أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليمن، والتواطؤ في 11 سبتمبر..ثلاث مقالات















المزيد.....



النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليمن، والتواطؤ في 11 سبتمبر..ثلاث مقالات


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 21:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السعودية وقطر — رأس حربة الإرهاب الممنهج

منذ عقود، لم يكن دعم النظام السعودي والقطري للجماعات المتطرفة مجرد تهمة سياسية تُقذف في الخطابات، بل بات حقيقة موثقة في تقارير أمريكية وأممية ومحاكمات دولية. بدأت هذه السياسة تتشكل بوضوح مع قرار الرياض والدوحة بتوظيف التطرف المسلح كأداة لتصفية حسابات جيوسياسية في سوريا واليمن والعراق وليبيا.

في سوريا، كشفت تحقيقات وكالة “أسوشيتد برس” أن السعودية وقطر دفعتا عشرات الملايين من الدولارات لجماعات مسلحة، بما فيها “جبهة النصرة” المرتبطة بالقاعدة والجولاني وهيئة خراب الشام ، كما أنشأت غرفة عمليات مشتركة في تركيا لتنسيق تدفق المقاتلين الأجانب والسلاح. ووفقاً لاعتراف رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم، فإن الرياض والدوحة أنفقتا 137 مليار دولار في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وهو رقم كشفه في مقابلة تلفزيونية عام 2017.

وبحسب تقرير لمعهد وست بوينت الأمريكي المتخصص في مكافحة الإرهاب، فإن “النظام السعودي الحاكم كان في طليعة دعم المتطرفين، حيث قدم مئات الملايين من الدولارات مع الأسلحة والذخيرة”.

وقد كشفت تحقيق “أسوشيتد برس” أن التحالف الذي تقوده السعودية عقد اتفاقات سرية مع مقاتلي تنظيم القاعدة في اليمن، ودفع لهم أموالاً للانسحاب من مناطق رئيسية كمدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، مقابل تأمين ممرات آمنة لقوات التحالف.



الإبادة الجماعية في اليمن — جرائم موثقة ضد المدنيين

بينما كانت الرياض تعلن أن حربها على اليمن تهدف إلى “إعادة الشرعية” و”مواجهة التمدد الإيراني”، كانت الغارات الجوية تُسقط مئات المدنيين في الأسواق والأحياء السكنية وحفلات الأعراس والمستشفيات.

أكد تحقيق الأمم المتحدة في عشر غارات جوية شنها التحالف السعودي على اليمن أن غالبيتها لم تستهدف أهدافاً عسكرية مشروعة، وأنها ترقى إلى جرائم حرب اقترفها محمد بن سلمان وعصابته . كما اتهم فريق الخبراء الأممي السعودية والإمارات بـ “قتل مدنيين في ضربات جوية وحرمانهم من الطعام عن عمد”.

الأرقام أكثر فداحة: أكثر من 233,000 قتيل في اليمن، بينهم 102,000 نتيجة مباشرة للأعمال العدائية، و131,000 نتيجة المجاعة والأمراض المرتبطة بانهيار النظام الصحي. وتشير تقارير أممية إلى مقتل أو تشويه أكثر من 19,200 مدني جراء غارات التحالف وحدها، بينهم أكثر من 2,300 طفل.

اللافت أن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن (والذي كان ينقذ الرياض من الإدانة الدولية) لم يُستخدم مرة واحدة مرتين بنفس الوضوح، فقد كانت واشنطن تبيع الرياض قنابل موجهة ومقاتلات بينما تمنع أي قرار دولي ملزم يوقف هذه الجرائم.



القانون الدولي — النصوص موجودة والتطبيق غائب

بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة”. هذا الحق “الأصيل” في الدفاع عن النفس هو ما يستند إليه الشعب اليمني في مواجهة حرب الإبادة السعودية-الأمريكية-الصهيونية التي تُمارس عليه منذ عام 2015.

لكن المشكلة أن الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999، رغم نصها الواضح على تجريم تمويل الإرهاب، وقعت ضحية تفسير ضيق أصدرته محكمة العدل الدولية في قضية أوكرانيا ضد روسيا (2024)، حيث خلصت المحكمة إلى أن “مصطلح الأموال يشير إلى الموارد المقدمة أو المجموعة لقيمتها النقدية والمالية، ولا يشمل الأسلحة أو معسكرات التدريب”.

هذا التفسير أضعف الملاحقة القانونية الدولية لعمليات مثل “خشب الجميز” (Timber Sycamore) — البرنامج السري الذي أدارته CIA لتمويل وتسليح الجماعات الوظيفية الإرهابية المسلحة في سوريا بالتعاون مع السعودية وقطر وتركيا، وبتكلفة تجاوزت مليار دولار بحلول 2017.

لكن السوابق القضائية الوطنية تثبت أن المحاسبة ممكنة: في عام 2026، أدانت محكمة الجنايات في باريس شركة “لافارج” الفرنسية بتهمة تمويل الإرهاب بعد دفعها 5.5 مليون يورو لتنظيم داعش وجماعات مسلحة أخرى للحفاظ على مصنعها في سوريا، مع أحكام بالسجن تراوحت بين 3 و6 سنوات على المديرين.



