة أم رهينة النفوذ السياسي
- إيران ومشروع الفوضى في الشرق الأوسط
- حزب الله وحماس: مشاريع حرب لا مشاريع دولة
- الذكاء الاصطناعي: هل أصبح أخطر من القنبلة النووية؟
- حزب الله وأزمة الدولة اللبنانية: عندما يصبح السلاح أقوى من ا ...
- عقوبة الإعدام في إسرائيل وإيران… عندما تصبح الدولة خصماً للح ...
- العالم لا يسير نحو السلام… بل نحو إعادة توزيع الحروب
- إسرائيل على حافة التآكل: كيف تحوّل نتنياهو من “حارس الدولة” ...
- لبنان: جمهورية التعذيب والرشوة… حين تتحوّل السجون إلى سوق إذ ...
- لبنان: جمهورية الميليشيات المقنّعة بالدين والطائفة
- حين يقرر “الأرضي” أن يتوقف عن تمثيل “السماوي”
- الله في البرلمان… والشيطان يدير الدولة.!
- لبنان: الدولة التي تنجو دائمًا… إلا شعبها
- لبنان بين الطائفية وسطوة السلاح: دولة على حافة الانهيار
- منشور واحد قد يدمّر حياتك: ماذا تعني حرية التعبير في لبنان؟


المزيد.....




- وفد حزب الله لجنازة خامنئي يتلقى رسالة دعم إيرانية وتأكيد عل ...
- -منذ 23 عاما وأنتم تحاولون قتلي-.. تصريحات نارية لرونالدو قب ...
- تفاهم طهران واشنطن.. تل أبيب تعرقل بلبنان
- ما هي الثقافات التي بدأت بالمقارنة بين الآلهة والديانات ولما ...
- سرب من سفن أسطول المحيط الهادئ تصل إلى ميناء تشينغداو للمشار ...
- لقطات لإطلاق صواريخ مجنحة من على متن المدمرة الكورية الشمالي ...
- فرنسا.. غرق سفينتين جراء حريق هائل بميناء مرسيليا
- فرنسا.. نشوب نحو 20 حريقا كبيرا على خلفية موجة الحر
- ترامب يعتزم الاتصال ببوتين بعد لقائه زيلينسكي في تركيا
- تصعيد جديد في لبنان يشعل غضب الجامعة العربية


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين محمود صالح - الإسلام بين الرسالة والتوظيف: كيف شوّه المتأسلمون صورة الدين ولماذا يظهر التناقض في الهجرة إلى الغرب؟