أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين محمود صالح - العالم لا يسير نحو السلام… بل نحو إعادة توزيع الحروب















المزيد.....

العالم لا يسير نحو السلام… بل نحو إعادة توزيع الحروب


حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 07:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العالم اليوم لا يعيش مرحلة سلام مؤقت، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل كاملة لموازين القوة، حيث تتحرك الدول الكبرى وفق منطق المصالح والنفوذ، لا وفق القيم أو المبادئ التي ترفعها أمام الشعوب.
كل ما يُقال عن الاستقرار الدولي ليس إلا غطاءً هشًا فوق صراعات عميقة مؤجلة، تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار.

ولهذا، عندما يسأل الناس:
إذا تم الاتفاق بين إيران وأميركا، هل سيعم السلام؟
فالجواب الواقعي هو: لا.

لأن المشكلة لم تكن يومًا مجرد خلاف سياسي بين دولتين، بل صراع طويل على النفوذ والهوية والسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله.
أميركا لا ترى المنطقة فقط كمكان جغرافي، بل كعقدة استراتيجية تتحكم بالطاقة والتجارة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية.
وإيران لا ترى نفسها دولة عادية داخل المنطقة، بل مشروع قوة إقليمية يريد فرض وجوده السياسي والعسكري والعقائدي.

لذلك، أي اتفاق بينهما لن يكون سلامًا حقيقيًا، بل إعادة تنظيم للصراع.
قد تهدأ الجبهات لفترة، وقد تنخفض حدة التصريحات، لكن أدوات النفوذ ستبقى تعمل:
العقوبات، الجماعات المسلحة، الحروب غير المباشرة، الصراع الاستخباراتي، والضغط الاقتصادي.

العالم الحديث لم يعد يعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل على استنزاف الخصوم من الداخل:
إسقاط الاقتصاد، نشر الفوضى، التحكم بالإعلام، وتحريك الانقسامات الداخلية.

ومن يعتقد أن توقف الحرب يعني انتهاء الأزمة، فهو لا يفهم كيف تُدار الدول المنهكة.

خذ لبنان مثالًا.

حتى لو توقفت الحرب بالكامل غدًا، هل سيصبح لبنان آمنًا؟
الحقيقة المؤلمة أن لبنان تجاوز مرحلة الخطر العسكري فقط، ودخل مرحلة الانهيار البنيوي العميق.

الدولة نفسها أصبحت ضعيفة أمام الطوائف، وضعيفة أمام السلاح، وضعيفة أمام التدخلات الخارجية.
الاقتصاد تحطم، العملة فقدت قيمتها، الطبقة الوسطى اختفت تقريبًا، والشباب لم يعد يفكر ببناء مستقبل داخل البلد، بل يفكر فقط بطريقة الهروب منه.

الأخطر من ذلك أن اللبنانيين أنفسهم يعيشون حالة خوف مزمنة من المستقبل.
هناك مجتمع كامل تربى على الأزمات والحروب والانقسامات، حتى أصبحت فكرة الاستقرار تبدو وكأنها حلم بعيد.

لبنان اليوم ليس مجرد بلد يواجه أزمة، بل نموذج لدولة يتم إبقاؤها على حافة الانهيار دون السماح بسقوطها الكامل.
فالقوى الإقليمية والدولية لا تريد استقرارًا كاملًا، ولا تريد انهيارًا كاملًا، بل تريد ساحة يمكن التحكم بها واستثمارها سياسيًا.

وهذا ما يحدث في أماكن كثيرة من العالم.

في السودان مثلًا، المجاعة ليست نتيجة الجفاف فقط، بل نتيجة مباشرة لتحول الدولة إلى ساحة صراع على السلطة.
حين تتقاتل النخب العسكرية والسياسية، يصبح الشعب وقودًا للحرب.

العالم يشاهد ملايين الجوعى، لكنه لا يتحرك إلا عندما تصبح الكارثة تهديدًا للمصالح الدولية أو موجات الهجرة أو الأمن الإقليمي.
أما موت الفقراء ببطء، فلا يهدد النظام العالمي، ولذلك يتم التعامل معه كخبر عابر.

وفي الصومال، تتكرر المأساة نفسها منذ عقود:
دولة ضعيفة، جماعات مسلحة، فقر، تدخلات خارجية، ومساعدات إنسانية تمنع الموت الجماعي لكنها لا تبني دولة حقيقية.

العالم لا يعالج جذور الأزمات، بل يدير نتائجها فقط.
يُرسل الطعام بدل بناء الاقتصاد،
ويُرسل بيانات القلق بدل إنهاء أسباب الحرب.

أما الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فقد كشفت حقيقة أخطر بكثير من مجرد صراع حدودي.

لقد كشفت أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية بدأ يفقد قدرته على فرض التوازن.
روسيا ترى أن تمدد النفوذ الغربي نحو حدودها تهديد وجودي، ولذلك تعتبر المعركة جزءًا من صراع تاريخي على النفوذ والهوية والمجال الحيوي.

وفي المقابل، ترى الدول الغربية أن التراجع أمام روسيا يعني انهيار هيبة التحالفات العسكرية الغربية وفتح الباب أمام عالم جديد تتحكم به القوة العسكرية بدل القوانين الدولية.