الأوليغارشية المالية — الطبقة التي تخدمها الحروب

ما يربط الرياض ودبي وواشنطن وباريس ليس فقط التحالفات السياسية، بل بنية مالية عابرة للحدود تستفيد من الفوضى والحروب. تشير التقارير إلى أن الإمارات، عبر شبكة ظل من المال واللوجستيات والقوى بالوكالة، تنشر الفوضى من ليبيا إلى السودان إلى اليمن، بهدف “إنشاء اقتصادات موازية تتحكم في موارد كبيرة (الذهب، النفط، الزراعة، الموانئ) وتنشئ دولاً موازية”.

وفي اليمن، كشف خبراء أن أكبر مخزون نفطي وغازی يقع في خليج عدن والجرف القاري لجزيرة سقطرى اليمنية، ويقدر بأكثر من 100 مليار برميل من النفط وأكثر من 50 تريليون متر مكعب من الغاز. من هنا، يصبح الهدف الحقيقي للحرب واضحاً: السيطرة على الثروات اليمنية عبر “واجهة شرعية” مزيفة، وتوقيع عقود استخراج النفط والغاز التي “تُحرَم فيها حقوق اليمن الحقيقية، وتُمنح الامتيازات للشركات التابعة للمعتدي”.

هذا النمط ليس مستغرباً في ظل نموذج “GBL” (Groupe Bruxelles Lambert) البلجيكية، التي يمتلكها الملياردير ألبرت فرير، والتي داهمت شرطتها بالتوازي مع “لافارج” باريس في تحقيق دولي حول تمويل الإرهاب. فشركات القابضة المالية الكبرى لا تتصرف بمعزل عن المخابرات الغربية، بل تنسّق معها وتتقاسم معها “المصالح”。

النفط والغاز ليسا مجرد ثروات، بل هما سبب وجود هذه الحرب. اليمن بلد فقير تحوّل إلى “بلد منهوب” لأن ثرواته تُهرب عبر ستة مناجم سرية في حضرموت والمهرة إلى السعودية والإمارات، وعائدات النفط تُحوَّل إلى “البنك الأهلي السعودي”.



11 سبتمبر — الدليل الذي لا يريدونك أن تراه

في حين تُعلن الرياض أنها “حليف استراتيجي” لواشنطن، فإن 28 صفحة محجوبة من تقرير التحقيق المشترك للكونغرس الأمريكي حول هجمات 11 سبتمبر — الذي نُشر بعد 13 عاماً — كشفت أن “بعض مختطفي الطائرات كانوا على اتصال بأفراد قد يكونون مرتبطين بالحكومة السعودية وتلقوا الدعم والمساعدة منهم”، وأن “اثنين على الأقل من هؤلاء الأفراد هم ضباط في الاستخبارات السعودية”.

كما وثّقت الصفحات المحجوبة أن أسامة باسنان، أحد الأفراد الذين قدموا الدعم المالي لخاطفين، “تلقى مبلغاً كبيراً من المال من عضو في العائلة المالكة السعودية” خلال رحلة إلى هيوستن عام 2002. وأشارت التقارير إلى أن الرقم غير المدرج للشركة الأمنية المسؤولة عن مقر إقامة السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، الأمير بندر بن سلطان، كان من بين جهات الاتصال على هاتف زعيم “القاعدة” المحتجز أبو زبيدة.

وبعد 25 عاماً، لا تزال عائلات الضحايا تطالب بمحاسبة الرياض. وفي 2016، استخدم الرئيس أوباما حق النقض (الفيتو) ضد قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (JASTA)، لكن الكونغرس تجاوز الفيتو، ليفتح الباب أمام أول دعوى قضائية من نوعها ضد حكومة أجنبية بتهمة دعم الإرهاب. في أغسطس 2025، أصدر القاضي الفيدرالي حكمه بالسماح للدعوى بالمضي قدماً، قائلاً إن العائلات “قدمت أدلة كافية” للانتقال إلى المحاكمة.

في الذكرى الـ25، وقفت تيري سترادا — أرملة أحد ضحايا 11 سبتمبر — أمام البيت الأبيض وقالت: “إدارة تلو الأخرى، بمن فيهم القادة أمامنا اليوم، اختاروا حماية السعوديين بدلاً من الوقوف مع عائلات 11 سبتمبر. حجبوا الأدلة. ونقضوا JASTA. لقد كان خيانة تلو الأخرى”.



الحرب على اليمن جريمة مركّبة… والمحاسبة تبدأ بالوعي

ما يجري في اليمن ليس مجرد صراع داخلي أو “حرب بالوكالة” عابرة. إنه نموذج كامل للإمبريالية في القرن الحادي والعشرين: تمويل الإرهاب عبر محميات خليجية، وتوظيف مخابرات غربية، وتحويل بلد فقير إلى ساحة نهب لثرواته النفطية والغازية، وتشويه سمعة مقاومة شعب يمارس حقه القانوني في الدفاع عن نفسه.

