أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير - حسين محمود صالح - من الزنزانة إلى الحرية المكسورة: شهادتي عن التعذيب وتركيب الملفات في لبنان















المزيد.....

من الزنزانة إلى الحرية المكسورة: شهادتي عن التعذيب وتركيب الملفات في لبنان


حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي

(Husein Mahmoud Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 00:15
المحور: حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير
    


لم أكن أعتقد يوماً أنني سأتحول من إنسان عادي إلى رقم في ملف أمني، ومن مواطن يبحث عن حياة كريمة إلى شخص يقضي أيامه ولياليه بين غرف التحقيق والزنازين والرعب. لم أكن أتصور أنني سأتعرف على الوجه الآخر للسلطة، ذلك الوجه الذي لا يظهر في البيانات الرسمية ولا في خطابات المسؤولين عن العدالة والقانون.

هذه ليست رواية خيالية، وليست تصفية حسابات سياسية، بل شهادة إنسان عاش التجربة بكل تفاصيلها القاسية، وما زال يحمل آثارها في جسده وذاكرته حتى اليوم.

عندما تصبح التهمة حكماً مسبقاً

منذ اللحظة الأولى لتوقيفي شعرت أنني لم أُعامل كإنسان بريء حتى تثبت إدانته، بل كمذنب يجب انتزاع اعتراف منه بأي وسيلة. كانت التهم الموجهة إليّ خطيرة، لكن خطورة التهم لا تبرر انتهاك القانون، ولا تمنح أحداً الحق في سحق كرامة الإنسان.

تنقلت بين التحقيق لدى مخابرات الجيش وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي في بيروت. وهناك بدأت رحلة امتدت خمسة عشر يوماً من التعذيب المتواصل، وهي خمسة عشر يوماً بدت وكأنها خمسة عشر عاماً.

خمسة عشر يوماً في الجحيم

خلال تلك الفترة تعرضت، بحسب شهادتي الشخصية، لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي.

الضرب بالهراوات والعصي كان أمراً يومياً. لم يكن الهدف مجرد الإيذاء، بل كسر الإرادة. كنت أُضرب حتى أعجز عن الوقوف بصورة طبيعية. جرى تجريدي من ملابسي وتركـي في البرد القارس لساعات طويلة. كان البرد يتحول إلى وسيلة تعذيب إضافية تلتهم الجسد ببطء.

تعرضت لتغطيس رأسي في الماء بصورة متكررة. أُجبرت على أوضاع جسدية مؤلمة لساعات. أُلقيت على بطني وتعرضت للضرب والإهانة. وُضعت في غرفة انفرادية رطبة، مظلمة، خانقة، وكأن الغاية منها أن يفقد الإنسان إحساسه بالزمن وبذاته معاً.

لم يكن هناك طعام كافٍ. وفي بعض المراحل حُرمت من الطعام لثلاثة أيام متواصلة. كان الجوع جزءاً من العقاب، تماماً كما كان الضرب جزءاً منه.

تعذيب النفس قبل الجسد

لكن أقسى ما واجهته لم يكن دائماً الألم الجسدي.

كانت هناك تهديدات مستمرة لعائلتي. كنت أُجبر على الاستماع إلى كلام هدفه زرع الرعب في داخلي. تعرضت لتهديدات بالإيذاء الجنسي والاغتصاب. كان المقصود واضحاً: تحطيم الإنسان من الداخل قبل تحطيمه من الخارج.

وبصفتي فلسطينياً، تعرضت لإهانات وتعليقات عنصرية شعرت معها أن هويتي نفسها أصبحت سبباً إضافياً لاستهدافي. لم أكن أُعامل كموقوف فقط، بل كشخص يُنظر إليه بازدراء بسبب أصله وانتمائه.

الاعترافات التي يصنعها الخوف

بعد أيام من التعذيب يبدأ العقل بالدخول في مرحلة مختلفة. لم يعد الإنسان يفكر في الحقيقة أو العدالة أو الدفاع عن نفسه. يصبح همه الوحيد أن يتوقف الألم.

وهنا تكمن جريمة التعذيب الحقيقية.

فالتعذيب لا ينتج الحقيقة، بل ينتج الخوف. لا يكشف الوقائع، بل يصنع روايات يرددها الضحية حتى ينجو من العذاب. ولهذا فإن أي اعتراف ينتزع تحت الضرب أو التهديد لا يمكن أن يكون دليلاً على العدالة، بل دليلاً على انهيارها.

السقوط في الإغماء

وصلت حالتي خلال التحقيق إلى فقدان الوعي. لم يعد جسدي قادراً على تحمل ما يتعرض له من ضرب وإرهاق وجوع وضغط نفسي.

في تلك المرحلة كنت أسمع أسماء وألقاباً تتردد بين المحققين، من بينها “يحيى” و”أبو علي” و”علي الحيدر”. هذه هي الأسماء التي كنت أسمعها أثناء التحقيق، لكنني لا أستطيع الجزم بهويات جميع أصحابها الحقيقية.

ما أتذكره جيداً هو أصواتهم أكثر من وجوههم. أتذكر التهديد أكثر من الأسماء. وأتذكر الخوف أكثر من أي شيء آخر.

أربعة أشهر ونصف خلف القضبان

بعد انتهاء التعذيب لم تنتهِ المعاناة.

بقيت موقوفاً قرابة أربعة أشهر ونصف. عشت خلالها حالة من الانتظار القاتل. كنت أعيش يومياً بين الأمل واليأس، بين الخوف من المستقبل والرغبة في النجاة.

ثم حدث ما لم أكن أتوقعه.