أما أوكرانيا نفسها، فقد تحولت إلى ساحة اختبار كبرى:
اختبار للأسلحة،
وللعقوبات الاقتصادية،
ولقدرة الدول على الصمود،
ولشكل النظام العالمي القادم.

الحرب هناك ليست فقط بين جيشين، بل بين رؤيتين للعالم:
عالم أحادي النفوذ تقوده قوة واحدة،
وعالم متعدد القوى تحاول فيه الدول الكبرى كسر الهيمنة القديمة.

ولهذا السبب، حتى لو توقفت الحرب غدًا، فلن ينتهي الصراع الحقيقي.
لأن الصراع أصبح أعمق من الأرض والحدود، وأصبح متعلقًا بشكل العالم نفسه.

والأخطر أن البشرية دخلت مرحلة يمكن وصفها بعصر “الفوضى المنظمة”.

الدول الكبرى لم تعد تسعى دائمًا لإنهاء الحروب، بل لإدارتها ومنعها من الخروج عن السيطرة.
لأن استمرار التوتر يخدم مصالح ضخمة:
سوق السلاح،
النفوذ السياسي،
التحكم بالطاقة،
وإعادة رسم التحالفات الدولية.

حتى الاقتصاد العالمي أصبح يعيش على الأزمات.
أسعار النفط ترتفع مع الحروب،
شركات السلاح تحقق أرباحًا هائلة،
والأسواق المالية تتحرك بالخوف أكثر مما تتحرك بالإنتاج الحقيقي.

أما الشعوب، فأصبحت تدفع الثمن وحدها.

هناك إنسان يفقد بيته في غزة،
وآخر يموت جوعًا في السودان،
وثالث يهرب من الحرب في أوكرانيا،
ورابع يغرق في البحر بحثًا عن حياة أفضل.

بينما يجلس السياسيون حول الطاولات يتحدثون عن “التوازنات” و”المصالح الاستراتيجية”.

العالم اليوم يعيش أزمة أخلاقية حقيقية.
لم تعد المشكلة فقط في وجود الحروب، بل في اعتياد البشرية عليها.

صور الأطفال تحت الأنقاض أصبحت تمر بسرعة على الشاشات.
وأخبار المجاعة أصبحت أرقامًا بلا وجوه.
والإنسان المعاصر بات يعيش كمية هائلة من الكوارث حتى فقد القدرة على الصدمة.

لكن التاريخ يحمل دائمًا مفارقة خطيرة:
كل إمبراطورية اعتقدت أنها تسيطر على العالم سقطت في النهاية بسبب غرورها الداخلي وصراعاتها المتراكمة.

ولهذا، فإن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس فقط الحروب الحالية، بل تراكم الأزمات في وقت واحد:
أزمات اقتصادية،
وصراعات عسكرية،
وانقسامات سياسية،
وتغير مناخي،
وانهيار ثقة الشعوب بالحكومات،
وصعود التطرف،
وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

العالم يبدو قويًا من الخارج، لكنه هش جدًا من الداخل.

وربما السؤال الحقيقي لم يعد:
هل سيعم السلام؟
بل:
هل يستطيع النظام العالمي الحالي الاستمرار طويلًا قبل أن ينفجر تحت وزن تناقضاته الهائلة؟



#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)       Husein_Mahmoud_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل على حافة التآكل: كيف تحوّل نتنياهو من “حارس الدولة” ...
- لبنان: جمهورية التعذيب والرشوة… حين تتحوّل السجون إلى سوق إذ ...
- لبنان: جمهورية الميليشيات المقنّعة بالدين والطائفة
- حين يقرر “الأرضي” أن يتوقف عن تمثيل “السماوي”
- الله في البرلمان… والشيطان يدير الدولة.!
- لبنان: الدولة التي تنجو دائمًا… إلا شعبها
- لبنان بين الطائفية وسطوة السلاح: دولة على حافة الانهيار
- منشور واحد قد يدمّر حياتك: ماذا تعني حرية التعبير في لبنان؟


المزيد.....




- كييف تتعرض لهجوم روسي ضخم
- العاصمة الأوكرانية كييف تتعرض لقصف روسي كثيف وسط تحذيرات من ...
- ترامب يعلن تقدما في الاتفاق مع إيران وباكستان تأمل استضافة ج ...
- استنفار أمني في واشنطن عقب إطلاق نار قرب البيت الأبيض انتهى ...
- انفجارات تهز كييف بعد تحذيرات من هجوم روسي -ضخم-
- تمرد جمهوري.. هل بدأت سلطة ترمب تتراجع داخل الكونغرس؟
- عكس التوقعات.. لماذا يصعب على واشنطن تكرار -سيناريو فنزويلا- ...
- الطلقات تقطع البث.. رعب المذيعين قرب البيت الأبيض
- من مدان بالإرهاب إلى وزير للأمن.. كيف يعيد بن غفير تشكيل إسر ...
- عاجل | نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين: إيران وافقت على ال ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين محمود صالح - العالم لا يسير نحو السلام… بل نحو إعادة توزيع الحروب