القانون الدولي يمنح الشعب اليمني — بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة — الحق الأصيل في الدفاع عن النفس ضد العدوان المسلح. وما تفعله صنعاء ليس “إرهاباً” كما تسميه الرياض وواشنطن، بل هو مقاومة شرعية لاحتلال يستهدف نهب ثروات بلد بأكمله.

الخطوة الأولى نحو المحاسبة هي كسر الصمت الإعلامي الذي يحمي هذه الجرائم، ثم بناء جبهة قانونية دولية تُلاحق المسؤولين عن تمويل الإرهاب في المحاكم الوطنية — كما فعلت عائلات 11 سبتمبر — وتُثبت أن البندقية التي تُطلق على اليمن ليست بيد يمني، بل بيد من يدفع ويمرر ويوجّه.

..............


صناعة الإرهاب الممنهج: محمد بن سلمان، الإبادة في اليمن، وشركات الموت العابرة للحدود

لم تكن الرياض ، في عام 2015 ، تطلق عملية "عاصفة الحزم". كانت تطلق مشروعاً اقتصادياً قائماً على أنقاض دولة بأكملها. وبعد عقد من الزمن، تحوّل اليمن إلى مختبر للإبادة الجماعية، ومحمد بن سلمان إلى مهندس "صناعة الإرهاب" الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين، محمياً بشركات متعددة الجنسيات ومخابرات غربية تبيع القنابل وتشتري النفط المسروق.



الإبادة كسياسة اقتصادية — كيف يُقتل اليمنيون من أجل 90 مليون برميل سنوياً

لم تكن الحرب على اليمن "حرباً بالوكالة" كما يحلو للتحليلات الغربية أن تصفها. كانت عملية نهب منظمة تتخذ من القتل ستاراً. منذ بداية العدوان في مارس 2015، نهبت السعودية تسعين مليون برميل من النفط والغاز سنوياً، وحوّلت عائداتها — التي تمثل 80% من الموازنة اليمنية — إلى البنك الأهلي في الرياض، بينما تُرك موظفو شمال اليمن دون رواتبهم لأكثر من سبع سنوات.

هذه ليست تهمة سياسية، بل جريمة اقتصادية موثقة. الوثائق التي نشرتها وسائل إعلام يمنية كشفت أن السعودية لجأت إلى تزوير الخرائط وجوجل لحذف بيانات الحقول النفطية في مأرب وشبوة وحضرموت، في محاولة لطمس الهوية اليمنية للثروة وشرعنة السيطرة عليها. وفي عام 2026، كشفت صحيفة "The Cradle" أن الرياض تسعى لـ"توسيع نفوذها عبر خطوات ظاهرها تعاون جيولوجي وباطنها السيطرة على الثروات النفطية والمعادن النادرة".

والنتيجة؟ أكثر من 233,000 قتيل، بينهم 102,000 من الأعمال العدائية المباشرة و131,000 من المجاعة والأمراض. أكثر من 19,200 مدني قُتلوا أو شُوِّهوا بغارات التحالف وحدها، بينهم 2,300 طفل. وفي عام 2025، حذّرت الأمم المتحدة من أن 2.3 مليون طفل يمني يعانون من سوء التغذية الحاد، و600,000 منهم في حالة خطرة تهدد الحياة.

هذا ليس فشلاً عسكرياً. إنه نجاح اقتصادي. ففي الوقت الذي كانت فيه الأسر اليمنية تُجوَّع، كانت مشاريع الترفيه في السعودية تُموّل من عائدات النفط اليمني المسروق. اليمن لم يكن ساحة حرب. اليمن كان مشروعاً استثمارياً، ومحمد بن سلمان كان مديره التنفيذي.



غرف العمليات — كيف صنعت واشنطن والرياض "إرهاباً مخصصاً" في سوريا

في الوقت الذي كانت فيه السعودية تجوّع اليمن، كانت غرف عمليات سرية في الأردن وتركيا تدير حرباً مماثلة في سوريا. "الموك" (MOC) في عمّان و"الموم" (MOM) في تركيا — وهما غرفتان أنشئتا عام 2013 بمشاركة 14 دولة غربية وعربية — لم تكونا "دعم معارضة معتدلة" كما رُوّج. كانتا مصنعاً للإرهاب المفصّل.

في غرفة "الموك" بعمّان، كان الضباط الأمريكيون والسعوديون والأردنيون يوزّعون صواريخ تاو المضادة للدروع التي تمثل "المخزون الاحتياطي للمملكة العربية السعودية"، على 42 فصيلاً "معتدلاً" — بينها فصائل مقاتلة تحت لواء "جبهة النصرة". وكشفت صحيفة "الأخبار" اللبنانية أن غرفة "الموك" كانت "تدير تحركات المجموعات المسلحة وعملياتها بشكل تام، بما في ذلك جبهة النصرة".

أما غرفة "حوار كلس" (Hawar Kilis) في ريف حلب الشمالي، فكانت الغرفة التركية التي تديرها أنقرة عبر الاستخبارات والجيش التركي، وتضم فصائل "الجيش الوطني السوري". هذه الغرفة كانت جزءاً من برنامج "تدريب وتجهيز" أمريكي رسمي، حيث زُوّدت الفصائل الارهابية التابعة لها بهواتف ثريا عبر الأقمار الصناعية من الولايات المتحدة.