خرجت من السجن من دون محاكمة ومن دون صدور حكم يدينني. انتهى الملف الذي قيل إنه يتضمن اتهامات خطيرة بإخلاء سبيلي.

ومنذ ذلك اليوم لم يفارقني سؤال واحد:

إذا كانت التهم صحيحة، فلماذا لم تُعرض أمام محكمة وتحسم بحكم قضائي؟

وإذا لم تكن هناك أدلة كافية، فلماذا تعرضت لكل ذلك التعذيب والاحتجاز؟

الحرية التي لم تكن حرية

عندما خرجت من السجن ظننت أن الكابوس انتهى.

لكنني اكتشفت أن الخوف يمكن أن يخرج معك إلى الخارج.

فبحسب ما أرويه من تجربتي الشخصية، شعرت أن ملف القضية بقي سيفاً معلقاً فوق رأسي. كنت أخشى في كل لحظة من إعادة فتح الملف أو استخدامه مجدداً للضغط علي.

كما أزعم أنني تعرضت لاحقاً لضغوط وابتزاز مالي مرتبطين بالخوف من إعادة تحريك القضية. بالنسبة لي لم يكن الأمر مجرد مال، بل كان استغلالاً للرعب الذي زرعته تجربة الاعتقال داخلي. كنت أشعر أن حريتي أصبحت مشروطة، وأن الماضي الذي حاولت الهروب منه يلاحقني باستمرار.

ما الذي يبقى بعد كل شيء؟

يبقى الألم.

يبقى الخوف من الأبواب المغلقة.

يبقى التوتر كلما سمعت صوت سيارة أمنية.

يبقى الشعور بأن العدالة التي يفترض أن تحمي الإنسان قد تتحول أحياناً إلى مصدر للخوف منه.

التعذيب لا ينتهي عندما يخرج السجين من الزنزانة. إنه يستمر في الذاكرة، وفي الكوابيس، وفي العلاقات الإنسانية، وفي فقدان الثقة بالمؤسسات.

كلمة أخيرة

لا أكتب هذه الشهادة طلباً للشفقة، ولا سعياً للانتقام. أكتبها لأن الصمت هو الحليف الأول للظلم.

أكتبها لأن هناك أشخاصاً مروا بتجارب مشابهة ولم يتمكنوا من الكلام.

وأكتبها لأن كرامة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل اعتبار سياسي أو أمني أو طائفي أو عرقي.

قد يستطيع التعذيب أن ينتزع اعترافاً.

وقد يستطيع أن ينتزع مالاً.

وقد يستطيع أن ينتزع سنوات من العمر.

لكنه لا يستطيع أن يحول الظلم إلى عدالة، ولا الكذب إلى حقيقة، ولا الخوف إلى قانون.

ولهذا أروي قصتي اليوم، لا لكي أتذكر ما حدث فقط، بل لكي لا يُقال يوماً إن أحداً لم يتكلم.



#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)       Husein_Mahmoud_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمن العام اللبناني: مؤسسة دولة أم رهينة النفوذ السياسي
- إيران ومشروع الفوضى في الشرق الأوسط
- حزب الله وحماس: مشاريع حرب لا مشاريع دولة
- الذكاء الاصطناعي: هل أصبح أخطر من القنبلة النووية؟
- حزب الله وأزمة الدولة اللبنانية: عندما يصبح السلاح أقوى من ا ...
- عقوبة الإعدام في إسرائيل وإيران… عندما تصبح الدولة خصماً للح ...
- العالم لا يسير نحو السلام… بل نحو إعادة توزيع الحروب
- إسرائيل على حافة التآكل: كيف تحوّل نتنياهو من “حارس الدولة” ...
- لبنان: جمهورية التعذيب والرشوة… حين تتحوّل السجون إلى سوق إذ ...
- لبنان: جمهورية الميليشيات المقنّعة بالدين والطائفة
- حين يقرر “الأرضي” أن يتوقف عن تمثيل “السماوي”
- الله في البرلمان… والشيطان يدير الدولة.!
- لبنان: الدولة التي تنجو دائمًا… إلا شعبها
- لبنان بين الطائفية وسطوة السلاح: دولة على حافة الانهيار
- منشور واحد قد يدمّر حياتك: ماذا تعني حرية التعبير في لبنان؟


المزيد.....




- -سوق النفط لن تعود إلى العمل فوراً-.. لماذا تحوَّل المحار في ...
- روايات متضاربة بشأن التفتيش النووي في إيران و-الشيوخ الأمريك ...
- إلى أين تتجه كولومبيا بقيادة حليف ترمب؟
- ليبيا.. حظر دخول رعايا 4 دول عبر جميع المنافذ
- النووي الإيراني.. أول اختبار لاتفاق واشنطن وطهران
- أمين عام الناتو يؤيد موقف ترامب.. ويشيد بالدعم الأوروبي
- واشنطن تجدد -رفضها المطلق- لفرض أي رسوم على عبور مضيق هرمز، ...
- حلفاء ترامب يدافعون عن الاتفاق مع إيران.. وعُمان تعلن عن ممر ...
- كيم جونغ أون يعلن المضي في تسليح بحرية كوريا الشمالية نوويا ...
- تحذيرات من كارثة وفظائع جماعية بهجوم وشيك للدعم السريع على ا ...


المزيد.....

- حملة دولية للنشر والتعميم :أوقفوا التسوية الجزئية لقضية الاي ... / أحمد سليمان
- ائتلاف السلم والحرية : يستعد لمحاججة النظام الليبي عبر وثيقة ... / أحمد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير - حسين محمود صالح - من الزنزانة إلى الحرية المكسورة: شهادتي عن التعذيب وتركيب الملفات في لبنان