حسين محمود صالح
كاتب وناشط سياسي
(Husein Mahmoud Saleh)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 00:21
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ليس أخطر ما يفعله بعض رجال الدين أنهم يتحدثون باسم الله، بل أنهم يقنعون الناس أن صوتهم هو صوت الله، وأن تفسيرهم هو الحقيقة الوحيدة، وأن مخالفتهم تعني مخالفة السماء.
يخوفون الناس من كأس، ومن أغنية، ومن سهرة، ومن ضحكة، لكنهم نادرًا ما يخيفونهم من الظلم، أو من إهانة الإنسان، أو من سرقة حقوق الفقراء، أو من نشر الكراهية.
تحولت المنابر، عند بعضهم، إلى محاكم للتفتيش في حياة الناس الخاصة، بينما بقي الفساد، والنفاق، والاستغلال، خارج دائرة الاهتمام. يطاردون ما يحدث خلف أبواب البيوت، لكنهم يصمتون أمام من ينهب المال العام أو يحطم كرامة البشر.
أسأل سؤالًا بسيطًا: ما الذي يضر المجتمع أكثر؟ إنسان شرب كأسًا في منزله ولم يؤذِ أحدًا، أم إنسان يصلي في الصف الأول ثم يكذب، ويظلم، ويحرّض، ويأكل حقوق الناس؟
أي إله هذا الذي يصوره بعض الوعاظ؟ إله يغضب من موسيقى، لكنه لا يغضب من الظلم؟ إله يحاسب على لباس الإنسان أكثر مما يحاسب على خيانة الأمانة؟ هذا ليس نقدًا للإيمان، بل نقدٌ للصورة التي صنعها بعض رجال الدين عندما جعلوا الدين قائمة محظورات بدل أن يكون مدرسة للأخلاق.
المشكلة أن بعض رجال الدين لا يريدون إنسانًا حرًا يفكر ويسأل، بل يريدون تابعًا يخاف. فالخائف أسهل قيادة، وأسهل استغلالًا، وأكثر استعدادًا لتسليم عقله مقابل وعدٍ بالجنة أو تهديدٍ بالنار.
لقد أقنعوا كثيرين أن التدين يُقاس بالمظهر، بينما تُترك الأخلاق في آخر القائمة. فأصبح المنافق محترمًا إذا أطال لحيته أو أكثر من الشعارات، وأصبح الشريف موضع شك لأنه يعيش حياته بطريقته ولا يؤذي أحدًا.
أي مجتمع هذا الذي يحاسب الناس على خياراتهم الشخصية أكثر مما يحاسبهم على الأمانة والرحمة والعدل؟
إن وظيفة رجل الدين، عندما يكون أمينًا لرسالته، ليست مراقبة الناس ولا احتكار الحقيقة، بل تذكيرهم بقيم الخير والمحبة والعدل. أما عندما يتحول إلى وصي على الضمائر، وقاضٍ على النوايا، وتاجرٍ بالخوف، فإنه لا يقرّب الناس من الله، بل قد يدفع كثيرين إلى الهروب من الدين كله.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخوف، بل إلى مزيد من الضمير. ولسنا بحاجة إلى من يفتش في كؤوس الناس، بل إلى من يواجه الفساد، ويدافع عن المظلوم، ويقف في وجه الاستبداد.
فالإنسان الذي لا يؤذي أحدًا، ويحترم الآخرين، ويعيش بضمير حي، أقرب إلى جوهر الأخلاق من شخص يملأ الدنيا مواعظ، ثم يزرع الظلم والكراهية باسم الله.
ليس الدين هو المشكلة، بل أولئك الذين احتكروا الحديث باسمه، وجعلوا أنفسهم بوابةً بين الإنسان وربه، بينما الحقيقة أن الضمير الصادق لا يحتاج إلى وسيط، والرحمة لا تحتاج إلى تصريح، والله – في إيمان المؤمنين – أكبر من أن يُختزل في خطيبٍ يوزع صكوك الجنة والنار.
#حسين_محمود_صالح (هاشتاغ)
Husein_Mahmoud_Saleh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