لكن الغرفة الأم كانت "خشب الجميز" (Timber Sycamore) — البرنامج السري الذي أدارته CIA بين 2012 و2017، وبتكلفة تجاوزت مليار دولار، حيث كانت السعودية وقطر تدفعان الأموال، وتركيا والأردن تمرران السلاح، وCIA تدرب الارهابيين. ومع تدفق المال والسلاح، تحوّلت "العصابات الوظيفية المعتدلة" إلى جبهة النصرة، وتحوّلت جبهة النصرة إلى هيئة خراب الشام، وتحوّل الجولاني من مطلوب بمكافأة 10 ملايين دولار إلى ضيف في البيت الأبيض.



لافارج — عندما تدفع "الشركات المحترمة" فاتورة الإرهاب

في عام 2013، لم تكن شركة "لافارج" للإسمنت مجرد شركة تبني جسراً في سوريا. كانت متعاقداً مع داعش. فقد دفعت الشركة الفرنسية العملاقة 5.6 ملايين يورو لثلاث جماعات مسلحة، بما فيها تنظيم "داعش"، تحت مسمى "مدفوعات أمنية"، للحفاظ على مصنعها في شمال سوريا.

المحكمة الجنائية في باريس، في حكم تاريخي صدر في 13 أبريل 2026، أدانت "لافارج" وثمانية من مديريها بتهمة "تمويل منظمة إرهابية"، وقضت بالسجن على المديرين التنفيذيين السابقين.

لكن الحكم لم يكشف القصة الأكمل. ففي 7 سبتمبر 2021، نشرت وكالة الأناضول وثائق رسمية تثبت أن "لافارج" كانت تدفع لداعش "بعلم المخابرات الفرنسية". أي أن الدولة الفرنسية لم تكن ضحية خداع شركة، بل كانت شريكاً صامتاً في تمويل الإرهاب. ووفقاً لشهادة المدير التنفيذي السابق للفرع السوري في المحاكمة، كان جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE) على تواصل مستمر مع الشركة، وطلبت منها تجديد موظفين سابقين كمخبرين، مما يعني أن المصنع الذي كان "يدفع لداعش" كان أيضاً قاعدة استخباراتية فرنسية.

هذا النموذج — شركة "محترمة" تدفع للإرهابيين، ومخابرات غربية تغض الطرف — هو النمط البنيوي الذي كشف عن نفسه مرة أخرى في قضية "GBL" البلجيكية (Groupe Bruxelles Lambert)، حين داهمت الشرطة البلجيكية مقر الملياردير ألبرت فرير في بروكسل، بالتوازي مع مداهمة "لافارج" في باريس، للتحقيق في 20,000 يورو شهرياً كانت تذهب لتنظيم داعش.

الرسالة واضحة: الإرهاب ليس شذوذاً في النظام المالي العالمي. إنه خط إنتاج.



صفقات القاعدة — كيف اشترى "التحالف العربي" الإرهاب في اليمن

في اليمن، لم تكن السعودية تقاتل "القاعدة". كانت تشتريها. تحقيق وكالة "أسوشيتد برس" كشف أن التحالف السعودي-الإماراتي "عقد اتفاقات سرية مع مقاتلي تنظيم القاعدة" و"دفع لهم أموالاً للانسحاب من مناطق رئيسية"، بما فيها مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت.

ولم تقف الصفقة عند الانسحاب. بل انضم 250 من عناصر القاعدة إلى "الحزام الأمني" — القوة المدعومة إماراتياً — وقاتلوا إلى جانب التحالف ضد أنصار الله. وأحد القادة اليمنيين، الذي وُضع على قائمة الإرهاب الأمريكية لعلاقاته بالقاعدة، "لا يزال يتلقى الأموال من دولة الإمارات لإدارة ميليشياته". كما حصل قيادي عسكري آخر على 12 مليون دولار مؤخراً.

هذا ليس فساداً. هذا سياسة. فالسعودية التي تتحدث عن "مكافحة الإرهاب" هي نفسها التي تنقل عناصر داعش والقاعدة من سجون عدن وتستخدمهم في جبهات القتال، وفقاً لما كشفه محافظ عدن الجديد.

والأمريكا — التي تبيع للسعودية القنابل — "أمّنت انسحاب مسلحي القاعدة بما استولوا عليه من أسلحة". فالحرب على الإرهاب في اليمن كانت — وما زالت — حرباً لصناعة الإرهاب.



صنعاء — الشرعية الوحيدة، والمقاومة المشروعة

في مواجهة هذا الجهاز العالمي للإرهاب والنهب، تقف صنعاء. لا كـ"ميليشيا" كما تصفها وسائل الإعلام المموّلة من الرياض وواشنطن، بل كـسلطة وطنية تمارس حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة".

صنعاء لا تدافع عن نفسها فقط. إنها تدافع عن شرعية القانون الدولي في مواجهة نظام دولي يطبّق القانون على الضعفاء ويعفّي الأقوياء. فبينما تُحاكم "لافارج" في باريس بتهمة تمويل الإرهاب، يُستقبل محمد بن سلمان في البيت الأبيض رغم أنه — وفقاً للسيناتور بيرني ساندرز — "جوّع مئات الآلاف في اليمن، ومزّق صحفياً أمريكياً، وأمر بإعدامات قياسية".

والمفارقة الكبرى: أن الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999 تجرّم تمويل الإرهاب بوضوح. لكن تفسير محكمة العدل الدولية في قضية أوكرانيا ضد روسيا (2024) ضيّق تعريف "الأموال" بحيث لا يشمل الأسلحة أو التدريب أو المعسكرات, مما يجعل تمويل الإرهاب عبر الأسلحة محمياً قانونياً في المحاكم الدولية.

اليمن — بقيادة صنعاء — يرفع دعوى على مستوى التاريخ. ليس فقط ضد السعودية، بل ضد نظام عالمي يسمح للشركات المتعددة الجنسيات بتمويل الإرهاب، وللمخابرات الغربية برعايته، وللأوليغارشية الخليجية بالاستيلاء على ثروات شعوب بأكملها تحت غطاء "مكافحة الإرهاب".

اليمن لا يحتاج إلى شفقة. يحتاج إلى محاسبة. ومحاسبة الرياض وواشنطن وباريس وبروكسل على صناعة الإرهاب تبدأ بكشف الآلية الكاملة: من غرفة عمليات "الموك" في عمّان، إلى مصنع "لافارج" في شمال سوريا، إلى 90 مليون برميل سنوياً تُسرق من اليمن، إلى القنابل الأمريكية التي تقتل أطفال حفلات الأعراس.

في اليمن، لا يوجد إرهاب. يوجد احتلال. وفي صنعاء، لا يوجد تمرد. توجد مقاومة.

…………

هذه المادة الصحفية أُعدّت استناداً إلى وثائق قضائية، وتحقيقات "أسوشيتد برس"، وتقارير الأمم المتحدة، وأحكام محكمة الجنايات في باريس (2026)، ومصادر يمنية وثّقت نهب الثروات النفطية، وشهادات ضباط استخبارات سابقين، في محاولة لتوثيق البنية الكاملة لصناعة الإرهاب التي تقودها الرياض وواشنطن والدوحة وأبو ظبي والجولاني وحلفاؤهما في المنطقة.


.............

الاحتلال السعودي غير المعلن: جنوب اليمن بين شرعية الشارع وشرعية القوى الأجنبية

لا يحتاج المرء ،في جنوب اليمن وشرقه، إلى بيانات رسمية كي يدرك أن ما يجري هناك يتجاوز كل مفردات “التحالف” و“الدعم” و“التنسيق”. فثمة واقع يتشكّل على الأرض، واقعٌ لا يجرؤ أحد على تسميته باسمه الكامل، لكنه يتقدّم بثبات كظلّ ثقيل فوق المدن والموانئ والمنافذ البرية: احتلال غير معلن، يمارس سلطته عبر ضباط أجانب، ويعيد تشكيل الجغرافيا السياسية لليمن دون أن يعترف بوجوده أحد. في عدن، لا تُدار الموانئ ولا المطارات بقرار يمني مستقل، بل عبر غرف عمليات يشرف عليها ضباط سعوديين من خارج البلاد. وفي حضرموت، تُساق الموارد النفطية عبر شبكات لا تخضع لرقابة مؤسسات الدولة. وفي المهرة، تُدار الحدود والمنافذ البرية بسلطة احتلالية سعودية ليست يمنية، ولا تستمد شرعيتها من أي تفويض شعبي. هذا كله يجري بلا إعلان، بلا بيان، بلا اعتراف. لكن الاحتلال، حين يكون غير معلن، لا يصبح أقلّ احتلالًا.

خرائط النفوذ… حين تُرسم السيادة في غرف مغلقة

لم يكن الوجود السعودي الأجنبي في جنوب اليمن وشرقه وليد اللحظة الراهنة، بل هو تراكمٌ منهجي أُعيد إنتاجه عبر سنوات من الحرب والحصار. ما يُسمّى “مجلس القيادة الرئاسي” لم يستمدّ شرعيته من صندوق اقتراع، ولا من حاضنة شعبية، بل من توافق إقليمي ودولي صيغ خارج الجغرافيا اليمنية. هذا المجلس، الذي يُقدَّم للعالم باعتباره “السلطة التنفيذية المعترف بها”، يظلّ عاجزًا عن اتخاذ قرار سيادي واحد دون إذن من عواصم بعيدة ، وحكومته تقيم في فنادق الرياض ، حيث لا تستطيع أن تبقى عدة ساعات في عدن لاحتقار الشعب اليمني لها ..

في عدن، التي يُفترض أنها العاصمة المؤقتة، تحوّلت الموانئ والمطارات إلى مسرح لعمليات عسكرية أجنبية. محافظ عدن نفسه، طارق مصطفى سلام، حذّر في تصريح رسمي من “مخططات إجرامية” تسعى قوات سعودية وإماراتية لفرضها في عدن والمحافظات الجنوبية، دفعًا لها نحو موجة جديدة من القتال الداخلي والفوضى. وقال إن “قوى العدوان” تستخدم وكلاءها ومرتزقتها وميليشياتها المسلحة لتمزيق النسيج الاجتماعي وإحكام السيطرة على الموارد الوطنية. وأشار إلى أن التحركات العسكرية المشبوهة في عدن والمحافظات الجنوبية تهدف إلى خلق “فوضى دموية” تخدم أجندات الرياض وأبوظبي.

الأمر لا يتوقف عند عدن. في حضرموت والمهرة، تبدّلت موازين القوى أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة. قوات تُسمّى “درع الوطن”، مدعومة سعوديًا، سيطرت على حضرموت والمهرة وانتشرت في عدن. وبحسب مصادر متعددة، فإن الصراع الاحتلالي السعودي-الإماراتي في المحافظات الجنوبية والشرقية ليس صراعًا على “تحرير” اليمن، بل على “فرض توازن جديد للقوى”، خصوصًا في حضرموت. الإمارات تحكم قبضتها على عدن وأرخبيل سقطرى وجزيرة ميون والساحل الغربي، بينما تركّز السعودية حضورها في المهرة وحضرموت ومناطق الشريط الحدودي.

هذا التوزيع الجغرافي للنفوذ لا يشبه شيئًا بقدر ما يشبه تقاسم مناطق النفوذ في حقبة الاستعمار الكلاسيكي، لكنه يُنفَّذ هذه المرة تحت غطاء “مكافحة الإرهاب” و“دعم الشرعية” و“استعادة الدولة”. والحقيقة أن ما يجري في جنوب اليمن وشرقه هو إعادة هندسة الدولة اليمنية من الاحتلال الذي ينفذه العدو السعودي ومعه الاماراتي الخارجي، بلا أي اعتبار لإرادة ملايين اليمنيين الذين يرفضون أن تُدار ثرواتهم وموانئهم ومنافذهم بقرارات تُتخذ في فنادق الرياض وأبوظبي.

شرعية الشارع… الشرعية التي لا تُشترى

في مقابل هذا الوجود العسكري الاحتلالي غير المعلن، تقف حكومة صنعاء على أرضية مختلفة تمامًا: أرضية الشرعية الشعبية. شرعية لا تمنحها العواصم البعيدة، ولا تُصاغ في غرف مغلقة، بل تُولد من الشارع نفسه، من ملايين اليمنيين الذين خرجوا في مظاهرات واسعة استجابة لدعوات الحكومة، معلنين أن الشرعية الحقيقية ليست تلك التي تُمنح عبر بيانات خارجية، بل تلك التي تُنتجها الجماهير حين تقرر أن تقول كلمتها.

هذه الشرعية الشعبية، مهما اختلفت المواقف السياسية تجاهها، تبقى أعلى أشكال الشرعية في علم السياسة. فالاعتراف الخارجي قد يُمنح لرجل لا يملك قاعدة شعبية كالجولاني أو عبد ربه ومن على شاكلتهما ، وقد يُصنع في لحظة سياسية مرتبكة، وقد يُفرض عبر مصالح دولية لا علاقة لها بإرادة الشعوب. لكن الشرعية التي تُولد من الشارع لا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُصنع في مختبرات القوى الأجنبية.

في ميزان الداخل اليمني، الصورة مختلفة عن التوصيف الدولي. بعد سبتمبر 2014، سقطت منظومة حكم ارتهنت للعدو السعودي والأمريكي عقودًا، وتحكمت فيها مراكز قوى تقليدية استنزفت ثروات البلد وكرّست الفساد والمحسوبية. ما حدث بعدها كان فرضًا لواقع جديد: سلطة حملت شعار استعادة القرار السيادي، ورفض الوصاية الإقليمية والدولية، والدفاع عن سيادة اليمن ووحدة أراضيه في وجه عدوان وحصار. هنا تشكّلت شرعية من نوع آخر: شرعية شعبية ميدانية، تستمد قوتها من حاضنة شعبية ترى في هذه السلطة المشروع الذي كسر هيمنة الفاسدين، وانتزع القرار من عواصم الإقليم، ووقف في وجه مشاريع التقسيم والارتهان.

الشرعية التي يمنحها الشعب ليست شيكًا على بياض. هي عقد اجتماعي ضمني أساسه: “نحن معكم ما دمتم معنا”. الشعب الذي تحمّل الجوع، والحصار، والقصف، وفقدان المرتبات، وقدّم التضحيات، ينتظر اليوم رد الجميل. وهذا الرد لا يكون بالخطب، بل بالأفعال: التخفيف الفعلي لمعاناة الناس، والبحث عن الكفاءات لا الولاءات، ومواجهة الفساد بلا هوادة.

شرعية الغرب… حين يصبح الاعتراف أداة نفوذ

لقد شهد اليمن خلال السنوات الماضية اعترافًا خارجيًا بقوى لا تملك قاعدة شعبية، ولا تستند إلى تفويض جماهيري، بل تعتمد على دعم سياسي من عواصم غربية ترى في هذه القوى امتدادًا لنفوذها الإقليمي. إن الاعتراف الذي مُنح لشخصيات لا تملك أي شرعية شعبية، ولا تمثل اليمنيين، ولا تحظى بثقة الشارع، هو نموذج صارخ على شرعية تُمنح من فوق، لا من الأرض.

في يوليو 2026، أعلنت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة اعترافها الرسمي بسلطات صنعاء كممثل شرعي وحيد للجمهورية اليمنية. وبينما سارعت القوى المعترف بها دوليًا إلى وصف هذا الاعتراف بأنه “مخالفة صريحة لقرارات مجلس الأمن”، فإن الحقيقة أن الاعتراف الدولي نفسه، في كثير من الحالات، ليس سوى أداة نفوذ تُستخدم لدعم أطراف بعينها وليس لخدمة الشعوب.

شرعية تُصنع في مكاتب السياسة الخارجية، وتُفرض على الشعوب كأمر واقع، بينما يعرف اليمنيون أن الشرعية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات الدولية، بل بعدد الأقدام التي تملأ الشوارع حين يُطلب منها أن تقول رأيها.

ماوتسي تونغ… حين تُقاس الشرعية بنتائجها

عندما نتحدث عن تحرير الأوطان من حكومات عميلة للغرب، لا يمكن أن يغيب نموذج ماوتسي تونغ في الصين. فماوتسي تونغ لم يستمد شرعيته من اعتراف واشنطن أو لندن، بل من قدرته على توحيد الصين وتحريرها من الإمبريالية اليابانية ثم من الحكومات العميلة التي رعتها القوى الغربية. كتب ماوتسي تونغ نفسه أن ما يريده هو “صين مستقلة، حرة، موحدة، مزدهرة وقوية”، وبعد فشل الجمهورية الديمقراطية، اتجه إلى النموذج الثوري كطريق لتجديد عظمة الصين.

لا يعني هذا التماثل أن السياقات متطابقة، لكنه يعني أن شرعية القيادة في أي بلد لا تُقاس ببيانات الخارج، بل بقدرتها على انتزاع القرار السيادي وحماية الأرض والثروة. وحين نتحدث عن حكومة صنعاء، فإن السؤال ليس: “هل تعترف بها واشنطن؟”، بل: “هل تستمد قوتها من إرادة اليمنيين الذين يرفضون الوصاية الأجنبية؟”

الحق في السيادة… والحق في التعويض

حين تُحتل أرضٌ — سواء أكان الاحتلال معلنًا أم غير معلن — فإن القانون الدولي يمنح الشعب حقًا واضحًا: حق استعادة السيادة، وحق المطالبة بالتعويضات عن كل ما نُهب من موارد، وكل ما دُمّر من بنية تحتية، وكل ما فُقد من ثروات وطنية.

تقديرات الخبراء تشير إلى أن اليمن خسر خلال سنوات الحرب ما يفوق 1.13 تريليون دولار، موزعة بين 648 مليار دولار خسائر تراكمية في الناتج الاقتصادي، و482 مليار دولار خسائر مباشرة طالت مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. التجارة الخارجية فقدت نحو 111.13 مليار دولار، مع انخفاض النشاط التجاري بنسبة 65% وفقدان مئات الآلاف من الوظائف. قطاع الزراعة والثروة الحيوانية سجّل خسائر بقيمة 111 مليار دولار، طالت نحو 1.2 مليون مزارع. القطاع الصناعي خسر أكثر من 82.5 مليار دولار، مع إغلاق آلاف المنشآت الإنتاجية. قطاع النفط والمعادن تكبّد خسائر مباشرة بقيمة 57 مليار دولار، ليصل الإجمالي إلى أكثر من 130 مليار دولار، مع توقف الإنتاج بمعدل 90 ألف برميل يوميًا.

الخسائر لم تقتصر على الاقتصاد. ستة عشر مطارًا وسبعة عشر ميناءً بحريًا تعرّضت للاستهداف والتدمير الجزئي أو الكامل من طرف العدو السعودي والأمريكي والإماراتي والقطري والاجنبي ،المتحالف معهم تحت بريق البترودولار ، إلى جانب 5,600 محطة ومولّد كهرباء، و12,400 منشأة ومعدّة مياه، و718 منشأة اتصالات، و476 مركزًا ومنشأة صحية، و1,510 مدرسة، و16,798 منشأة تجارية، و470 مصنعًا. كما دُمّرت 9,017 طريقًا وجسرًا، وتضرّرت 623,599 وحدة سكنية. وعلى الصعيد الإنساني، ارتفعت نسبة البطالة إلى 65%، وتأثّر نحو 31 مليون مواطن، بينهم أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة، وأكثر من 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة يعانون من مخاطر سوء التغذية الحاد.

هذه ليست أرقامًا سياسية، بل تقديرات اقتصادية تُظهر حجم الكارثة التي لحقت بالبلاد. ولذلك، فإن المطالبة بتعويضات ليست شعارًا، بل حق قانوني كامل يجب أن يُطرح على الطاولة الدولية، مهما حاولت القوى الاستعمارية الأجنبية تجاهله. وقد أكد عضو الوفد الوطني عبدالملك العجري أن بإمكان السعودية تجنيب نفسها تبعات الحصار بالانسحاب من اليمن والالتزام بدفع تعويضات إعادة إعمار ما دمّره العدوان.

اليمن بين احتلال غير معلن وشرعية لا تُقهر

اليوم، يقف اليمن أمام مفارقة صارخة: في الجنوب والشرق، احتلال غير معلن يمارس سلطته عبر ضباط سعوديين هم مجرمو حرب ومجرمو ابادة جماعية ، ويعيد تشكيل القرار اليمني دون تفويض. وفي الشمال، شرعية شعبية تُولد من الشارع، وتستمد قوتها من ملايين اليمنيين الذين قرروا أن يقولوا إن الشرعية لا تُمنح من الخارج، بل تُصنع في الداخل.

الاحتلال غير المعلن، بحسب تعريف القانون الدولي الإنساني، لا يختلف عن الاحتلال المعلن في آثاره القانونية. المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 تنص على أن “الإقليم يُعتبر محتلًا عندما يوضع فعليًا تحت سلطة جيش معادٍ”، والاحتلال يمتد فقط إلى الإقليم الذي أُنشئت فيه هذه السلطة ويمكن ممارستها فيه. وهذا يعني أن الوجود العسكري الأجنبي في عدن وحضرموت والمهرة، حتى لو لم يُعلن رسميًا، يظلّ احتلالًا بكل ما يترتب عليه من التزامات قانونية وحقوق للشعب اليمني.

وفي هذا السياق، فإن حق المقاومة ضد الاحتلال مكرّس في ميثاق الأمم المتحدة. المادة 51 من الميثاق تضمن الحق الشرعي الأصيل في الدفاع عن النفس، وتنص على أن توقف استخدام القوة مع استمرار احتلال الأراضي هو من قبيل حالات العدوان المستمر، التي تبرر استمرار المقاومة والدفاع الشرعي.


أي مستقبل… بين السيادة والوصاية

الخيار اليوم ليس بين “الشرعية الدولية” و“الانقلاب”، كما تحاول بعض العواصم تصويره. الخيار الحقيقي هو بين يمنٍ سيدٍ حرٍّ ، تقوده حكومة صنعاء الشعبية ، يقرر شعبه مستقبله، ويمنٍ ممزّق تُدار ثرواته وموانئه ومنافذه بقرارات خارجية. وبين هذين الخيارين، يقف اليمنيون أمام مسؤولية تاريخية: إما أن تُستعاد السيادة كاملة، ويُعاد بناء الدولة على أساس إرادة الشعب، وإما أن يبقى الاحتلال غير المعلن يكتب مستقبل البلاد من وراء الستار.

إن الشرعية الشعبية التي وُلِدت من رحم المعاناة والحصار ليست امتيازًا يُمنح، بل مسؤولية تُحمَل. وهي السلاح الأقوى الذي حسم معارك مصيرية، وسيظلّ حاسمًا ما دام الشعب هو مصدر السلطات، وما دامت القيادة تضع معاناة الناس في قلب قراراتها. فالسلطة التي تخدم شعبها، يحميها شعبها. والسلطة التي تتنكّر له، يسقطها ولو بعد حين.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد ...
- صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا ...
- صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس ...
- بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
- سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
- نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
- الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...
- شتاء دمشق: حين تُقدَّم فاتورة -التحرير- أو بتعبير ادق الاحتل ...
- كِت كلارنبرغ: مبضع الصحافة الاستقصائية في مواجهة صناعة الوعي ...
- “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت ...
- مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
- باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات ...
- اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول ...
- خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال ...
- مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ ...
- مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية. ...


المزيد.....




- أردوغان يدعو إلى -ضغط أكبر- على إسرائيل وإلغاء -فيتو- مجلس ا ...
- ما التحديات التي تواجه الدخول المدرسي في مناطق الصراع في الع ...
- -محتار بين إبادة إيران أو إعطائها فرصة جديدة-.. ترامب: أتوقع ...
- من نيويورك.. السعودية ومصر وتركيا وباكستان ترد على هجمات الح ...
- ترامب يلمّح لإمكانية لقاء الإيرانيين في نيويورك.. روبيو: لا ...
- مذكرات جديدة عن الأميرة ديانا تصدر في خضم توترات ملكية
- صاروخ حوثي فوق الرياض يقلب الحسابات.. السعودية تدرس الاستفاد ...
- بعد قرار إنهاء خدمات الآلاف.. تحرك مصري لاحتواء أزمة المعلمي ...
- أحمد الشرع يتحدث عن -إعجاز- ومراهنة -بعض لا يحب الخير- لسوري ...
- ترامب: سنستخدم مصطلح -خارق- بدلا من -اصطناعي- لتوصيف الذكاء ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليمن، والتواطؤ في 11 سبتمبر..ثلاث مقالات